تقديس الأشخاص في العقلية العربية بين صدر الإسلام وعجزة

جاسم محمد كاظم
2017 / 4 / 29

تقديس الأشخاص في العقلية العربية بين صدر الإسلام وعجزة
عرف العرب عبادة الطوطم كغيرهم مثل بقية الأمم وبقيت آثار الطوطمية حتى اليوم في أثارهم وأسماء عشائرهم كبني ثعلبة وأسد ونمر وضبع .
وان كانت الراية والعلم أخر آثار الطوطم المعروفة في عالم اليوم .
لكن التاريخ لم يورد بان العرب قد عبدوا رؤساء عشائرهم أو فرسانهم وأعطوهم قدسية ومنزلة تقارب منزلة الأرباب والأصنام التي عبدوها .
وجاء في القران أن أهل مكة تعجبوا من دعوة النبي لهم بأنة رسول السماء ووصفوه بالسحر مرة والجنون مرات كثيرة لان وعيهم في تلك الفترة لا يعرف كيفية اتصال الإنسان بالرب وتكوين النبوءات .

وبقي اغلب أهل مكة من الدهريين فلم يؤمنوا بالجنة والنار والآخرة والملائكة وخلق علوي فوقهم فكانت حياتهم هي الحياة الوحيدة التي يعرفونها .
((23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ)
(36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38)
وعلى هذا المنوال اعتبر أثرياء مكة دعوة النبي لهم بأنها مؤلفة من قصص الأولين وأساطيرهم الخيالية لان عقلهم الواقعي يرفض المعجزة التي لم تتحقق في حياتهم القاسية والجافة وطالبوا النبي بمعجزة مثل ما تقول الآية .:

وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ( 90 ) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ( 91 ) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ( 92 ) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ( ..
(وَقَالُواْ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً)
وكذلك سار النبي في دعوته الإسلامية بأنة شخص أنزلت علية رسالة ولم يعطي الرسول لنفسه صفات العظمة والقداسة وأشارت الكثير من الآيات لذلك بأنة بشرا عادي لا يختلف عن البقية بالموت وتحسس الألم والإصابة بالمرض إلا ما عصمة الله .
وتقول عنة الآية ( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ})
وكان المسلمون يشيرون على النبي في بعض الأمور ففي معركة بدر وبعد نزول الرسول محمد والمسلمين على أدنى ماء بدر من قريش، اقترح سعد بن معاذ على الرسول بناء عريش له يكون مقرّاً لقيادته ويأمن فيه من العدو،["

وحين تجمع الأحزاب لغزو المدينة أشار سلمان الفارسي على النبي بحفر الخندق حين عرف المسلمون بأنهم لن يستطيعوا النزال مع مشركي قريش وقبائل العرب
وبقي المسلمون لا يقدسون النبي كما نقدسه نحن اليوم لأنهم يرونه شخصا مثلهم عاديا خص بالرسالة .
وحين التحق النبي بالرفيق الأعلى ورحل عن عالم الدنيا قال الخليفة الأول أبو بكر في تأبينه .:
" من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات "ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت "
ولم يأتي في كل كتب السير أن المسلمون كانوا يزورون قبر النبي وخصصوا يوم وفاته كتاريخ مقدس لزيارته والبكاء والنواح علية .

وسار خلفاء النبي على هذه السيرة بعيدا عن اسطره التاريخ والأشخاص بويع أبو بكر بالخلافة فلم يظهر لنفسه التقديس والعصمة فقال في أول كلمته "
" أما بعدُ، أَيُّها الناسُ فَإِني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم فإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُوني. ...أَطِيعُوني ما أَطَعْتُ اللَّهَ ورسولَه فإِذا عَصَيْت اللَّهَ ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم.."
وبقي خلفاء النبي أناس عاديين جدا ليس لهم من الاسم سوى خلافة النبي ولم يطلبوا من البقية تعظيمهم أو توقيرهم.
ولم يسجل التاريخ في صفحاته أسماء أمراء لأبناء الخلفاء الراشدين بحكم منصبهم السامي فلم يتسمى محمد ابن أبي بكر بالأمير لان والدة خليفة المسلمين أو يصبح عبد اله بن عمر كذلك ولان الخلافة كانت مسؤولية جسيمة فقد قال عمر بن الخطاب بعد أن طعنة الفارسي أبو لؤلؤة حين طلبوا تولية ابنة عبد الله
"يكفي آل الخطاب ما نال منها عمر "
ووصف ضرار الصدئي الإمام علي حين طلب معاوية منة ذلك فقال .:
"كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه "
تغير شكل الخليفة وصورته بعد عصر الراشدين بنمو الإمبراطورية العربية واختلاطها بالشعوب والثقافات الأخرى وأصبح الخليفة شيئا فشيئا شخصية استثنائية تقارب من التقديس وتسمى أبناءة بالأمراء وبدماء زرقاء تختلف عن بقية الدماء .
وما أن وصلت الخلافة لأبناء العباس حتى أصبح الخليفة قدس الأقداس و انفصل العقل الفقهي عن العقل السياسي بظهور فقهاء المذاهب وتشتت الدين إلى ملل متصارعة على الشرح وشرح الشرح وتبنت السلطة المذهب الذي يؤيدها ويعطيها أحقية السلطة وظهرت الفرق المناوئة للخلافة .
وبامتزاج هذه الفرق مع الأقوام الأخرى من الفرس والهنود وبقية الثقافات المناوئة للسلطة فجسدت مسميات قادتها وفقهائها وأعطت لهم هالات من النور والقدسية فأدخلت أدبيات تلك الأقوام وقصصها الخرافية عن الخلق والملوك تحت المسميات التي تؤمن بها ونسجت من الخيال لائمتها وزعماءها أشياء تخالف المعقول وجعلت منهم أناسا فوق مستوى البشر ودون مستوى الله يعرفون كل شي تطوى لهم الأرض عند المسير وتختصر لهم المسافات يستطيعون تحريك الأشياء عن بعد وسجلت في كتبها المستورة ألاف الكرامات والخوارق لهم وهكذا دخل التقديس الوثني في العقلية العربية وأصبحت عبادة الأشخاص والتقرب لهم ديانة قائمة بذاتها .
وتحول الدين من أسلوب للهدايه إلى سلعة يتحكم بها أصحاب الفرق لصالحهم في تحصيل الأموال عبر مختلف الحيل .
ناوأت السلطة الأموية والعباسية هذا الأفكار الدخيلة في العبادة واعتبرت هذه الفرق ضالة ومضلة وإنها تلوث الدين وتضيف علية أشياء ليست منة .
إن ما نراه اليوم من هالات التقديس الوثني للأشخاص عند بعض الفرق الدينية لأشخاصها لم يعرف أبدا في عقلية العرب أيام صدر الرسالة وجزئا كبيرا من عصر بني أمية لأنهم يعرفون أن الأشخاص متساوون كأسنان المشط مثلما يقول الحديث النبوي ولو عاد أولئك الذين عاشوا في تلك الحقبة ورأوا اليوم هالات التقديس لبعض الأشخاص وتشبههم بالأرباب المتعالية لاستنكروا ذلك كثيرا وضحكوا بملي الفم مثلما استهزئ قادة لاسكندر المقدوني حينما طلب منهم الاسكندر السجود له حينما رأى الفرس يعملون ذلك لملوكهم وقابلوه بالصفير والضحك .

///////////////////////////م
جاسم محمد كاظم