رؤية أخرى لتنوير محمد علي

سامح عسكر
2017 / 4 / 29

لا يفهم القول بأن عصر محمد علي كان عصر تنوير أي أنه عصر (عدالة)

قد يكون التنويري ظالم..هذا يتوقف على طبيعة الشعب متنور أم جاهل فيضطر الحاكم لفرض العلم بالجبر، وهذا ما حدث مع محمد علي، لكن لا يعني ذلك أن الشعب المصري كان مثقف أو كان يشعر بالعدالة..

رفاعة الطهطاوي نفسه -وهو متوفي بعد محمد علي بعدة عقود- جاء بأفكار أوروبية إلى مصر لم تقبلها الجماهير، فاضطر للتنازل عن بعض قناعاته وتبنى مذهب العوام حفظاً لنفسه، ودوّن ذلك في كتبه حتى ظهرت صورة الطهطاوي مذبذبة لا هو متنور صادق عند المثقفين ولا هو مسلم موحد عند العوام..والصورة الثانية بالذات تبناها السلفيون بالوراثة حتى شاع بينهم أن تيار الطهطاوي لم يكن على الإسلام الصحيح..أما الصورة الأولى فتبناها جزء من التيار العلماني خصوصا تيار ابن رشد الثائر تماما على القديم والناقد بحدّة للتراث..

لكن كيف أن محمد علي لم يكن عادل؟

يوجد فارق بين التنوير(السلطوي) الذي فرضه محمد علي والتنوير (الشعبي) الذي ساد في أوروبا قرنين من الزمان..أي أن القاعدة الجماهيرية المصرية عند الباشا الألباني لم تكن عاقلة، وهو ما جعله يطبق قوانين غاية في التعسف كالاحتكار والسخرة والضرائب الباهظة لعدم ثقته وإيمانه أنه يتصرف (كوكيل) عن الشعب..بل (كسيد)، حتى أن المعارضة المملوكية التي كان يحتمل أن تتمرد على هذا الوضع قضى عليها في القلعة، والمعارضة الأزهرية قضى عليها بنفي زعمائها واعتقال الشيوخ..

صحيح الرجل أنجز مشروعات جيدة للمصريين أفقيا ورأسيا وحتى عقليا، لكن في وقته لم يكن محمد علي ذلك الحاكم العادل الذي قد يتصوره البعض خطأ، الرجل كان موصوف في أكثر قرى الصعيد (بظالم باشا) لتسلط جنوده على الفلاحين وقلة الأجور بل وانعدامها أحيانا بحجة التضامن.. الذي كان هو النسخة الأولى من الاشتراكية المصرية بشكل بدائي، راجع مذكرات إدريس افندي المتوفي عام 1879م، هو مستشرق فرنسي إسمه الأصلي (بريس دافين) جاء إلى مصر وعمل فترة مع محمد علي حكى فيها الجانب الآخر من حكومته...

كذلك يجب أخذ موقف الجبرتي من محمد علي بعين الاعتبار، فهو مؤرخ من أشهر مؤرخي مصر موضوعية، وحكى مظالم الباشا الألباني، ولما لا وحفر قناة السويس شاهد على ما تبقى من حقبة محمد علي من ظلم وسخرة للفقراء واستغلال كامل لطاقتهم بثمن زهيد..حتى لو أدى ذلك إلى موت الفلاحين..

يبقى السؤال: ماذا لو تعارض التنوير مع العدل؟

الإجابة على ثلاثة أوجه:

الأول: من حيثية الحكومة، هنا يجب تقديم التنوير لنتائجه المميزة على المدى البعيد، أي أن الدكتاتور المتنور قد يكون أفضل من الديموقراطي الجاهل ، هذا يبني أمة وشعب لكن بتضحيات..والثاني لايبني شئ..حتى العدالة لن يمارسها بشكل كامل، والكارثة لو شاعت بعض الأيدلوجيات المتطرفة وأخذت بعدا شعبيا..حينها تكون الديموقراطية وبال على الجميع..وطرحي هذه الحيثية لا يعني موافقتي على تطبيق محمد علي لها، فأنا أتعامل مع التنوير كمثقف وليس كمسئول أو عامي..

الثاني: من حيثية الشعب، هنا يجب تقديم العدالة لأن التنوير وقتها غير مفهوم، والعدالة أوجز وأنجز..فهي تحل مشكلات الناس وتنشر التسامح والرحمة..هذه لوازم أولية لكل مجتمع لا غنى عنها كي لا يتفكك ويحترب احترابا أهليا..

الثالث: من حيثية المثقفين، هنا يجب حل التعارض والبحث في نظريات وبراهين وتجارب تضمن تحقق العدل مع التنوير، فالمثقف هو قائد المجتمع الحقيقي..وعندما يغيب تبطش الحكومة لعدم إدراكها للعدل، وينبطح الشعب لعدم إدراكه للتنوير..فالمثقف إذن هو حلقة الوصل التي تجعل من الحكومة كيان ناضج ومن الشعب يحفظ حقوقه..

في عصر محمد علي غابت فئة المثقفين كون الشرق الأوسط حينها ما زال يرضخ للخلافة الرجعية في تركيا، وسلطة المذاهب كانت على أشدها..حتى أن أحمد عرابي عام 1882 في معركة التل الكبير كان يستعين بالمشايخ وقرائتهم للبخاري في النصر على الإنجليز فكانت النكبة، فالثقافة وقتها كانت غير موجودة، لذلك بطش محمد علي مع أنه تنويري..وانبطح الشعب رغم ضياع حقوقه..ولم يشفع للشعب عدد المدارس التي أنشأها الباشا ورعاها بنفسه، أو البعثات العلمية..كل هذا ضاع في ظل الإيمان بخلافة تركيا وقدسية المذاهب الأربعة وضرورة الجهاد الديني..

لو أسقطنا هذا الوضع على الواقع المعاصر فضغط السيسي على الأزهر وتبنيه تجديد الخطاب الديني هو أفضل مع أنه دكتاتور..وفاشل على مستويات السياسة والاقتصاد، لكن نشر التنوير ولو باللفظ – دون الموضوع- هذا يجعل قيمة للفظ تتطور بمرور الزمن، هذا له أثر إيجابي إلى ما بعد رحيل السيسي..يكفي أنه أشاع مفهوم التجديد وأضاف له بعدا شعبيا لأول مرة بعد أن كان منحصر في فئتي الشيوخ والمفكرين..

كذلك في السعودية، فرغم أن الملك سلمان وإبنه مجرمين وارتكبوا شنائع في اليمن ودعموا الإرهاب في سوريا والعراق، علاوة على أنهم طغاة دكتاتوريين لكن مع ذلك يوجد تطور فكري في المجتمع السعودي، هناك لأول مرة تحدث مراجعة لهيئة الاحتساب –الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وسمحوا بدخول الموسيقى للجامعات آخرها فرقة أسيوية عزفت أوبرا هناك منذ أيام، وأمس أقدمت جامعة الفيصل على تكريم طالباتها وهن مكشوفات الوجه..إضافة للتضييق والإرهاب الذي يمارسونه على شيوخ الوهابية الكبار ومنعهم من التدخل السياسي أو نقد السلطات بأي شكل..

أعتقد أن السعودية ومصر يقدمان على تغير كبير..قد يوازي التغير الذي أسسه محمد علي ورسخ له المثقفين المتأثرين بحقبته التنويرية أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20، كذلك في السعودية هناك انفتاح بشكل ما..لكن ما زال ضئيل وفي حدوده الدنيا، يعطل ذلك موقفهم الطائفي من إيران والشيعة..هذا يجعل من أي جهود تنويرية تذهب هباء..ويحملهم التاريخ دماء أطفال اليمن ومجاعة شعبهم الذي يئن تحت وطأة حصارهم الممول أمريكيا بشكل كبير..

أخيراً: أشير إلى أمر هام رددته كثيرا، أن الاعتماد على أمريكا في رسم سياسات الشرق الأوسط خطر جدا..هذه دولة براجماتية لها نزعة إمبريالية طاغية، وفلسفتهم قائمة على الاستغلال والواقع الحركي دون التسامح والتنظير الفكري، ومشكلة الشرق الأوسط بالأصل فكرية..فلن تجد اهتمام كافي من الأمريكان، قد تجد من بعض مفكري أوروبا-وهذا الذي يحدث- أما أمريكا فلا..يجب أن تكون علاقتنا مع هذه الدولة بحدود ولا نسمح لها بالتدخل بأي شكل..ولو كانت قوية فشعوب المنطقة أقوى..

لو سمحت شعوب المنطقة لأمريكا بالتوغل والتأثير يعني استغلال الأمريكان (ثقوب) المجتمع وفراغاته في الضغط لانتزاع مصالحهم، ونموذج دعمهم للإخوان والحركات الأصولية شاهد، وما من مجتمع إلا وفيه ثقوب وفراغات ..فالأمريكان عمليا لا يعيشون في المنطقة ولا يتأثرون بما يحدث فيها..لذا فهم لا يشعرون بأزماتنا الحقيقية، والبعد الجغرافي أضاف لهم ميزة التحكم والحماية في ذات الوقت..بخلاف دول أخرى إذا أرادت شعوب المنطقة التأثير أو الانتقام فالطريق أسهل وأيسر..