تضامنا مع د. عبدالعزيز القناعي

سامح عسكر
2017 / 4 / 27

الدكتور عبدالعزيز القناعي مفكر كويتي أعرفه منذ سنوات، رجل مهذب ثاقب الفكر وحاد الرأي، من أكثر المثقفين الذين عرفتهم شجاعة في التعبير عن أفكاره وامتلاكه لقواعد اللغة والبلاغة في تبسيط أفكاره ضمن كليمات بسيطة لا تزيد عن 140 حرفا هي كل ما يسمح به موقع تويتر..

ظهر في برنامج الإتجاه المعاكس على قناة الجزيرة، ولطبيعة هذا البرنامج فالضيف الآخر كان من التيار الإسلامي السلفي الداعي إلى الجمود والتشدد وتكفير المثقفين..وما إن ظهر حتى سن المتطرفون السلفيون في الخليج حملة ضده تستهدف بالأصل إرهابه وثنيه عن أفكاره، بل بعضهم نادى بقتله على غرار تجربة فرج فودة التي نتجرع مراراتها حتى الآن في مصر بعد ما يقرب من 25 عاماً على حدوثها..

جريمة القناعي التي يشيب لها الولدان هو أنه كشف أزمة المسلمين في دينهم الآن، وأن ما يحملونه من معتقد لا يدعو للتحضر بل للإرهاب، وأن نسخة الإسلام الحالي تحتاج إلى إعادة نظر على الأقل كي يحمي المسلمون أنفسهم من أمراض العصر المدمرة كالفقر والفساد والظلم والإرهاب، تلك الأمراض الذي يكفل انتشارها نهاية العالم..وقال أن دعاوى الحرية التي يطلقونها هي فقط لحرية الذبح والقتل..لا حرية الإنسان والتعبير عن رأيه وقناعاته أو حفظ حقوقه الخاصة والعامة، فانتفض المتطرفون يهاجمون الرجل ويتهمونه بالإساءة للإسلام، بينما في الحقيقة هو يكشف تدين المسلمين الحالي الزائف، ولأنه يفصل بين الدين والتدين كمنهجية فكر..

سبق القناعي في مصر تجربة بعض الجهابذة كفؤاد زكريا وحسين العشماوي ، وقديما أحمد لطفي السيد وطه حسين وقاسم أمين، فجميعهم كانوا يدركون خطورة الجمود العقلي وتوقف الاجتهاد ومراجعة المذاهب والأديان والأعراف التي يحملها البشر الآن، ليس فقط عند المسلمين بل يشمل ذلك كل الأديان والمذاهب بشكل مطلق، ذلك لأن العالم في تغير دائم وانتقال لا يتوقف من حال إلى حال، وصيرورة تهدم كل متخلف يقف في طريق التغيير، ولم يتعظ العرب من هذا الواقع بل أصروا على استكمال مسيرة الهدم التي بدأها الأجداد حتى وصلنا في القرن الحادي والعشرين في ذيل الأمم في كل شئ، وسبقتنا أمم أخرى أصغر وأقل إمكانيات وموارد..

إن الحقيقة التي غابت عن خصوم القناعي أنه لم يتحدث فقط بشكل منطقي..بل تحدث (كواقع) وهو فرق يحدث كثيرا ولا ننتبه إليه بيد أن العربي يريد تطويع الواقع لأفكاره، كمن يصر أن الأرض ليست كروية لكن العلم والواقع أثبتا غير ذلك، فخصوم الرجل أنكروا واقعيته وكشف لأزمة المسلمين والعرب لأنهم يؤمنون أن إسلامهم لا يمكن أن يأتي بذلك، لكن مهما حاولوا أو ادعوا وأنكروا سيرى الجميع الواقع بمن فيهم هم.. الذين عموا أعينهم وسدوا آذانهم وتعمدوا فقدان كل حاسة إنسانية تحملهم على التعقل وتبصر ما يجري بعين المراقب الجاد..لا بعين الحالم النائم..

إن ما يدعو له القناعي ليس دين جديد..ولكن أن نعود لإنسانيتنا ونحارب الفتن الطائفية والكراهية والدعوة للعنف والتمسح بالإسلام في كل كبيرة وصغيرة، فهل يختلف في ذلك أحد؟..إنهم يتصورون أن مجرد أن يقاوم شخص هذه الحروب والفتن فهو عدو..بالضبط كمن أراد قتل غاندي لأنه حقن دماء ملايين الهنود بفعل انفصال باكستان، أو من قتل السادات لأنه صالح إسرائيل، وأخيرا من قتل إسحاق رابين لأنه صالح الفلسطينيين..

الإرهاب لن يتوقف قبل توقف كل مصادر الدعوة للكراهية والعنف، وفي مقدمة ذلك من هاجموا القناعي لمجرد أفكاره، يجب معها حصار الشيوخ وتراثهم الملعون الذي لم يقف فقط لحد التكفير..بل إلى الذبح والحرق والهدم..ولو قدر الله امتلاكهم سلاحا ذريا لقتلوا به الملايين ولم يبالوا، فالحياة فقط لمن يعيش على مذهبهم وطريقتهم في التفكير، والحرية فقط لمن يخضع لهم ولو بالظلم..

أخيرا: أؤمن أن منبر الجزيرة الذي تحدث منه القناعي لم يكن مناسبا لعرض هذه الرؤى التنويرية، فالجزيرة مكان للتطرف والدعوة للعنصرية منذ زمن، وجمهورها يكاد يكون يحمل أفكار خصم القناعي بمن فيهم مقدم البرنامج فيصل القاسم..هذا الرجل الذي دعا بشكل صريح إلى قتل أطفال ونساء وشيوخ العلويين، ومحرض رئيسي على مجزرة كفريا والفوعة، لكن طالما اختار القناعي ذلك هو حر يجب أن نحترم خياراته..ربما يرى أشياء لا نراها..وواجبنا أيضا أن نحميه ونصونه في هذه الشدة التي تعرض لها، وفي مصر هنا لم نترك إسلام بحيري وعبدالله نصر وناعوت وكل من يُحاكم من أجل أفكاره..كذلك الواجب أن ينتفض المثقفون للدفاع عن القناعي..

ورأي الشخصي أن الكويت بها مساحة فكر أكبر من نظرائها في دول الخليج، لكن يملكون حساسية مفرطة ضد أي إساءة من كل شكل ونوع، وعلى كل مهتم أن يبحث في حماية الرجل والدفاع عنه سواء بالتضامن معه في مسقط رأسه أو بالكتابة أو تقديم بلاغ ضد المحرضين..وهم من أشعلوا موقع تويتر في التحريض ضده ..بلاغ مثل هذا كفيل بلجم المتشددين الذين يعتمدون على مواقع التواصل في بث إرهابهم وتكفيرهم للناس..وعلى كل مسئول في الكويت أن يتحمل مسئوليته تجاه القناعي..فلو مسه سوء فالجميع مسئول بمن فيهم الأمير بصفته وشخصه..