الإحتضار في زمن الإنتظار القسم الخامس والأخير

صادق إطيمش
2017 / 4 / 27

الإحتضار في زمن الإنتظار ـ القسم الخامس والأخير
احتضار التعليم في خرائب المدارس

حينما يعلن احد قادة الدولة العراقية اليوم بان دولته هذه قد فشلت في بناء المدارس بعد مرور اربعة عشر عاماً على وجوده ووجود رهطه على قمة العملية السياسية ، فإن ذلك يعني اول ما يعني بان هذه الدولة العراقية بكل ما تملكه من ايرادات مالية وكفاءات بشرية تسير نحو الإحتضار السريع، إذ ان العِلم يقول ان احد الأسباب الرئيسية للقضاء على المجتمعات يتحقق بالقضاء على الإنسان المتعلم في هذه المجتمعات ، اي بالفشل في بناء الإنسان القادر على ان يجعل مجتمعه مواكباً لمسيرة التحضر العالمية ومساهماً في تحقيق الحضارة الإنسانية. وحينما يجري الحديث عن التعليم فإنه لا يعني فقط حدوده الأساسية المتمثلة بالمعلم والطالب والمدرسة ، بل يتخطى ذلك إلى مجمل تاثير العملية التعليمية على مسيرة البلد المعني اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وخُلقياً ايضاً. وحينما نتناول موضوعة التعليم المدرسي في وطننا العراق بعد مرور اربعة عشر عاماً على حكم عصابات اللصوص في احزاب الإسلام السياسي والتي اعترفت بعظمة لسانها القبيح بانها فشلت في بناء المدارس في العراق، فإننا نعني المراحل التعليمية المختلفة التي تؤثر في بناء ومسيرة الفرد العراقي بدءً بسنين التعليم الأولى وحتى إكمال الدراسات العليا في الإختصاصات المختلفة . فهل نستطيع ، مع الواقع المُعاش اليوم في وطننا ،ان نتحدث عن تعليم بهذه المستويات في عراق تجار الدين وفقهاء السلاطين؟
على هذا السؤال سيجيب كل منصف بلا كبيرة وكبيرة جدا ، لماذا ؟؟؟ً
*لأن العامل الأول المعني بكافة مراحل التعليم وهو المعلم والمدرس والأستاذ لا يمتلك اهم مقومات التعليم الناجح والمتمثلة بحريته الشخصية والعلمية في اداء رسالته هذه . ناقل العلم هذا يتعرض للضغوطات التي لا علاقة لها بالعلم والتعليم من جهات عديدة لا تريد له ان يؤدي عمله كما يراه هو وليس كما يراه السياسي الملتحف بالدين او رجل الدين الغارق في الاعيب السياسة . ولم يقتصر الضغط على توجيه العملية التعليمية وجهة مؤدلجة فقط، بل ان ذلك تعدى لأن يوضع المعلم او المدرس او الأستاذ امام حكم العشيرة وتهور العائلة التي ترى وسيط العلم هذا سبباً في فشل ابنها او ابنتها في الدراسة .وهنا تفعل العصبية الجاهلية فعلها في مجتمع القرن الحادي والعشرين وما على المعلم او المدرس او الأستاذ إلا ان يتدبر امره ، إذ ان وزارته المحترمة جداً !!! لا دخل لها في الأمر، كما يتردد كثيراً في اوساط هذه الوزارة. طبعاً لا يمكن تعميم هذه الظاهرة إلا ان حدوثها فعلاً حتى وإن كان قليلاً يشكل وصمة عار في جبين الساسة القائمين على العملية التعليمية، عار لا يخفيه كوي الجباه او تسريح اللحى. لا ننكر ان بعض المعلمين او المدرسين او الأساتذة يستغلون هذا الإنفلات في العملية التعليمية فيسعون إلى الإثراء عبر الدروس الخاصة التي لا تستطيع اللجوء اليها إلا العوائل المتمكنة مادياً ،مما يؤدي إلى ترك المدرسة احياناً من قِبَل اطفال العوائل الفقيرة ليتجه الطفل او الشاب إلى العمل والمساهمة في توفير اسباب العيش لعائلته. ويحدث كل ذلك في بلد يتقاضى نوابه عشرات الملايين من الدنانير شهرياً وتحولت فيه الجامعات إلى جوامع.
* ولأن العامل الثاني المتعلق باساليب وطرق وكيفية ومدة التعليم في المؤسسات التعليمية العراقية خارج عن كل المقاييس العالمية وقد إتخذ مسيرة تكاد تكون الوحيدة في العالم والتي تميزت بتغليب ايام العطل على ايام الدوام تقريباً. فيوم الدوام لأهم مرحلة من مراحل التعليم وهي المرحلة الإبتدائية يستمر في كثير من المدارس الكئيبة لثلاث ساعات وهي نصف المدة المطلوبة فعلاً ليوم دراسي كامل في هذه المرحلة. وتبعاً لذلك كان من اللزوم الغاء بعض الدروس في كثير من المدارس التي يشغلها الطلاب لوجبتين او ثلاث وجبات في اليوم كدروس الرياضة والفنون مثلاً . كما ان الإنقطاعات الرسمية وغير الرسمية في المؤسسات التعليمية العراقية لا مثيل لها في العالم اجمع. وحينما يُصار إلى التوجه لردم هذه الهوة في العملية التعليمية تقوم قائمة الجهلة الذين غالباً ما يربطون هذه العطل بالشعائر الدينية التي يقررونها هم ولا اهمية عندهم إن كان منفذ هذه الشعائر سيظل جاهلاً بامور دنياه بعيداً عن مواكبة التعلم،لابل قد يفضلونه كذلك في امة تدعي بانها قد بدأت ثقافتها بكلمة إقرأ.
* ولأن المدارس العراقية البائسة تعاني من كل ما يشجع الطالب على دخول هذه المدارس التي يحاكي بعضها الخرائب القديمة التي لم تنلها يد الإصلاح منذ عقود. وصفوف هذه المدارس التي تعمل بالتناوب في بناية واحدة تضم اعداداً هائلة من الطلاب لا يمكن توجيهها وجهة علمية صحيحة. وحينما يتحدث احد رموز هذا النظام عن فشل حكوماته وحكومات احزابه الدينية ومن يقف معها من لصوص المحاصصات ، حينما يتحدث عن فشلهم في بناء المدارس، ينبغي هنا طرح السؤال المنطقي حول المليارات من الدولارات التي فقدتها الخزينة العراقية خلال سنين حكمهم البائسة ولماذا لم يجري صرف عشر معشار هذه المبالغ الطائلة على اهم مفصل من مفاصل بناء الإنسان في وطننا؟
حكومات كهذه وأحزاب كهذه التي تسلطت على انسان وخيرات العراق لا يمكن وصفها إلا بالفشل، والفشل الذريع الذي لا يمكن لكل من يحمل قطرة الخجل بعد إلا ان يتنحى حفاظاً على هذه القطرة. إلا ان احزاب الإسلام السياسي الحاكمة وكل من يسير في ركابها من عبيد الكراسي، لم تفقد قطرة الخجل هذه فقط، بل انها فقدت روح المواطنة التي استعاضت عنها بهوياتها الأخرى التي وضعت الوطن واجياله القادمة خلف ظهورها غير آبهة لما قد يحل في هذا الوطن جراء سياساتها العقيمة وفسادها المُخزي.
إن احتضار التعليم يعني اولاً واخيراً انتشار الفقر المعرفي وشيوع اللاأبالية في المجتمع وانعكاس ذلك على الكثير من مفاصل الحياة والسلم الإجتماعي.
فالفقر المعرفي يؤدي إلى عدم احترام النظام وشيوع العشوائية في الحياة وفي العلاقات بين افراد المجتمع. وقد انعكس ذلك فعلاً فيما ذكرناه سابقاً من خلال تراجع قوانين الدولة امام التقاليد والأعراف العشائرية في عراق اليوم. كما ينعكس ذلك من خلال الحياة اليومية سواءً على شوارع المرور لمركبات النقل حيث يجري العراك على كسب المليمترات على الشارع مع كل ما يرافق ذلك من العصبية والتعامل الخشن في كثير من الحالات. او من خلال مراجعات المواطنين للمؤسسات الرسمية لإنجاز كثير من المعاملات، حيث الفوضى التي يخلقها المراجعون انفسهم حينما يريد كل منهم ان يكون هو ألاول في ايصال معاملته إلى الشباك الكئيب الذي يخفي خلفه موظفاً قد يتثائب احياناً او يداعب هاتفه النقال او يتحدث مع زميله بنكتة عابرة او.... أو ...كما ينعكس الفقر المعرفي هذا على علاقة الناس بالنظافة خاصة فيما يتعلق بالشوارع والساحات العامة. السلوك السائد في مجتمعنا اليوم ينطلق من مقولة " خارج بيتي لا يعنيني " مما يسبب انتشار المزابل في الشوارع العامة والناتج عن رمي كل ما في اليد وانتفت الحاجة منه على الشارع بغض النظر عما يسببه ذلك من تشويه لجمالية الشارع او المكان العام . كما وينعكس احتضار التعليم وانتشار الجهل والفقر المعرفي على استعداد الناس على تقبل الأفكار الخرافية التي ينشط في نشرها اليوم كثير من اولئك الذين اتخذوا من الدين تجارة لهم ومورد ارتزاق لا يبالي واحدهم بما ينشره بين الناس من فكر متخلف لا يستطيع الإنسان الذي لا يعي ماهية ذلك ان يقاومه او يقاوم إغراءاته خاصة فيما يتعلق بالأمور الصحية او الأمل بتحقيق رغبة ما في الحياة. وانتشار الخرافة في مجتمع من المجتمعات ينتقل بهذا المجتمع إلى غياهب التخلف البعيد عن اية علاقة بالمجتمعات الحديثة التي ينبغي للمجتمع العراقي ان يتواصل معها ويتلاقح مع ثقافاتها.
مظاهر الإحتضار في نظام الدعوة إلى انتظار الفرج وزوال الغمة عن هذه الأمة بالتوسلات الغير مرتبطة بالعمل الجدي للتغيير، كثيرة جداً وخطيرة جداً ايضاً إذا لم يجر العمل لتحويل هذا الإنتظار السلبي إلى فعل يؤدي إلى زوال المسببين والمسببات لهذا التدهور الذي يشهده العراق وشعبه على مختلف المستويات وعلى جميع الصُعد. فماذا نحن فاعلون من اجل ذلك؟ هل سنسعى حقاً إلى نفض غبار الإنتظار عن كواهلنا ونسعى إلى التعجيل باحتضار نظام المحاصصات اللصوصية ورواده الأوباش سارقي قوت الشعب ؟ أجيالنا القادمة تطالبنا بذلك، تطالبنا ان لا نورثها ما نحن فيه الآن، وإلا فقد حلَّت علينا نقمة التاريخ.
الدكتور صادق إطيمش