العراق: لماذا العَلم وكركوك الان؟!

كاظم الموسوي
2017 / 4 / 26

في وقت تتقدم القوات المسلحة العراقية، بكل صنوفها واسمائها، في تحرير ما تبقى من مدينة الموصل، خصوصا، والعراق عموما، من عصابات ما يسمى اعلاميا "داعش"، تحاول بعض الجهات الحكومية، او القوى السياسية العاملة، لاسيما في محافظة كركوك مشاغلة الأوضاع السياسية بما يفتح صفحات اخرى من التنافس والصراع السياسي في العراق. وفي كل الاحوال لا تصب، لا في خدمة اهالي المحافظة ولا الإقليم الكردي ولا الوطن العراقي، وانما تثير او تسمح لاتهامها بخدمة العدو المباشر الان، داعش ومن يدعمه، وتفتيت الاندفاع العراقي، الوطني وتحالفاته في دعم الانتصار والتخلص من الارهاب وانقاذ البلاد والعباد منه.
فاذا اعتبر العلم رمزا وطنيا وقوميا وسياسيا فلماذا التلاعب به بهذا الشكل؟!، ولماذا التمسح عبره الان؟!، هل هي بداية لمخطط اوسع ام خطوة لجس النبض، كما يقال في مثل حالات افتعال الأزمات الأهلية والداخلية؟!. من يستفيد من إثارة مثل هذه القضية اليوم؟، ومن هو الرابح فيها؟، وهل هي مطلوبة ولمصلحة من؟. وأسئلة كثيرة تدور حول القرار الذي أعلن صدوره من مجلس المحافظة والمحافظ المعين بوظيفته، عضو قيادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والمرشح السابق لموقع رئاسة جمهورية العراق، وتاريخه المعروف، في رفع علم إقليم كردستان العراق على البنايات الرسمية في المحافظة، التي هي تابعة مباشرة إلى سلطة الحكومة الاتحادية من كل النواحي القانونية والدستورية والسياسية، واي تصرف اخر يعتبر انتهاكا وخرقا لكل تلك النواحي وبغير محله وزمنه واختياره.
معروف أن محافظة كركوك غنية بالنفط، الذي يعد موردا للميزانية العامة للعراق ومصدرا من مصادر الثروة الوطنية لكل الشعب العراقي. كما هو معلن من أن المدينة بالذات تتكون من تركيبة سكانية مختلطة، من الوان الطيف القومي والديني العراقي. يقطنها أكراد وتركمان وعرب واشوريون، مسلمون ومسيحيون، وربما آخرون. واعدادهم موضع استفهام أقره الدستور في المادة التي تسمي المناطق المتنازع عليها، وهي المادة 140 في الدستور المعترف به من جميع الكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية التي نظمها الاحتلال وصفقت لها القيادات التي تتبوأ المانشيتات الإعلامية في تضخيم الأزمات والاستفزاز والتكالب على تقسيم كعكة العراق المطروحة للذبح والتقسيم والتفتيت والدمار.
طبقا للمادة 140 في الدستور الذي اقر عام 2005، كان يفترض البت في مستقبل كركوك على ثلاث مراحل تبدأ بالتطبيع ثم الإحصاء على أن يتبع ذلك استفتاء محلي بشأن عائديتها إلا أن ذلك لم ينفذ بسبب الخلافات السياسية. ووفق التعداد السكاني لعام 1957، شكّل الكرد نسبة 48,3% والعرب 28,2% والتركمان 21.4% والبقية لمختلف الاقليات الدينية والاثنية، وهي نسب تغيّرت باجراءات قمعية وسياسية، وانقلبت حجوم النسب فيها، سواء قبل 2003 او بعده، مما تتطلب قواعد قانونية وإنسانية وعدالة في تقرير مصيرها.
حتى الامم المتحدة قدمت مقترحات ومشاريع تحترم فيها وقائع حال المدينة، كما هي دون تحيز او تعصب او تطرف. ولكن قرار رفع العلم الكردستاني الى جانب علم العراق في دوائر المحافظة واعتماد اللغة الكردية رسميا إلى جانب العربية، خطوة مقصودة واجراء واضح وربما محسوب لاهداف ابعد من معناه المباشر، وله تداعيات، منها ما اعتبره الرافضون للقرار خاصة النواب العرب والتركمان، قفزا على التوافقات السياسية بل تجاوزا أيضا لمقتضى المادة 140 من الدستور العراقي، التي تصنف كركوك كإحدى المناطق المتنازع عليها والتي يرجع الحسم فيها للتفاهم بين الأطراف العراقية المختلفة. واذا كانت هكذا فان ما حصل ويجري يضع الأمر في اطار إعادة النظر في العملية السياسية السائدة وتطوراتها ومآلات الحرب على الارهاب وعنوانه "داعش"في المنطقة.
بعد كل هذا، تتعدد الاطراف المشاركة في تطورات "العلم الكردي" رسميا ودستوريا، وكأن العراق خال من مشاغله الصعبة وتعقيدات العملية السياسية فيه، رغم أن المحافظة خارج الإقليم رسميا واداريا حاليا. اي لا يجوز لها التصرف بغير ما هو مقرر لها دستوريا وسياسيا واداريا.
كرديا.. أكدت مصادر مقربة من قيادات الحزبين الكرديين الرئيسيين، “الديمقراطي الكردستاني” و”الوطني الكردستاني”، أنهما بصدد اجتماع مشترك بين رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، ونائب سكرتير الاتحاد الوطني الكردستاني، كوسرت رسول، لبحث عملية إجراء استفتاء حول " الانفصال"، وقرار البرلمان العراقي برفض رفع علم اقليم كردستان في كركوك. ويبدو أن التصعيد " الكردي" مستمر، لا سيما بعد تأكيد رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني، ( المختلف على شرعية بقائه في موقعه رغم انتهاء مدته): أن إقليم كردستان سيجري استفتاء الانفصال قريبا، مبينا خلال اجتماعه مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، الذي زار الإقليم، إن “الاستفتاء يهدف لإطلاع العالم على إرادة الشعب الكردستاني وحقه في تقرير مصيره ومستقبله”. ومن جانبه واصل المحافظ إصراره على قراره واعتبار قرار البرلمان، غير قانوني؛ لأنه اتخذ بحسب تأكيدات النواب الكرد له، في ظل إجراءات تتنافى مع النظام الداخلي للبرلمان، حسب قوله.
دستوريا: بحث مجلس النواب العراقي، وصوّت على رفع العلم العراقي فقط في كركوك وعدم التصرف بنفط المحافظة، اي بإبطال قرار المحافظ ومجلسه في كركوك. واعتبار الأمر متعلقا باحترام الدستور والتشريع ووقف الخرق القانوني والإداري واي استفزازات اخرى.
اما رسميا فقد رأى المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء العراقي، أن الأزمة المشتعلة في الوقت الراهن غير معهودة في العرف الإداري، وستؤدي إلى مشاكل واحتقانات بين جميع المكونات. كما طالب رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، بتغليب لغة الحوار والتفاهم الأخوي، داعيا الأطراف المعنية كافة إلى التمسك بمبادئ الدستور وتطبيق المادة 140 منه، المتعلقة بمستقبل كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها، والتي لم تطبق بعد.
هل هذه الأزمة مفتعلة؟!. المعطيات التي رافقتها تشير إلى ان الاسلوب الذي جرت عليه يراد منه إثارة قضية وتوسيع مطالب واغتنام الأوضاع المعقدة والمحرجة في العراق من جهة، ومن جهة أخرى استثمار مسبق لمرحلة ما بعد الانتصار على "داعش" في الموصل، وترتيب الاوراق مسبقا. ولكنها في الوقت نفسه تكشف نوايا ليست في صالح التوافق والوحدة الوطنية ومستقبل العلاقات المشتركة لكل المكونات في بناء الوطن الموحد، الحر، المستقل. ولاتعمل في سبيل تسهيل التحديات المتصاعدة امامه، سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا، وابعاد الضغوط والتدخلات الإقليمية والدولية التي تتربص بالعراق اليوم وغدا.