العصبية الطائفية ودورها في نشأة وحل الأزمة السورية

فتحي علي رشيد
2017 / 4 / 26

من الأمور المتفق عليها محليا وإقليميا ودوليا , أن الأزمة السورية أصبحت من أعقد وأخطر الأزمات التي مرت بها البشرية وأشدها فداحة ومأساوية وهولا عبر تاريخها الطويل .ومن المحتمل أن تتزايد خطورتها أكثر في المستقبل , ليس على الشعب السوري والحكومات والشعوب العربية فحسب ,بل وعلى جميع دول وشعوب الشرق الأوسط وأوروبا .من هنا فإن البحث عن مخرج أو حل لها يكتسب أهمية استثنائية ليس للسوريين بل وللعرب وللعالم أجمع .الأمر الذي قد يتطلب البحث في جذورها وأصلها .أكثر مما جرى التركيز على تداعياتها ونتائجها .
وبما أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن والولايات المتحدة وروسيا وجامعة الدول العربية ومبعوثيها الكثر خلال السنوات السبع الماضية قد أثبتت أنها غير قادرة أو غير عازمة ,أو عاجزة عن حل هذه المعضلة والمأساة والكارثة .فإننا بتنا أميل إلى الاعتقاد بأن التدخلات الإقليمية والدولية قد عقدتها أكثر , لذا قد يكون من الأفضل لنا ولهم ,البحث في جذورها الداخلية الضيقه والبحث من خلالها عن حل لها .
وأنا اعتقد أن الكثيرين قد تهربوا من التطرق إلى تلك الجذور الفكرية والاجتماعية ,أو تجنبوا الإشارة إليها أو من مواجهتها بصراحة وشفافية . إما خوفاً من اتهامهم بالطائفية أو بتقزيم المسألة السورية أومن تسييسها .
ونحن نرى أننا ملزمين منهجيا بالعودة إلى جذور وأساس المشكلة الداخلية , فربما نعثر على حل داخلي لها يبعد التدخلات الخارجية التي عقدتها .وهنا لابد لنا من أن نتذكر بأن المشكلة بالأساس هي مشكلة سورية سورية .ولو حلت منذ البداية عن طريق تفاهم السوريين كما جرى في مصر, أو كما يجري في جميع الأزمات المحلية في دول العالم , لما حدثت تلك التدخلات الخارجية,ولما تفاقمت المسألة وطالت . كما أن الجميع يتفقون على أن الحل في النهاية لا يمكن أن يفرض من الخارج , بل لابد من موافقة السوريين عليه . بمعنى أن الحل لابد أن يكون في النهاية سوريا ويحظى بموافقة غالبية السوريين .
وهنا نذكر بأن الدول التي اتهمها النظام لاحقا ـ بالتآمر عليه مثل تركيا وقطر والسعودية أدركت هذه النقطة وعملت على حلها سوريا قبل أن تستفحل وتتعقد . ونذكر حلفاء النظام بأن تلك الدول التي اتهموها بالتآمر عليهم , كانت علاقاتها حتى عام 2011 مع الحكومة السورية وبالتحديد مع بشار الأسد جيدة جدا , بل وأفضل من علاقة النظام بإيران . وهي إذ أرسلت مبعوثيها وحتى زعمائها أو وزراء خارجيتها مع بداية الأزمة .والتقوا مع بشار الأسد بصورة مباشرة ,وقدموا له النصح بأن يقوم ببعض الإصلاحات إذا ما أراد البقاء في الحكم , وإذا ما كان حريصا على مصالحه ومصالحهم التي وطدوها في عهده ,بأن يقدم لشعبه بعض التنازلات التي يمكن أن تجنبه وتجنب سوريا وشعبها أيضا ـ وتجنبها هي كدول مجاورة أو صديقة لسوريا ولشعبها ولرئيسها ,أخطاراً باتت محدقة .
ولقد بات واضحا لنا نحن في سوريا , بما في ذلك كثيراً من الوطنيين من أركان النظام , كما لتلك الدول أن سوريا ستمر بكارثة رهيبة ,إن لم يسرع الرئيس بشار(لما بات يتمتع به كرئيس للجمهورية السورية من صلاحيات واسعة ) ويقوم ببعض الإصلاحات ,أو ليقدم بعض التنازلات للفئات الشعبية السورية الأخرى المتضررة من الهيمنة الفئوية والطائفية فيحافظ على كرسيه وعلى المكاسب التي حصلت عليها طائفته والطوائف الأخرى ,وبما قد يحول دون جر البلد والشعب والمنطقة إلى كارثة كانت ملامحها الكارثية واضحة كغيمة سوداء كانت تتقدم نحو البلد والمنطقة بسرعة كبيرة .وانتظر الناس يومها ما روجت له بثنية شعبان في الشهر الثامن من عام 2011 .من أن الأسد سوف يلقي خطابا سيقدم فيه للشعب إصلاحات جذرية وهامة .لكن هذا لم يحصل وكانت نتيجة خطابه ذاك بمثابة صدمة وقعت على رؤوس الجميع ,بما فيهم وأولهم أركان النظام , وجعلتهم يتخوفون مما تحمله الأيام القادمة من أخطار .
والمشكلة بدأت منذ أن زعم بشار الأسد ( في أول لقاء جرى معه بعد سقوط كلا من نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك في أوائل عام 2011 ).ونفى أن تكون بلده مهيأة لأن تمر بما مرت به تونس ومصر وليبيا .وزعم أن نظامه هو بمنأى عن أية حركات مماثلة كتلك التي مرت بها مصر وتونس .كونه نظام أرقى وأكثر سلاسة واستقراراً من جميع الأنظمة العربية .وأكثرهم وطنية كونه نظام ممانعة ومقاومة .
وفي هذه النقطة بالذات أرى أن التعامي عن الواقع وتجاهله ,والقفز عن مواجهته ومواجهة الحقيقة . كان وما يزال يشكل أساس المأساة السورية .
فبشار الأسد يعرف أن الشعب السوري قبل به ( رغم أن سنه وخبرته لائؤهله لرئاسة البلد ) ليوقف الظلم والفساد , الذي ألحقه والده ,بالتعاون مع من أطلق عليهم هو مصطلح "الحرس القديم " , بالبلد والشعب . ويعرف أن الناس تقبلته لأن يكون رئيسا لهم بناء على ما أشاعته وسائل الإعلام عن تفتحه وعزمه على الاصلاح واستبشروا به خيرأً لهذه الأسباب .وهو نفسه اعترف في خطاب له على مدرج جامعة دمشق في شهر أب من عام 2012 بفداحة الفساد الحاصل في البلد ,وبأنه تأخر في عملية الاصلاح واجتثاث رموز الفساد , التي وعد الشعب بها في خطاب القسم عام 2000 متذرعاً بأحداث إقليمية ودولية حصلت . مع العلم أن الاصلاحات الداخلية تقوي النظام في مواجهة التحديات الخارجية .مما يعني اعترافه غير المباشر بسوء الأوضاع التي كانت سائدة منذ تسلم حكم البلد , ومن قبل أن يهب الشعب السوري ويثور بعشر سنوات ,وبأنها وصلت في ذلك اليوم ( 15 /3 / 2011 ) إلى الحد الذي كان لابد للناس فيها من الثورة بعد أن توقف الإصلاح عشر سنوات وتفاقمت المفاسد أكثر .
وهذا معناه أنه كان للعوامل الداخلية الدور الحاسم في الهبة الشعبية , وبأنه لا دور للقوى الخارجية التي أدخلها النظام , أو دخلت على خط الأزمة لاحقا .وكما يعني أنه إذا كان النظام السوري قد بدى في نهاية عام 2010 مستقرا وآمنا ,ووضع البلد هادئا وجيدا ,لكنه في الحقيقة والفعل كان يغلي في الأعماق وتتفاعل فيه تناقضات عميقة مؤجلة ومتراكمة . والحقيقة أن كل ذلك الاستقرار والهدوء وتلك الممانعة والمقاومة .كانت تقوم على الغش والخداع والتضليل الإعلامي .وبسبب أنه كان يعرف أكثر من غيره .أن الاستقرار المزعوم كان مفروضا بالقوة المسلحة ونتيجة لقسوة وشدة واتساع عمليات البطش التي كانت تقوم بها أجهزة الأمن والمخابرات العديدة للشعب(في ظل الحرس القديم ) الذي كان يحكم سوريا منذ عام 1963 وبخاصة بعد فرض قانون الأحكام العرفية .كما يعرف أن البطش واستخدام العنف والقوة المفرطة ,وعمليات القمع وكبت الحريات ,والزج في السجون والمعتقلات دون أية تهم .هي التي كانت تمنع أو تحول دون قيام أية تجمعات مدنية أو أية تظاهرات مدنية وعمالية أو أي مظاهرت أوإضرابات , الأمر الذي ساهم في كبت وخنق كثير من الفئات والطبقات والجهات المهمشة وتغييبها مما زاد من حنقها الذي تحول إلى حقد وكراهية . في الوقت الذي ترك فيه المجال (بدلا من الاصلاحات ) من الجهة الأخرى للطفيليين والفاسدين والانتهازيين والمنتفعين وما أكثرهم لأن تمسك بمفاصل البلد كلها وتخنق الشعب . ويعرف كما يعرف الجميع أن تلك الفئة الحاكمة بلورت حولها خلال خمسين عام طبقة واسعة من المرتزقة والانتهازيين ,شملت فئات عديدة من الشعب السوري , خنعت أو قبلت بهيمنة فئة معينة من السوريين عليهم لقاء مكاسب أو منافع مادية أومعنوية (مناصب ) تافهة كانوا يحصلون عليها ,أو خوفا على مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم وأطفالهم ,أو كيلا يطالهم ما طال الكثير من التقدميين والإخوان المسلمين والبعثيين القوميين والعلويين غير الطائفيين أو الرافضين للانتفاع والارتزاق على حساب الغير, من ظلم وقمع وتنكيل .وبسبب أن عمليات القمع والبطش طالت الكثير من المسؤولين البعثيين اليساريين أو نظاف اليد والقلب ,وحتى العلويين الوطنيين وغيبتهم من الوجود ( أمثال صلاح الدين البيطار ومحمدعلوان وشبلي العيسمي وعبد الكريم وعلي الجندي ..إلخ ) .ولسنا هنا بحاجة للتذكير بعدد السنوات التي قبع فيها من بقي متمسكا بمبادئه من الشيوعيين والأخوان المسلمين والبعثيين القوميين واليساريين في السجون منذ عام 1970 ,والتي وصلت إلى ثلاثين سنة .(أمثال صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ويوسف زعين ورياض الترك ..إلخ ) .
لسنا بحاجة إلى استعراض الطريقة والتاريخ الذي أوصل حافظ الأسد إلى الحكم .لكننا نكتفي بالإشارة إلى أن هذا النظام منذ عام 1970 استند بشكل خاص على الطائفية . حيث تحولت السرية الصغيرة ,الحامية لمطار المزه إلى سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد والتي وصل عدد المنتسبين إليها ستين ألفا ,والتي لم تكن في حقيقة الأمر إلا ميليشيا طائفية علوية , استقدمها رفعت الأسد من الأرياف والمناطق الجبلية المفقرة والمعدمة والجاهلة والتي تحولت بقدرة قادر إلى جيش داخل الجيش النظامي بحيث بات أقوى منه عددا وعدة وتسليحا وبصلاحيات أكثر ,وبرواتب مضاعفة . حتى باتت سرايا الدفاع القوة المهيمنة والمفضلة والمتميزة ) وهو ما جعلها تتدخل في تعيين اساتذة الجامعات والوزراء والمدراء العامين في جميع الوزارات والمحافظات السورية ومدنها وقراها حتى النائية منها . ولم يكن ينقص الفرد الانتهازي الطامع لتسلم مركز أو منصب أو حتى للمجرم أو اللص ليقوم بالتغطية على عمليات السرقة والتهريب والقنص وحتى القتل , سوى أن يقدم الولاء والطاعة للمعلم رفعت الاسد ,أولمن ينوب عنه . ثم تشكلت القوات الخاصة بزعامة علي حيدر كميلشيا علوية رديفة وموازية لتكسب من يرفض الولاء لرفعت الأسد من العلويين والاسماعليين والدروز والمسيحيين .ثم بعد أن تزايدت الحركات المناهضة للنظام عام 1982 تشكلت سرايا الصراع بزعامة جميل الأسد حتى وصل تعداد تلك المليشيات العلوية والمرشدية إلى ما يزيد عن مئة ألف مقاتل علوي ومرشدي متعصب .في حين لم يكن تعداد المتطوعين في الجيش السوري يزيد عن أربعين ألفا . كانت ـ كذلك ـ أبرز قيادات فرقه أو ألويته أو رؤساء أركانها من العلوين . بينما أصبح 90% من مسؤولي الأجهزة الأمنية مقتصرة فقط على العلويين الموالين لآل الأسد .بما يعني أن القوة الأساسية في البلد ممثلة بالقوات المسلحة والمخابرات والأمن بقيادة المرعب "علي دوبا" باتت كلها موالية أو خاضعة لآل الأسد بالمطلق .مما جعل بقية الفعاليات الأخرى في الشرطة والاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام والتربية والتعليم خاضعة للأوامر التي تتلقاها من أجهزة الأمن .مما جعل فيلسوفا ومفكرا وطنيا معروفا مثل" الطيب تزيني " يطلق على هذه الدولة مصطلح الدولة الأمنية .
العصبية الطائفية :
لا يعطي الكثير من الباحثين والمؤرخين أهمية كبيرة للنزعة الطائفية التي تخلق نوع من التلاحم العضوي بين الجماعة المؤمنة بأحقيتها بالحكم بسبب أصلها وفصلها أو بسبب أفضليتها ورقيها ونبلها أو بسبب قوتها المالية أو قوتها البشرية القائمة على العدوان و"البلطجة " و"الزعرنة " أولرد المظلومية عنها خاصة عندما تغيب الدولة العادلة . ولهذا يتجاهلون الدور الحقيقي لها في التاريخ القائم أغلبه على الظلم .ونحن نرى أن ماتحدث عنه ابن خلدون منذ ستمائة سنة واطلق عليه مصطلح "العصبية" , وبخاصة القبلية , القائمة على رابطة القرابة والدم باعتبارها أهم الأسس التي قامت عليها الممالك خاصة العربية هو صحيح تماما .وبتنا نرى اليوم من خلال قراءتنا للتاريخ أن العصبية بتسمياتها المختلقة القبلية كما تجلت لدى العرب والمغول والتتر والترك .أو الدينية كما تجلت لدى المسيحيين في الحروب الصليبية .والمذهبية الطائفية كما تجلت لدى الشيعة الإثنى عشرية والزيدية والاسماعيلية والعلوية والدروز ..إلخ .ما تزال قوة أساسية أقوى من الوطنية والمواطنة وأقوى من الروابط التي تربط هؤلاء بمواطنيهم الآخرين أو بالدولة . ونؤكد على أنه كان لها الدور الحاسم في حكم كثير من البلدان ولمئات السنين .كما فعل ابناء قبيلة قريش , وأبناء قبيلة التاي التركية ( العثمانيين )مع العرب وغيرهم باسم الإسلام أو كما فعل الصفويين في حكم الفرس وبخاصة في إيران والاسماعليين لبلاد ما وراء النهر والزيدين في اليمن والعلويين في المغرب وسوريا ,و باسم آل البيت الهاشميين في الاردن والعراق والأشراف في فلسطين (آل الحسيني ).بما يجعلنا نرى أن العصبية هي أساس الملك وليس العدل كما يكتب في خلفية كثير من المحاكم كنوع من الضحك على عقول الناس البسطاء .
ونحن في هذه العجالة لن نتوسع في العودة للتاريخ وللوثائق الكثيرة للتأكيد على هذه الحقيقة غير السارة .لكننا نشير فقط إلى أن شعور آل البيت بالمظلومية منذ مقتل علي ابن أبي طالب وولديه الحسن والحسين .وإيمانهم بأحقيتهم في الحكم كان لها دور حاسم في كثير من الأحداث المأساوية في تاريخ العرب والفرس والترك وغيرهم من الشعوب .
ومع أن العلويين ( اتباع علي ابن ابي طالب والمؤمنين بأحقيته وأحقيتهم بالخلافة ) استطاعوا مع بداية القرن العاشر الميلادي من اقامة دولة علوية في "طبرستان ".إلا أن العباسيين والتركمان الذين دخلوا في الاسلام واجتاحوا على أساس الدين كل وسط آسيا ولم يرق لهم وجود تلك الأقلية التي تسعى إلى الحكم متذرعة بالأصل ومعصومية آل البيت . فطردوهم منها مما جعلهم يفرون منها و يلجأوون إلى المناطق الجبلية والوعرة في أذربيجان وغرب سوريا وتركيا الحالية ,أو يذهبون بعيدا إلى المغرب ليحكموا ذلك البلد منذ أكثر من أربعمائة عام وحتى اليوم. لذلك علينا أن لا نستغرب إذا حكم العلويين سوريا مع أنهم أقلية .فقبيلة قريش رغم قلة عدد أفرادها حكمت قبائل تفوقها في العدد والعدة مئة مرة وأكثر أما قبيلة التاي التركية فحكمت قبائل وشعوب تزيد أعدادها عنها آلاف المرات .
ونحن اليوم ندرك ونأسف لفداحة المظلومية التي خضع لها آل البيت والعلويين وغير العرب في ظل حكم الأمويين ,أو العرب في ظل حكم الأتراك العثمانيين , والتي لا تزيد كثيرا عن المظلومية التي أصابت العرب السنة والأرمن والأكراد .ونؤكد هنا على أنه كان لهذا الشعور بالمظلومية الدور الحاسم في أبقاء أبناء هذه الطائفة ( وغيرها من الطوائف والأقليات ) متحدين ومتماسكين .ونؤكد على أن أربعمائة سنة من حكم الأتراك العثمانيين للعرب على أساس الدين ونظام الملة .قسم مجتمعاتنا العربية شاقوليا على أساس الانتماء الديني والمذهبي والطائفي والعرقي .فعاشت كمجتمعات منفصلة عن بعضها البعض رغم معيشتها على أرض واحدة .ومن المؤسف أن نقول أن الدول الاستعمارية والحكومات التي خلفتها بعد أن أخرجت قواتها المسلحة قد حافظت على هذه البنية التي ’كرست منذ أيام العثمانيين .وأنها ما تزال حتى اليوم قوية إن لم نقل أنها قويت أكثر مع تسلم الحكومات الطائفية أو القبلية السلطة في البلدان العربية .
والتاريخ الحديث لسوريا يبين لنا أنه كان للسيد أكرم الحوراني منذ أن وزع أراضيه على الفلاحين العلويين (في الخمسينات ) دور كبير في إدخالهم في الجيش ليكونوا داعمين له أو أداة له لحكم سوريا . خاصة بعد أن تبين له الدور الحاسم للجيش في كثير من الانقلابات التي مرت بها سوريا .وهذا ما أدركه أيضا حافظ الأسد أيضا باعتباره كان من أوائل العلويين الذين تطوعوا في الجيش , وعملوا على التوصل لحكم سوريا من خلال الجيش لرفع المظلومية التاريخية التي وقعت على ابناء طائفتهم . ونحن نرى من جهتنا أن تلك المظلومية كان يجب أن ترفع عنهم . ونؤكد هنا على أنه ـ كما أراد أكرم الحوراني :يحق للعلويين كما للإسماعليين والدروز والشركس والأكراد والأرمن أن يدخلوا الجيش للدفاع عن الوطن ,وان يتمتعوا بكل الميزات والحقوق التي تتمتع بها الأكثرية السنية العربية والأقليات الأخرى حتى لو سكنت سوريا قبل مئة سنة .فحق العيش بكرامة يجب أن يكون مضمونا لكل من يلجأ إلى هذا البلد وغيره .لكن الذي جرى هو أن حافظ الأسد ( كما بينا ) من أجل أن يحافظ على الحكم لجأ إلى دعم أبناءة الطائفة العلوية (الفقراء والمظلومين والمعدمين منهم ) وفتح لهم باب التطوع في الجيش ليشكلوا حماية موثوق بها لتثبيت ودوام حكمه ,متذرعا بالوحدة والحرية والاشتراكية , التي صدقها وآمن بها كثير من ابناء الفلاحين والعمال السوريين الفقراء وأبناء الأقليات الأخرى .فالتفوا حول حكمه ودعموه ,وبما أن أوضاعهم باتت أفضل ,واستفادوا من التغيرات التي أجراها عبد الناصر وحزب البعث في الحكم .لكن للأسف فإن بعض كبار العلويين استغلوا هذا الالتفاف لا ليرفعوا المظلومية التي وقعت على ابناء طائفتهم عبر التاريخ بل ليغتنوا ويثروا وليحققوا الرفاهية والسلطة لهم وحدهم فقط .ولما لم يوقفهم أحد عن حدهم تمادوا وراحوا يستخدمون القوة ,ثم ليتغطرسوا ويظلموا الناس وليفسدوا في الأرض . ونشير هنا إلى أن ابناء وعشيرة آل الأسد الذي كان يعرف بالوحش ( لعنترياته وبلطجيته )يختلفون عن بقية العائلات العلوية المعروفين بالتدين والأخلاق الرفيعة مثل آل الخير وآل حيدر والذين سكنوا بيت ياشوط ,أو على حواف سهل الغاب ,كما يتميزون عن بؤساء المرشدية والعلويين البسطاء الذين سكنوا أطراف أرياف حمص وحماة واللاذقية . وهكذا وجد هؤلاء العلويين والمرشدية غير المستفيدين ,أنفسهم مضطرين إلى الالتفاف حول آل الأسد رغم عدم رضاهم عن كثير من "زعرانتهم وبلطجياتهم " وتجاوزاتهم عليهم ,كما على غيرهم .ومنهم من وقف علنا وصراحة ضد الطريقة التي كان يتصرف بها آل الأسد ,وقدم حياته دفاعا عن مبادئه وضد تجاوزات النظام. لكن آل الأسد المتحالفين مع آل مخلوف ,وبسبب ماكانوا يحصلونه من أموال طائلة نتيجة لسيطرتهم واحتكارهم على كل ما يدخل سوريا من أموال كثمن لبيع النفط والغاز,وعلى كل ما يدخل ويخرج من مينائي طرطوس واللاذفية والأسواق الحرة وشركات الهاتف النقال وشركات البناء والتي زادت في عام 2010 عن300 مليار ليرة أي مايزيد عن ثلث الميزانية الاستثمارية في سورية كلها وهكذا فقد حققوا الثراء الفاحش وسعوا إلى شراء الكثيرين من ضعاف النفوس في سوريا , وسواء أكانوا علويين أو مسيحيين أو اسماعليين أو سنة ,وحولوهم إلى أدوات وتابعين لهم .مما ألحق بكثير من فئات الشعب السوري الأخرى المستبعدة والمهمشة , مظلومية أشد من المظلومية التي تعرض لها العلويين عبر التاريخ ,فكان لابد لهم من أن يهبوا ويطالبوا بإزالة هذه المظلومية
و بما أن كثيرا من العلويين الذين تحولوا الى وحوش بشرية ( بشكل مناقض لأخلاقهم وما تربوا عليه ),وكثير من تجار السنة ,وغيرهم من أبناء الأقليات الأخرى الملتفين حولهم,وبخاصة المستفيدين من هيمنتهم لم يكن من السهل عليهم التخلي عن تلك المكاسب التي حصلوا عليها في ظل حكم آل الأسد وآل مخلوف تلك المكاسب التي لم يكن يحلم بها أجدادهم ولا أباطرة روما وباريس ونيويورك . فرفضوا التنازل عنها , واتحدوا على اساس المحافظة عليها وعلى نية "عدم تقديم أية تنازلات مهما كانت طفيفة لغيرهم " .وقرروا المواجهة من أجل البقاء في الحكم.ولو كلفهم ذلك تدمير الطائفة كلها وسوريا كلها وحتى العالم كله .ومن المؤسف أن نقول أن جهابذة النظام لجأوا إلى طريقة خبيثة ولئيمة راح ضحيتها كثير من العلويين والدروز ( في حمص ودرعا وحلب ) والمسيحيين ( في معلولا وصيدنايا وباب توما ), بعد أن أفرج الأسد عن القوى الاسلامية المتطرفة والطائفية ,كما عن المجرمين والقتلة ( ما يزيد عن ستين ألفا ,استنادا لما قاله بشار الأسد في إحدى خطاباته ؛ أي ضعف عدد من تطوعوا لحمل السلاح في المعارضة في ذلك الوقت ), ولما فشل هؤلاء المدعومين من قوات النظام في إنهاء المعارضة فتح الباب لظهور وامتداد داعش أوغض النظر عنها ليِعَوم نفسه (إقليميا ودوليا) من جهة أولى ,ومن جهة أخرى ليخيف بها بقية العلويين وأبناء الطوائف الأخرى غير المستفيدين, بل وحتى المتضررين من حكم آل الأسد ومخلوف .ويجعلهم يشعرون بأنهم وعائلاتهم وأولادهم مهددين بالقتل والتنكيل والسبي ,وبأنه إذا ما أسقط النظام فإنهم سوف يفقدون كل مكاسبهم ويتحولوا إلى عبيد كما كانوا قبل خمسن سنة , فقرروا أن يموتوا واقفين دفاعا عن النظام بدلا من أن يذبحوا أوتسبى نسائهم على يد "داعش ".
وبما أن الجرائم التي ارتكبها النظام وحلفائه الروس والإيرانيين والمليشيات التي جلبوها من كل أصقاع الأرض , بحق بقية فئات الشعب السوري أصبحت أشد فداحة .قد تفاقمت الأمور أكثر وعقدتها , كما أن النظام استفاد منها لتصبح عاملاً إضافيا زاد من تراكمها فوق العوامل الداخلية التي أتينا على ذكرها.وأصبحت بالتالي عاملا أساسيا ومساعداً لأعوان النظام ليمارسوا مزيد من التشدد , ولارتكاب مزيد من الجرائم ضد من لا يوافقهم ويخضع لمشيئتهم حتى من العلويين, خوفا من ردات فعل انتقامية أشد .
وهذا بالنهاية ما ساهم في تكتيل وتوحيد والتفاف كل ابناء الطائفة وابناء الطوائف والأقليات الأخرى ,والمستفيدين وغير المستفيدين ,وحتى الملتفين حول النظام خوفا من ردات الفعل الانتقامية التي قد يلجأ لها المظلومين الآن ( المعارضات ) الكثر ,فيما لو انتصروا على النظام .وهو ما ساهم الإعلام في إبرازه وتضخيمه استنادا لما كانت تقوم به داعش . وهكذا كما يقال وجد الجميع أنفسهم في مواجهة مع حائط مسدود وهو الذي أقامه النظام نفسه والقوى الخارجية و بينما السوريين ,باتوا لا يعرفون كيف يهدمونه , كما بات من الصعب عليهم التراجع عن الطريق الذي سلكوه وكانوا مضطرين اليه دفاعا عن أنفسهم بعد الظلم الذي تعرضوا له , خاصة بعد أن قدموا تلك التضحيات الهائلة وخاصة أيضا بعد أن وصلت الامور الى ما وصلت اليه حتى يومنا هذا .
واعتقد أن هذا التفسير لما جرى ويجري في سوريا والفهم الحقيقي لتطورات مجرى الاحداث وتلاحقها ومسبباتها سيساهم كثيرا ويساعد في فتح طريق ممكن من أجل تقديم الحلول التي تمكننا من الخروج من هذه المأساة ـ المسألة ـ الشبه المستعصية و يصبح قابلا للتداول والنقاش .من خلال التركيز على سبل إزالة أسس وجذور المشكلة الأساسية , فكريا واجتماعيا وسياسيا ,والتغلب عليها من قبل السوريين أنفسهم بعيدا عن التجاذبات الإقليمية والدولية .
وهذا بحث آخر .
فتحي رشيد
25/ 4 / 2017