نسخة طبق الأصل للمحاصصة الطائفية العراقية عن سيريلانكا

علاء اللامي
2017 / 4 / 25

من يقرأ تاريخ سريلانكا و النسيج المجتمعي لشعبها يكاد يذهل لأوجه الشبه بينه وبين نظيره العراقي... مقدمة: على عكس مما يروج له المدافعون عن المحاصصة الطائفية عن جهل أو غرضية أو انتهازية أو عن "زلاطة" من هذه الكلمات الثلاث، مستمدين أمثلتهم الكاذبة من بعض الدول الأوروبية أو من إسرائيل، وهي أمثلة لا وجود لها إلا في أذهان وتلفيقات بعض الكتبة المفلسين فكريا وسياسيا وحتى اجتماعيا. على العكس من ذلك نجد أن الحالة الوحيد من حكم المحاصصة الطائفية هو ذاك الذي كان قائما في سيريلانكا، وسيريلانكا فقط على حد علمي حتى الآن وهناك تم ابتكار الاسلوب الانتحاري في القتال أو للدقة في "القتل" سنة 1983.
وقبل ذلك، تؤكد الامثلة والوقائع الثوابت التالية : في كل دول العالم نجد نوعين من الدول و أنظمة الحكم. الأول نجد مثاله في دول قائمة على أساس المواطنة حتى لو كانت متعددة المكونات الدينية الطائفية والقومية وهذه هي حال أغلب الدول في العالم، والنوع الثاني تمثله دول تمييزية على أساس الطائفة أو القومية أو الدين أو اللون ففي إيران يتم إقصاء وتهميش الأقلية المسلمة السنية وحرمانها حتى من بناء جوامعها ومدارسها الخاصة، و يقصى أفرادها من الإدارات والمناصب المهمة أما العرب في الجنوب والأكراد في الشمال وغيرهم من الأرمن والإذريين ...الخ، فيعانون من اضطهاد وتهميش قومي قديم قدم الدولة الإيرانية. أما في السعودية والبحرين فيتم تهميش واضطهاد الأقلية المسلمة الشيعية في الأولى، والأغلبية من ذات الطائفة في الثانية منذ قيام هاتين الدولتين، بتواطؤ من القوى الكبرى المؤسسة لهذه الكيانات كبريطانيا أو الحامية لها والمحتلة لها فعليا بالقواعد العسكرية كالولايات المتحدة الأميركية. و المثال الآخر والآخر تمثله دولة إسرائيل الصهيونية، فهي من حيث قشرتها الخارجية دولة "علمانية" قائمة على المواطنة ولكنها في مضمونها وحركتها الفعلية دولة طائفية وعرقية يهودية تريد من السكان الأصليين "الفلسطينيين العرب" الذين احتلت أرضهم وطردت نصفهم إلى مخيمات اللجوء ان يعترفوا لها بانها دولة يهودية ويهودية فقط!
أما حالة العراق المقنعة بصندوق الانتخابات، فالحكم قائم على أساس المحاصصة الطائفية فعلا ودستورا، و ليس ثمة مثال واحد على حكم المحاصصة الطائفية يمكن مقارنته به غير المثال السيريلانكي الذي أسست له الدولة المستعمِرة بريطانيا.
حين نقرأ تاريخ هذا البلد "سريلانكا" نعلم التالي: أن القضية الدينية الطائفية فيه بدأت قبل الاستعمار البريطاني حين قام الاستعمار البرتغالي بعملية تنصير قسرية لسكان الجزيرة وهدموا معابد البوذيين وغيرهم ولكن الحملة فشلت ولم تحقق إلا ما نسبته 17% من النجاح. غير أن الاستعمار البريطاني قام بما هو أشنع من التنصير القسري فقد أقام نظام محاصصة طائفية وعرقية يعطي للأقلية من السلطات والامتيازات أكثر من وزنها السكاني.
1-كانت سياسة البريطانيين تجاه المكونين القوميين والطائفيين الرئيسيين " السنهالي البوذي" الذي يمثل غالبية السكان و "التاميلي الهندوسي" تمييزية بشكل صريح. فقد فضل البريطانيون تطبيقا شعارهم الشهير " فَرِّقْ تَسُدْ " فضلوا التامليين على السنهاليين، و( يعزو كثير من المؤرخين جذور الحرب الأهلية التي دمرت البلد في نهاية القرن العشرين، إلى هذه الفترة).
2-قام البريطانيون بتمييز التاميل إيجابيا، وأدى هذا التمييز إلى حصول الأقلية التاميلية على تمثيل مهم داخل الإدارة والتعليم والمهن المرموقة، يفوق بكثير ثقلهم الديمغرافي (الذي كان 15%)حيث كان لهم 30% من مناصب التدريس، 40% من الوظائف الحكومية، وأكثر من 50% في مهن المحاماة والطب
3-خلق هذا التمييز شعورا قوميا وطائفيا "تحرريا" تمرديا لدى الغالبية السنهالية عماده كراهية شديدة تجاه البريطانيين و حلفائهم التاميل على حد سواء فولدت حركة مقاومة سنهالية الهوية، دفعت الحكومة البريطانية، في 1931، إلى منح سيريلانكا "سيلان" حكما ذاتيا.
4- في سنة 1944كلفت الحكومة البريطانية لجنة دستورية سميت لجنة "سولبوري" ، بإيجاد خارطة لإجرآت انتقال السلطة إلى السيلانيين، تراعي التنوع العرقي في الجزيرة شكليا و لكنها ستبذر بذور الفرقة الطائفية دستوريا.
5-طالبت الطائفة التاملية بـ 50 بالمائة من المقاعد البرلمان ( المناصفة في التشريع والامتيازات البرلمانية، هذا الطلب طرح أيضا في العراق ) مع أن نسبتهم السكانية هي 15% ولكنهم كانوا يهيمنون على السلطات، إلا أن دستور سولبوري الذي أعلن عنه في 1947، الذي اعتمد المحاصصة الطائفية والعرقية وليس مبدأ المواطنة والمساواة، فقرر تخصيص حصة للتاميل هي 35 بالمائة من الحكم، أي أكثر من ضعف تمثيلهم السكاني. و أبقى 65 بالمائة لفائدة السنهاليين، ضمن نظام حكم مركزي.
6- الدستور الذي كتب تحت إشراف الدولة المستعمِرة بريطانيا، كان وبشكل مقصود ومدروس، من دون ضمانات دستورية. فالقضاء السريلانكي لم يكن مستقلا لكي يحد ويمنع أي تمييز محتمل على أساس العرق أو الدين بين المواطنين الذين عاشوا طويلا تحت حكم تمييزي، وهذا ما أوجد الكثير من الحطب والزيت للحريق القادم. انتهت فترة الاستعمار البريطاني بإعلان سيلان - التي تحول اسمها الى سيريلانكا - كيانا مستقلا في إطار الكومنولث ( منظومة دولية تابعة لبريطانيا) ، وبإطار دستوري وبنية اجتماعية، شكلا قنبلة موقوتة للتطورات السياسية اللاحقة.
7-ضم أول برلمان سيريلانكي 58 سنهاليا 29 تامليا و8 مسلمين. سيطر السنهاليون بسرعة على مراكز القرار السياسية والقضائية والاقتصادية والعسكرية، وساعد على تكريس هذه الهيمنة، إيمان مجموعة من المثقفين وصناع الرأي العام السنهاليين بنظرية سمو العرق السنهالي ورسالته التاريخية كحاضن وحامي لخلود ونقاء العقيدة البوذية.
8- في السنة الأولى للاستقلال، نزعت الحكومة السيلانية الجنسية عن مليون تاملي من المناطق الجبلية، بذريعة كونهم هنودا، سبق وأن وطنتهم بريطانيا في 1827. وقد مكنت هذه العملية التطهير عرقية النخبة السنهالية الحاكمة من إقصاء ثلث النواب التامليين في البرلمان. استتبع ذلك مجموعة من الإجراءات والقوانين التي رسخت ديكتاتورية أغلبية سنهالية: في 1956، وبعد وصول حزب الحرية السريلانكي للحكم، وهو حزب مدعوم من طرف النخبة البوذية، تم إقرار السنغالية كلغة رسمية وحيدة. في 1961، تم تأميم المدارس التاملية المستقلة و وضعها تحت إشراف الحكومة التي يهيمن عليها السنهاليون، وفي 1970، كان معظم موظفي الدولة من السنهاليين بعد ان تم إقصاء أو استبعاد الموظفين التاميل لعدم قدرتهم أو لعدم قبولهم بلغة المكون الأكبر المفروضة قسرا عليهم.
9-في 1972، تم إقرار دستور ينهي الارتباط مع بريطانيا وينشئ (الجمهورية الاشتراكية الديمقراطية السريلانكية). وقد رسخ هذا الدستور مكانة البوذية في الدولة، واعتبر سريلانكا حامية لها، مما زاد في شعور التامليين الهندوسيين بالإقصاء. تطور الاحتقان والتوتر العرقيان في نهاية السبعينات، إلى فرض حالة الطوارئ في المناطق التاملية، ثم إلى مطالبة الجبهة الموحدة لتحرير التامليين (أكبر حزب تاملي) بانفصال المناطق التاملية شمال وشرق الجزيرة، لتأسيس دولة "إيلام تاميل"
10-في 1978، تم إقرار دستور جديد، أكثر توافقية وتنازلات سنهالية لأنه يعترف برسمية اللغتين السنهالية والتاملية و لكنه اعتبر البوذية كديانة للدولة في إقصاء واضح ورسمي للتاميل الهندوس.
11-لم تنجح التنازلات ةالخطوات التراجعية السنهالية في تنفيس الاحتقان والاستقطاب الطائفي والعرقي لأن جذر الأزمة ما يزال قائما في الدستور المحاصصاتي، وأمام استمرار الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الطائفتين ، والتمييز الطائفي المستمر أصبحت المطالب التاميلية أكثر تطرفا. وهنا تأسست "حركة نمور تحرير إيلام تاميل"، وهي حركة مسلحة ذات جناح انتحاري نسوي وأعلنت عن أن هدفها هو تحقيق استقلال منطقة "إيلام تاميل" عن حكم السنهاليين في العاصمة كولومبو.
12- بدأت الحرب الأهلية العنيفة والدموية في هذه الجزيرة الصغيرة والجميلة سنة 1983، واشتهرت منها العمليات المسلحة التي قامت بها حركة نمور التاميل و منها الاغتيالات والهجمات الانتحارية التي برزت كأسلوب قتالي واسع النطاق في العصر الحديث والتي كانت تقوم بها عضوات "الجبهة النسائية". وهنا انزلقت سريلانكا في مستنقع الدماء والخراب.
13-بعد إيقاف هجوم المسحلين التاميل على مدينة جفنا بالشمال سنة 1987، تم توقيع اتفاقية سلام برعاية هندية ( الهند كانت حليف التاميل القوي والوحيد). وأوصت المعاهدة الهندية السريلانكية لسنة 1987 بإضافة التاملية والإنجليزية كلغتين رسميتين إضافتين، وهو ما تم تطبيقه في المراجعة الدستورية لسنة 1987، إضافة إلى تطبيق اللامركزية في المناطق التاملية، بما يشبه إعطاء صلاحيات المرك بغداد للمحافظات أو تشكيل الأقاليم في العراق.
14-شهدت سريلانكا احتجاج السكان السنهاليين على التواجد العسكري الهندي في الجزيرة والذي جاء كما زعمت الهند لحماية الأقلية التاميلية الهندوسية ومساعدة الدولة في الجزيرة.
15- حركة نمور التاميل تغتال حليفها رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي سنة 1991 ، انتقاما من عملية عسكرية، غير ناجحة، للقوات الهندية لحفظ السلام في سريلانكا. أدت هذه العملية إلى خسارة الحركة التاميلية لدعم حليفتها الهند.
16- حركة نمور التاميل تغتال رئيس الجمهورية السنهالي بريماداسا سنة 1993، مما أدى إلى احتدام الحرب الأهلية من جديد و وقوع مجازر رهيبة.
17- قامت الحكومة بحظر حركة نمور التاميل بعد قيامها بعملية انتحارية في كاندي، المدينة البوذية المقدسة سنة 1998، واعقب العملية الانتحارية في المدنية البوذية المقدسة لدى البوذيين مذابح واسعة على الهوية راح ضحيتها الكثيرون من التاميليين، أعادت هذه المجازر إلى الأذهان مذابح "بيوليوز الأسود" سنة 1983 التي أعقبت مقتل عدد كبير من الجنود الحكوميين في كمين لحركة النمور، شهدت البلاد إثرها موجات تقتيل انتقامي ارتكبها السنهاليون ضد التامليين. أما في العراق فتذكرنا هذه المجازر والاقتتال بما حدث بعد تفجير المرقدين المقدسين لدى المسلمين الشيعة في سامراء وما حدث بعد ذلك من مجازر واقتتال!
18- انطلقت مباحثات سلام تحت رعاية نرويجية سنة 2001. و تم توقيع خامس اتفاقية وقف إطلاق نار في تاريخ النزاع سنة 2002؛ ورفع الحظر عن حركة نمور التاميل. خلال مباحثات السلام التي انعقدت في تايلاند، تحت رعاية النرويج، والحركة التاميلية تخفض سقف مطالبها إلى حكم ذاتي، عوض الانفصال.
19-اغتال نمور التاميل وزير الخارجية السريلانكي سنة 2005، ما أدى إلى إعلان حالة الطوارئ وتصلب موقف الدولة المركزية في مسلسل السلام، وتجدد العنف. و بعد أن خسر التاميل دعم حليفهم الهندي تمكن الجيش السريلانكي ذو الأغلبية السنهالية البوذية أن يحسم النزاع الذي استمر ربع قرن بعد سيطرته على آخر جيوب المقاومة وقتل زعيم حركة نمور التاميل برابهاكاران، وإعلان الحركة إلقاء سلاحها سنة 2009 .
20- قتل في هذه الحرب عشرات الآلاف من السكان و هجر أكثر من مليون إنسان من شعب صغير ومسالم. ويؤكد مؤرخون ومحللون كثر مهتمون بهذه التجربة أن الجيش السيريلانكي لم يكن ليستطيع حسم الصراع والقضاء عسكريا على التمرد التاميلي لولا أن هذا التمرد خسر حليفه الإقليمي الوحيد أي الهند، ولأنه تورط في العديد من جرائم الحرب والعمليات الانتحارية، والتي كانت في غالبيتها تشن ضد اهداف عسكرية تاميلية بعكس عمليات الانتحاريين التكفيريين في العراق والذين يستهدفون المدنيين و العسكريين على السواء. وهناك من يعتقد أن احتمالات تجدد الحرب الأهلية في هذا البلد لن ينتهي تماما وأن أي حادثة تمييز طائفية أو خطأ في ترتيبات المحاصصة الطائفية قد يؤدي الى اندلاع تمرد مسلح تاميلي جديد. هذه هي تجربة سريلانكا وهذه هي الثمار المرة للديموقراطية الطائفية التي جاءتهم بها بريطانيا العجوز فهل اختلف الأمر عن الثمار العراقية لتجربة المحاصصة التي جاءت بها الدولة الوريثة للاستعمار البريطاني أي الولايات المتحدة الأميركية؟ وهل سينتبه أزلام نظام المحاصصة و صبيان الإعلام الطائفي إلى حجم الجريمة التي يرتكبونها بحق شعب العراق؟ ألم يحن الحين لرمي نظام المحاصصة الطائفي ( الذي يحتفل بقيامه بعض الحمقى والمشبوهين اليوم وكأنهم يحتفلون بدخولهم نادي الحرامية الكبار أو المصفقين لهؤلاء الحرامية الكبار) و رمي دستوره معه في مكب النفايات التاريخي و إطلاق نظام ديموقراطي وطني على أساس المواطنة والهوية الرئيسية العراقية والمساواة بين العراقيين؟ لماذا لا يتعلم الحكام عندنا من تجارب الشعوب الأخرى فيفككون أنظمتهم الفاشلة والقاتلة وبذلك يضيعون على أنفسهم فرضة الإفلات من العقاب الشعبي والتاريخي الذي لا يرحم والذي لا شك فيه؟ ما الفرق إذن بينهم وبين الطاغية صدام الذي أضاع البلد وضيَّع نفسه وحزبه وعشيرته وعائلته بعناده و دمويته وطغيانه؟
*كاتب عراقي