الإحتضار في زمن الإنتظار القسم الثالث

صادق إطيمش
2017 / 4 / 23

الإحتضار في زمن الإنتظار ـ القسم الثالث
احتضار الأحزاب الدينية على الشارع العراقي

الإحتضار بمفهومه البايولوجي حالة مأساوية تثير مشاعر الحزن والألم، خاصة إذا تعلق هذا الأمر باحتضار عزيز. إلا ان هناك النوع الآخر من الإحتضار الذي يجلب الفرحة ويدخل البهجة على القلوب سواءً كان هذا الإحتضار واقعاً او مَجازاً، وسواءً كان هذا الإحتضار بايولوجياً او سياسياً او اجتماعياً او خُلُقياً.وهذا النوع من الإحتضار المُفرح هو الذي سيكون مدار حديثنا الآن والمتعلق بالإحتضار الفعلي ، حتى وإن كان بطيئاً بعض الشيئ والمتعلق باسياد الفساد وسراق البلاد والعباد، احزاب الإسلام السياسي في العراق، والتي يئن تحت سياط بغيها وتسلطها شعب يرزخ منذ اربعة عشر عاماً في غياهب الدجل والخداع والمكر المغطى بكل وسائل الإنحطاط الأخلاقي والسقوط الإجتماعي.
احزاب الإسلام السياسي في العراق بشقيها المذهبيين تعاني من كثير من الأزمات القاتلة ومتورطة في مآزق متعددة تتخبط في البحث عن وسائل الخروج منها، كل ذلك يجري بالرغم من كل العنجهيات التي تمارسها هذه الأحزاب الفاشلة بكل المقاييس والتي لا زالت تستنزف المال العام من خلال سرقة المليارات التي تؤسس لسيولة نقدية تتصرف بها هذه الأحزاب لشراء الذمم وامتهان الأخلاق والقيم.
حالة التدهور الأولى التي تعيشها هذه العصابات تتجلى في تشضيها وتمزقها إلى تجمعات وكيانات ينهش بعضها البعض للحصول على اكثر ما يمكن من الفريسة العراقية التي قدمها لهم الغزو الأمريكي لوطننا عام 2003 . عصابات الإسلام السياسي المتحكمة في وطننا والجاثمة على صدور اهلنا وتمارس اللصوصية لخيرات بلدنا منذ اربعة عشر عاماً ، لم ترو غليلها بعد من كل ما اقترفته من جرائم الإثراء الفاحش والإبتزاز الرخيص وتكديس الأموال في الحسابات المصرفية الداخلية والخارجية وامتلاك العقارات في اوربا والخليج وشراء الذمم من التابعين والمهرجين لها في كل حدب وصوب والإستيلاء على ممتلكات الدولة كمقرات لأحزابها او كقصور سكن فارهة لقادتها، كل ذلك لأولئك الذين كانوا قبل ان يأتي بهم الغزو الأمريكي لوطننا لا يملكون شروى نقير ولم يكن لمعظمهم اي دور يُذكر في النضال الوطني ضد دكتاتورية البعث الساقطة. وضعهم البائس قبل الغزو فتح شهيتهم بعد الغزو لأن يكسبوا ما استطاعوا تحسباً لما قد تأتي به الأيام التي استعدوا لها ايضاً، كما جاء على لسان احدهم، ليصبحوا هم وعوائلهم خلف الحدود إذا ما شعروا بان مطاردة اللصوص اصبحت قاب قوسين او ادنى من التطبيق الفعلي. العراك على الفريسة لم يزل مستمراً ويزداد تعمقاً وانشطاراً مصيره الإحتضار حتى وإن كان بطيئاً.
اما العامل الثاني الذي قد يساعد على قرب احتضار عصابات الإسلام السياسي الحاكمة في وطننا وكل القوى العاملة معها قومية كانت او عشائرية متخلفة يتعلق بسقوط هذه الأحزاب اجتماعياً وسياسياً وخلقياً على الشارع العراقي، بالرغم من وجودها الفاعل اقتصادياً. الوجود الإقتصادي هذا لا زال يساعد هذه العصابات على شراء ذمم البائسين واستغلال حاجة الفقراء الكثر في وطننا إلى المال مهما كان قليلا ، لذلك فإن القوة الجماهيرية التي يتبجحون بها ليست بتلك الدرجة من القناعة التي يمكن الإعتماد عليها كرصيد شعبي ثابت.ً هذا السقوط الأخلاقي على الشارع العراقي وضع هذه الأحزاب في مواقع لا تُحسد عليها، لا لأنها منزعجة من وصف الشارع لها بأحط اوصاف السقوط الأخلاقي ، فذلك لم يعد يحرك شعرة الإحساس والخجل والغيرة والشرف لدى هذه الأحزاب لفقدانها لهذه الشعرة منذ امد طويل، بل لأن هذه الصورة السوداء التي رسمها لها الشارع العراقي تزداد سواداً وتثير إشمئزازاً متزايداً قد يصل حداً لن تنفع معه وسائل الإغراء المادية فتصدح الحناجر ثانية وبزخم اكثر من ذي قبل مرددة " باسم الدين باكونا الحرامية " وعندها سيكون لكل حادث حديث.
اما ما يثير قلق عصابات الإسلام السياسي الحاكمة ومن يقف معها او خلفها في سرقة قوت الفقراء واموال المهجرين ونهب المال العام فيتعلق بالتعامل مع الوضع السياسي الناتج بعد القضاء على عصابات الإرهاب الداعشي ليس الخارجية فقط، بل ودواعش الداخل ايضاً وخلاياها النائمة والمستيقضة في آن واحد، سواءً كان ذلك في البرلمان او في مجلس الوزراء او في كل مؤسسات الدولة الأخرى.
حقيقة احزاب الإسلام السياسي وهدفها يتلخص في بناء دولتها الدينية التي لم يفصح البعض عنها لحد الآن، على الرغم من ادعاءات احزاب وتجمعات هذه القوى الإختلاف المذهبي الذي توظفه لقتل الآخر ولنشر الإحتراب بين ابناء الشعب الواحد من خلال محاصصاتهم المقيتة، ومن خلال تخليهم عن الهوية الوطنية العراقية مقابل الهويات الطائفية والمناطقية والعشائرية. إلا ان هذه القوى الشريرة سوف لن يكون لها ما تريده في وطننا الذي لفظ بالأمس ويلفظ اليوم وبكل اصرار قوى الإسلام السياسي جميعاً والتي لم تجلب لشعبنا سوى التخلف الفكري والإنهيار الإقتصادي والعداء بين المواطنين واستمرار ما نهجت عليه البعثفاشية المقيتة من تخريب للبد وتراجعه عن ركب الحضارة العالمي.
إن رفض شعبنا لزمر الإسلام السياسي وعصابات جرائمه المقيتة لم يأت عن فراغ او صدفة، بل انه يشير إلى التجاوب الذي يطلقه شعبنا مع شعوب العالم الأخرى سواءً تلك التي اسقطت صروح هذه العصابات او تلك التي تنتهج طريق اسقاطها، هذا إذا ما نظرنا للأمر من ناحية موضوعية عامة. اما من الناحية الذاتية فهناك الكثير من المبررات التي طرحتها الساحة السياسية العراقية منذ سقوط دكتاتورية البعث ومنذ ان جاء الإحتلال الأمريكي بعصابات الإسلام السياسي ووضعها على قمة السلطة السياسية في وطننا، والتي تشير جميعاً إلى هذا السقوط الذي لابد منه. ومن اهم العوامل الذاتية هذه هي:
اولاً : لقد اظهر الحراك الجماهيري الذي بدأ بوضوح اكثر من ذي قبل ، بان هناك توجهاً عاماً نحو الدولة المدنية الديمقراطية ورفضاً واضحاً للدولة الدينية بحيث اضطرت حتى بعض قوى الإسلام السياسي ، ولو عن كذب وتقية كعادتها في مثل هذه الحالات، ان تتبني شعارات الدولة المدنية الديمقراطية الضامنة لكل الحقوق ولكل المواطنين ولجعل الهوية الوطنية العراقية هي العليا بين الهويات الثانوية الأخرى.
ثانياً : كما ابرز الحراك الجماهيري بكل صوره واشكاله ومن خلال الكثير من الشعارات التي طرحها تظاهراً واعتصاماً وكتابة واحتجاجاً وحتى من خلال وقفات صامتة احياناً، مدى احتقار الشعب العراقي لعصابات الإسلام السياسي وكل رموزها ومنفذي سياساتها.
ثالثاً : لقد ساهمت شخوص الإسلام السياسي واحزابه وكل تجمعاته، مشكورة، بفضح نفسها بنفسها من خلال ممارساتها لقيادة الدولة العراقية، واثبتت بذلك بان هذه العصابات قد سقطت سياسياً واجتماعياً وثقافياً وحتى اخلاقياً،وفشلت فشلاً ذريعاً في كل الميادين، ولم تنفعها كافة التبجحات الدينية والخطاب الكاذب المخادع الذي تتبناه في مختلف المناسبات محاولة منها لتحسين صورتها المشوهة والكريهة في اوساط الشعب العراقي.

إن الشعب العراقي بكافة منظماته المدنية الديمقراطية وشخصياته الوطنية وكل الذين عانوا بالأمس من دكتاتورية البعث وقمعها وتهورها واستمرت معاناتهم او تجددت اليوم بسبب سياسات خلفاء البعث من الإسلاميين بكل تجمعاتهم المقيتة وعصاباتهم المجرمة، مدعوٌ اليوم للمساهمة الجدية والفعالة ، وبكل الطرق السلمية الحضارية، في الإسراع بإسقاط ما تبقى من تجمعات الإسلام السياسي وكل رموزه في وطننا، وليس ذلك على الشعوب بعسير وإن غداً لناظره قريب.
وللحديث صلة
الدكتور صادق إطيمش