حد الردة عقوبة سياسية وليست دينية

سامح عسكر
2017 / 4 / 23

عقوبة تقول لريا وسكينة (قومي وأنا اقعد مطرحك) كان هذا انطباعي الأول عن جريمة قتل المرتد، فلم أؤمن يوما بهذه العقوبة ..حتى في عز إيماني بالإخوان المسلمين كنت أتصور الدين يدعو للسلام والتسامح والتعايش مع الأفكار كطبيعة لا غنى عنها، وأرى أن الله لو أراد قتل من يرتدد عن دينه فالأولى أن لا يدخل أصلا..هذه مسألة قناعات وإلا فلماذا كان الأنبياء يحاورون الطغاة، ولماذا يعجّ القرآن بحوار العقل مع الخصوم..

هل تتصور يوماً أن الله يدافع عن دينه بالقتل؟

هذا انتقاص بشري من الرب وإحياء للجاهلية عن عمد، فالجاهليون أرادوا قتل النبي ليس فقط لأنه جاء بدين مخالف، ولكن لأنه أراد الخروج منهم والتحريض –المعنوي- عليهم، فتكاملت الصورة أن النبي هو تهديد لنفوذهم في الأخير..

نفس الصورة منطبعة في أذهان الشيوخ والعمائم، لابد من قتل كل من يخرج عنهم، لأنه في الأصل تهديد كبير، وللحكام ضياع لنفوذهم، فتم اختراع هذه السلطة في عز احتكار السلطة ورجل الدين للحالة الثقافية بأكملها، وتعززت أكثر بهذا التحالف القذر الذي تريد إحياءه جماعات الإرهاب وربائبهم من الفقهاء التقليديين..

هذه العقوبة اخترعها الأمويون لقتل المعارضين من الشيعة والخوارج بالأصل ، وورثها العباسيون لنفس السبب، ودخلت المذهب الشيعي أيضا لحفظ مذهبهم من الضياع ولإرهاب الموالين للخليفة الأموي والعباسي آنذاك ،باعتبارهم سلطة مستبدة تريد التجسس عليهم، فكانت الحاجة لتلك العقوبة لتخويف المرتدين ودفاع عن حقوق المعارضة السياسية..

والأغرب أن قتل المرتد عند الشيعة مغلظ عنه في السنة، فقد قسموه إلى مرتد (فطري) وهو المسلم الذي ارتد يكون جزاؤه القتل فورا دون استتابة، والمرتد (الملّي) الذي كان كتابيا فأسلم ثم ارتد يكون جزاؤه الاستتابة ثم القتل..أما السنة فيقولون في كل الأحوال بالاستتابة 3 أيام ثم يُقتل..

سبب شيوع هذه الآفة بين المذاهب القديمة هو كثرة الصراعات والمعارك الحربية السائدة في طور نشأة الإسلام، إلى أن استقرت الدولة بعد هزيمة محمد ابن الحنفية في ثورته ضد المنصور عام 145 هـ ، وقتها سكت الوضّاعون عن اختراع أي حديث جديد على أن يجري استثمار ما قالوه لصالح المذهب، إلى أن جاء عصر التدوين السني فكتبوا هذه الأحاديث في الصحاح، ثم التدوين الشيعي بعده فكتبوا هذه الأحاديث ونسبوها للأئمة في القرن الرابع..

التكفير بين المذاهب كان سبب شيوع واستفحال هذا المرض الذي لا يقره الإسلام بقوله.."لا إكراه في الدين"..ولأن جزاء القتل في الشريعة هو في حالة واحدة.."النفس بالنفس"..يعني قصة القتل في أي شأن آخر سوى ارتكاب جريمة زهق الأرواح هو مخالفة صريحة للدين..واتباع للهوى وجعل النصوص موافقة لرغبات الحكام..

العلمانية جاءت لتعالج هذا المرض بزوال الكهنوت وفض العلاقة بين السلطة ورجال الدين، فهي بذلك تدافع عن الدين لا تهاجمه، لأن قتل المرتد يعني ضعف ثقافي وفكري للإسلام، وتسلط وعدم احترام للعقل البشري وإصرار بأن القناعة الإنسانية لا اعتبار لها على الإطلاق..فيكثر النفاق والعزلة والخوف حتى ينتهي المجتمع إلى حالة من التشرذم والضياع والحروب الأهلية على خلفية ما رآه الاستعمار حين غزى بلاد الإسلام في العهد العثماني.

وقتها كان العرب والمسلمون من شدة تخلفهم رأوا أن هجوم الفرنجة هو من فتن آخر الزمان، فانتظروا الدجال والمهدي وعيسى، وحين لم يأتوا –ولن يأتوا- كان الاستعمار تمكن وأرسى نفوذه في كل مفاصل الدولة..حتى في التعليم..وعندما انتفضت الشعوب ضد الاستعمار كان عصر الحداثة على وشك الانتهاء ولم يتعلم المسلمون ما ينفعهم في أمر دنياهم..فتسلط عليهم الحكام أكثر وفشلت محاولات التحرر من الاستعمار أكثر من مرة..إلى أن جاءت الحروب العالمية فأضعفت قوى الاستعمار واضطرت للتخلي عن مستعمراتها واستقلال شعوب المسلمين..

أي أن السبب الرئيسي الذي ساعد في زوال الاستعمار لا شأن له بقوة مجتمعات العرب، فقد كانت لا تزال مجتمعات خرافية لا تؤمن بحرية الرأي ولا تفهم شئ عن الدين ومستسلمين تماماً لثنائية التدمير.."الكهنة والسلطة"..لا فرق بين سني وشيعي، الجميع كان متخلف حتى ورثنا هذا التخلف بكل جوانبه..

حالياً في عصر الإرهاب اعتمدت الجماعات الإسلامية على قتل المرتد كأصل ديني شائع لتخويف الخصوم وإرهاب من ينتمي إليهم بأن يعرف عواقب انشقاقه، أي ما زالت هذه العقوبة في بُعدها السياسي لم تفارقه حين تم اختراعها في العصر الأموي، ولأن الإرهابيون مقلدون للسلف الأول أسقطوا كل عقائد وأفكار ومواقف الشيوخ وخلفاء الأمويين والعباسيين على حاضرهم، رغم أن مواقف هؤلاء جميعا كانت لها زمانها ، ووسائل السيطرة قديما كانت أفضل مما هي عليه الآن..

بيد أن الخليفة الأموي كان سهل عليه التحكم في المعارضة وإفشال أي حركة فكرية ضده، فلا يوجد تواصل إلا في نطاق العمل السري، والمعلومات شحيحة للغاية، وقادة المعارضات والمذاهب أغلبهم مستسلمين للخرافة ويسهل إخضاعهم أو تخويفهم، بينما العوام يريدون العيش الآمن بعيدا عن السياسة ..التي كانوا يرونها حكرا على أسر بعينها وأشخاص بعينهم ولم يكن لهم حق طبيعي ومعنوي فيها..

الآن الوضع تغير..فوسائل التواصل أتاحت حجم أكبر للمعلومة، ولم يعد العمل السري له معنى، فمواقع التواصل اكتسبت صفة العملين (السري والعلني) معاً، أي يمكن لأي جماعة معارضة أن تخطط وتنظم نفسها بعيدا عن أعين وأذرع الحكومة، وهو ما سماها حسنين هيكل (بالقوى غير المرئية)، وما انتشار داعش وزيادة قوتها إلا انعكاس للفارق الرهيب بين الماضي والحاضر، وأن عصر التحكم والسيطرة على الأفكار قد انتهى..وبالتالي أصبح قتل المرتد ليس له معنى ولا يوجد له أدنى تأثير..

فحتى المعارضات في الدول الإسلامية بعضهم –أو أغلبهم- من ذوي الاتجاه العقلاني، والثائر على كل قديم، وقصة إخضاعهم بالخرافة وتخويفهم بالدين لم يعد ممكنا، حتى في عام واحد حدثت ثورات العرب ونجحت في خلع 4 رؤساء كانوا من أقوى الحكومات على الإطلاق، وما زال التهديد بخلع آخرين قائما، حتى من جاء خليفة للسابقين مهدد هو الآخر بمعارضات قوية..

المطالب بتجديد الخطاب الديني تستهدف هذه العقوبة بالأساس كونها أصل لفروع أخرى تندرج منها ، كحرية الرأي والتعبير، والتسامح والتعايش، وما دام قتل المرتد يمارس (كعقوبة دينية) ستظل القوة الرئيسية هي لرجال الدين ، وتحالفهم مع رؤساء رجعيين وانتهازيين، ولا فرصة للتنوير أبدا..ويظل المجتمع متخلف ينتج إرهابيين ودراويش كل ساعة..