القتل المبرر بين الهيمنة والحفاظ على النوع

وسام غملوش
2017 / 4 / 22


هناك هاجس وخوف عند العلماء والدول الحاكمة في هذا الكوكب من فكرة الازدياد السكاني المخيف الذي ينذر بكارثة لا نجاة منها ،ومن ناحية اخرى كيف يتم استهلاك هذه الخيرات من نوعية أناس هي مجرد عبء في نظر بعض الحكومات ،وهي من سيلحق الضرر بكافة المجتمع البشري، فلما لا يكون هناك تصرف مسبق لعدم وقوع الكارثة ،وفي نفس الوقت الهيمنة على الموارد واستغلالها بشكل فعّال.
ففي عام 1798 توقع العالم البريطاني (مالتوس) بحدوث مجاعة عالمية، وحروب ضروس أمام تناقض (التكاثر السكاني والغذائي) فالبشر يزدادون بسلسلة هندسية (2 ـ 4 ـ 8 ـ 16 ـ 32 ـ 64 ـ 128 وهكذا)، والغذاء وفق سلسلة عددية حسابية (2 ـ 4 ـ 6 ـ 8 ـ 10 ـ 12
وأحدى الطرق لحساب الأمر هى حساب صافى الانتاجية الأولى. هذا المصطلح يعنى الكمية الكلية للطاقة الشمسية التى تتحول الى طاقة كيموأحيائية عن طريق التمثيل الضوئى للنباتات مطروحا (مخصوما) منها الطاقة التى تحتاجها تلك النباتات حتى تستمر فى الحياة. هذا يمثل الكمية الكلية للمورد الغذائى فى الكرة الأرضية.
تم حساب هذا الأمر قبل تأثير النشاطات الانسانية عليه فوجد أن صافى الانتاجية الأولى كان حوالى 150 بليون طن من المادة العضوية كل عام. نتيجة ازالة الغابات والانشطة المدمرة الأخرى نتج عن ذلك أن الانسان دمر 12% من صافى الانتاجية الأولى على اليابسة. أما الآن نتيجة الاستخدام للغذاء وانتاج الألياف وتحويل الأراضى المنتجة الى أغراض أخرى (سكن وصناعات..الخ) فقد فقدنا اضافة الى السابقة 27% من هذه الطاقة. بمعنى آخر فقدنا 40% وتبقى لنا حوالى 60% وهى تستغل بواسطة النباتات والحيوانات الأخرى. نخلص من ذلك أننا الآن فى حدود 40% من هذه المقدرة على تحمل سكان على سطح الأرض. عليه فان الحد الأقصى النظرى لحمولة الأرض من السكان حوالى 15 بليون نسمة. من المتوقع أن نصل الى هذا الرقم خلال القرن القادم اذا ماسارت المعدلات كما هى الآن.
(توماس مالتوس والنمو السكانى
بروفيسر /نبيل حامدحسن بشير)
لذا كان لا بد من تصرف ،وهذا من وجهة نظر من يعتبر انه راعي لهذا الكوكب، وكما يقوم الراعي بتقليص عدد المواشي حين يقل الزرع، كان لا بد ان يتم الامر على البشر ،ولكن كان كما يقول المثل(عصفورين بحجر واحد) اي من ناحية الحفاظ على الموارد ومن ناحية اخرى استغلال الموارد بما يتماشى مع متطلبات هذا الراعي.
فلكل دولة وثائقها السرية ،منها يظهر للعلن في فترات قصيرة ،ومنها يبقى حتى انهيار الدولة ،ومن هذه الوثائق المهمة والمثيرة للجدل ،وثيقة هنري كسنجر الذي فضحت في التسعين ،والوثيقة تتحدث عن ازياد عدد السكان في العالم واثرها على المصالح الامريكية في الخارج ،وفي دول معينة ،واثرها على الامن الامريكي.
الوثيقة (200)لهنري كسنجر عام 1974 والابادة الجماعية عن طريق العقم للرجال والنساء والتي حينها كانت على 13 دولة منها مصر ،وهناك قرى كاملة ابيدت في امريكا اللاتينية بسبب العقم ،وفي سنة 2015 كانت روندا تطبقها على اكثر من 700 الف مواطن من كافة الاعمار كما يقول (الدكتور منير العكش) في كتابه المعنون "أمريكا والإبادات الجنسية"
ويقوال العكش: وبالمصادفة حين كنت ابحث عن وثائق تخص الهنود الحمر ،عثرت على وثيقة من 107 صفحات وضعها الدكتور هنري كيسنجر عام 1974 عندما كان مستشاراً للأمن القومي. .
هذه الوثيقة التي أشارت في سطرها الأول إلى أنها وضعت بتوجيه من الرئيس جيرالد فورد ،ترسم بدم بارد خطة لتعقيم وقطع دابر نسل 13 دولة في العالم الثالث ،بينها مصر ،وذلك في مهلة لا تزيد على 25 سنة.
وأضاف "وبعد أقل من ثلاثة أعوام (في 1977)، كشف الدكتور رايمرت رافنهولت، مدير مكتب الحكومة الاتحادية للسكان التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، عن تورط جامعتي واشنطن وجونز هوبكنز في هذا البرنامج، وعن بدء الحكومة الاتحادية بالإجراءات العملية لإطلاقه، حيث رصدت الميزانية الكافية لتأمين الشروط والوسائل اللازمة لتعقيم ربع نساء العالم من النساء القادرات على الحمل (وهن في تقريره 570 مليون امرأة) وقطع دابر نسلهن إلى الأبد".
ففي سنة 1974 وفي عهد الرئس فورد وكما يقول الدكتور منير العكش، ان في هذه الفترة كانت ذروة الحرب الباردة مع الشيوعيين ،وكانت الفكرة انهم لن يستطيعوا ان يقضوا على الشيوعية ،ولكنهم يستطيعوا ان يقضوا على الشيوعيين ،وذلك بقتل الفقراء ،لانه كلما اذداد عدد الفقراء يزداد الشيوعيين، والقتل كان من خلال تعقيم النساء والرجال ،وكانت الفكرة حينها كبداية لتعقيم13 دولة ،ولكن هنري كسنجر كان يطمح الى ابعد من ذلك بكثير، كما طمح من هم قبله.
ولكن هذه الافكار موجودة قبل هنري كسنجر ففي مقال وتحت عنوان "مقدمة.. تعقيم 14 مليون أمريكي" هو العنوان الذي صدرت به صحف ومجلات إمبراطور الإعلام، وليام هيرست، في أواخر سبتمبر/أيلول 1915، منذرة بخطر الحرب الأمريكية على المستضعفين في الأرض، وتدمير نسلهم في الأرحام، ومحذرة من أن الطبقات الحاكمة ترسم مستقبل أمريكا والعالم بالدم.
وأضاف أنه في " 14 أكتوبر/تشرين الأول، كتبت صحيفة سان فرانسيسكو ديلي نيوز افتتاحية بعنوان من أين نبدأ؟ ، وجاء فيها "أن ملايين السيدة هاريمان، أرملة متعهد السكك الحديدية، مضافة إلى ملايين روكيفلر وكارنيجي، ستخصص لتعقيم مئات الآلاف من الأمريكيين من ضعاف العقول سنوياً بهدف تحسين النسل".
وورد في الافتتاحية "صحيح أننا لا نعرف ماذا ستفعل ملايين هؤلاء الموسرين المتنفذين للناس العاديين، ولكننا نعرف أن أموالهم تشتري حكومات الولايات المتحدة وتخرق الدستور وتحتفظ بسلاح خاص لقتل الرجال والنساء والأطفال".
اذاً، فكرة هنري كسنجر ليست مجرد فكرة جنونية ظهرت بشكل انتقامي من الشيوعية ،فهي لم تتوقف مع انهيار الاتحاد السوفيتي، ولعلها لم تبلغ أوج سعيرها في عهد الرئيس باراك أوباما ،وانما هي متجزرة بالعقل الراسمالي الذي يتحكم بامريكا من عقود ،ومستمرة في هذا النهج، فالحقيقة العلمية تساعد هذا النهج وتحثه على التصرف لم سينتج عن النمو السكاني .
واضف اليه الجشع الراسمالي في الاستيلاء على الموارد ،ولكي تتحكم بهذه الموارد كان لا بد من تحديد النمو السكاني، ان كان عن طريق الحروب او عن طريق عدم ترويج الادوية المعدة للشفاء، وربما عن طريق الاغذية المعدة خصيصا لم تتضمنه من عقاقير لتحديد النسل التي تقدم كمساعدات للدول الفقيرة في حالات الكوارث، والتي تعد مجتمعات مستهلكة وغير كفؤ في استخدام مواردها، فلا ضير في تحديد نسلها ان كان في العقم او بشتى الطرق.
فالسياسة العالمية بسبب تفوقها الجيوسياسي العسكري والتجاري، تريد فرض هيمنتها ،وتبحث عن افضل تموضع ممكن ضمن هيكلية القيم الاخلاقية ،لتبرير القتل الممنهج.
وهذه الدول اصبحت تعتبر ذاتها الراعي الرسمي لاستمرار الجنس البشري ،والحق الحصري في تحديد مصير الشعوب وتصنيفها، وتحديد نسلها بشتى الطرق ،وصولا ربما الى اتفاق سري بين الحكومات الحاكمة ومنظمات الصحة العالمية لتحديد النسل ،ولكن كلٍ على طريقته ،وكله بحجة الحفاظ على موارد الكوكب وعدم استهلاكها ،وصولا الى قتل بعضنا بسبب قلة الموارد ..
ربما اذا نظرنا للموضوع من ناحية عملية هو منطقي وصواب ،ولكن من منا لديه البصيرة الحكيمة لم تخبئه الشعوب في جعبتها للمستقبل، فامريكا التي تحكم العالم الان ،هي كانت مجرد منفى للاشخاص السيئيين، واليونان التي غزت العالم بالقوة والفكر هي الان دولة فقيرة تستجدي المعونة من الاوروبيين.
لذا فليطبق تحديد النسل لكن بالتساوي بين كل الامم.