وعد البحرين والمستقبل

كاظم الموسوي
2017 / 4 / 22

تشهد دولة البحرين سياسات خطيرة تهدد وحدة شعبها وارضها واستقلالها وكرامتها، وتتخبط السلطات الحاكمة فيها بما يعمق في هذه الخطورة دون حساب لتداعياتها. كما أنها لا تتورع من التورط في اجراءات تزيد في الشروخ وتفاقم في الفتنة. وهي سادرة في تسلطها متصورة أن أساليبها الوحشية تحميها من مصير محتم لا يشفع لها فيه، ولا يحميها احد مهما كانت قوته وامكاناته. وكأنها لم تتعظ من دروس التاريخ وتجارب الشعوب، ولا نريد أن نذكرها بمصير حليفها السابق الشاه، ملك ملوك جارتها قبل ان تنتصر ارداة الشعب وتعلن الجمهورية الإسلامية في ايران، والتي تضعها السلطات البحرينية في موضع الاتهام الدائم بحيث لم تخل شاردة او واردة في خطبها وتوابعها اليوم من تحميلها مسؤولية نتائج أعمالها التي تقودها الى ما لا يحمد عقباه لها اولا والعباد والبلاد ثانيا والمنطقة ثالثا او اخيرا. فهذه السلطات الغاشمة تتخيل انها برمي اتهامها على إيران تحل ما تعانيه من خطأ في حكمها وخطل في إدارتها وفشل في تنفيذها وجهل في خطابها وسوء في نواياها وتخلف في تخادمها. وهي لا تدرك او لا تريد ذلك من أن نهجها الوحشي في قمع الحريات وحرمان الشعب من حقوقه الإنسانية المشروعة واستشراء الظلم والتعسف والانتهاكات لا يوفر لها ما تحلم فيه من سلم وأمن وطمأنينة واستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي. هذه السلطات المتخلفة ترعرعت على مناهج الاستعمار، وتدربت على أساليبه في صناعة التفرقة بين المواطنين وخنق آرائهم وتفتيت وحدتهم وتبهيت مواجهتهم. فلم تعلم ان هذا السلوك لا يوصلها الى شواطئ خير وامان ولا الى راحة بال واطمئنان.
جربت سلطات الارهاب في البحرين اساليب متعددة وفشلت في النجاح فيها. وحاولت مع حلفائها أن تتخادم في مشروع تدمير المنطقة وتزييف الوعي وتغيير بوصلة الكفاح الوطني والقومي، والرهان على قوات الاحتلال لارضها، من عساكر جيرانها او قواعد اسيادها، ولكنها نست او تناست قصة الشاه القريبة لها، وكذلك قصة نوري السعيد في العراق المجاور لها ايضا. وهي اذ تكرر ما قام به السعيد، في كل سياساته ونهجه في الحكم، وكان قد قال عنه رئيسه، ملك العراق فيصل الاول، أنه كان مخلصا ولكنه لا يعمل الا بما يوحى له من لندن، فنفذ سياسات قمعية ارهابية، بدأها بغلق الاحزاب الوطنية والصحف والجمعيات والنقابات وانتهاك الحريات وحل البرلمان وإعتقال القادة السياسيين واصحاب الراي والنشاط الوطني واتهام كل من يناضل من أجل الشعب بشتى التهم الجاهزة او المجهزة له من اسياده الذين يوحون له. حتى ان اغلب المؤرخين وصفوا تلك الفترة المظلمة من حكمه بفترة حكم المراسيم، وكانت مؤشرا متصاعدا للغضب الشعبي عليه او محركة اضافية للكفاح الوطني للتخلص منه ومن حلفائه واركان دعمه وانتظامه. ومعروف الان ما حصل معه ومع غيره. وهذه دروس من التاريخ القريب. اقرأوها جيدا وراجعوا ما قام به الشاه وما قام به نوري السعيد ، كمثلين واضحين من التاريخ والجغرافيا، وما هو مصيرهما واين صارا في عناوين التاريخ.
ان الممارسات التي انتهجتها السلطات في البحرين منذ غلق أبواب الحوار الوطني وحل البرلمان المنتخب، وتهديم رمز التحرر الوطني في دوار اللؤلؤة وفتح ابواب السجون والمحاكمات الظالمة ومن ثم إسقاط الجنسية عن مواطنين اصلاء، جذورهم في البحرين اقدم من عوائل التخادم والعمالة للمستعمرين الذين فرضوا على الحكم والتسلط في البلاد. وتواصلت الإجراءات القمعية في إصدار أحكام قاسية في منع العلماء والمناضلين الوطنيين من التعبير عن آرائهم ومطالبهم في الحرية والديمقراطية وبناء دولة دستورية بمؤسسات قانونية متوافق عليها ومعبرة عن إرادة الشعب، مصدر السلطات. ثم جاءت احكام غلق جمعية سياسية وطنية وإعتقال قياداتها واصدار احكام عسكرية مؤشرا صريحا على طبيعة السلطات وتخاذلهم امام خيارات الشعب الوطنية وقبول الاحتلال العسكري للبلاد من قوات لا يهمها غير فرض الجور والظلم والتراجع عن كل ما يهم مصالح الشعب والوطن. وكانت تلك الإجراءات ضد جمعية الوفاق الاسلامية، كأول هدف او بداية ضد جمعية سياسية في البلاد، خطوة صريحة لاستمرار هذا النهج الوحشي في الحياة السياسية في البلاد، والمراهنة على التغلب بمثل هذه الاساليب الإرهابية المرفوضة وطنيا وقانونيا وانسانيا. وها قد جاء موعد الجمعية الثانية في البلاد ليمارس بحقها النهج ذاته. فأعلنت تلك السلطات ما تريد ان تكرره معها، وهو ما أشير إلى جمعية العمل الوطني الديمقراطي/ وعد، لما تمثله من قوة تعبير وطني وتمثيل شعبي وخيار تقدمي يعمل من اجل سعادة الشعب وتقدم البلاد. ان التهديدات الموجهة رسميا في مسلسل حل جمعية (وعد) تعبر عن منهج مستمر لا يفرق بين العمل الوطني والكفاح الشعبي من اجل الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، بل ويواصل في سياساته الخطيرة في تدمير البلاد وتصحيرها من العمل السياسي الوطني وتحويلها الى أبواق جوفاء وشراء ذمم بعيدة عن مشاعر الناس ومصالح البلاد.
الاتهامات التي وجهتها السلطات التابعة في البحرين لجمعية وعد، وسبق لها اعتقال أمينها العام مرتين، واستدعاء قياداتها وكوادرها للتحقيق والتهديد، تختصر في المنهج السياسي السلطات الغاشمة، والتي لا تفرق بين مطالب الشعب وخياراته والتخادم مع مشاريع صهيو غربية وخطط عدوانية مكشوفة، وتعمل في سبيلها وفي التسابق في تدمير الفضاء السياسي الوطني وتجريد الشعب من رموزه الوطنية وقياداته الشعبية، ولهذا تصدر أحكاما جائرة في اعدام المواطنين وإسقاط الجنسية والاعتقال والاحتجاز وحل الجمعيات السياسية وانتهاك الحرمات والقيم المعروفة في البلاد.
لمصلحة من تمارس هذه السلطات مثل هذه الاجراءات؟!. ومن يستفيد في النهاية منها؟!. ان دروس التاريخ ما زالت ماثلة وان إرادة الشعب ومطالبه هي التي اثبت التاريخ مصداقيتها وبقائها، مهما طال زمن القمع والارهاب والاحتلال وجرائم الغدر والاستقواء بالاعداء التاريخيين والجدد. وما يجري اليوم في البحرين يكشف عمق الهوة بين الحكام والمحكومين، ويضع امامنا نموذجا اخر لحكم استبداد دموي لم يعتبر من دروس التاريخ وتجارب الشعوب.