محاربة التطرّف بالمغرب

محمد الاغظف بوية
2017 / 4 / 16

يصطف الناس في مساجد المغرب للحصول على حظوة الصف الأول أو الصفوف الأولى، وعادة تعرف المساجد إقبالاً ملحوظاً ويزداد عدد المصلين في صلوات الجمع، كما شهر رمضان، واكتظاظ المساجد عادة قديمة في بلاد المغرب، بسبب طابع التدين الذي يتميز به المغاربة، حسب مجموعة من الدراسات والأبحاث التي أكدت تقاريرها الطابع الديني والمحافظة والالتزام الذي يكثر في الشارع المغربي.
لا تخرج المساجد في المغرب عن أعين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تسهر على الحالة الدينية، وتتابع عن كثب تكوين الأئمة، وتعيّن وعاظاً ترسلهم إلى الخارج، لنشر قيم الوسطية والمذهب المالكي في ديار الهجرة، فيما تختار أئمة تتوّفر فيهم مجموعة من الشروط، أهمها الالتزام بمذهب الدولة الرسمي المعروف بحمله ازدواجية متكلمة وفقهية مع لمحة صوفية، ونقصد الفرقة الأشعرية في علم الكلام والمالكية في الفقه، مع اختيار نموذج الجنيد في التصوّف، وهي رسالة موّجهة لمنتقدي خطاب الدولة الرسمي، فيما يخص علاقتها بالتصوّف، فمتصوفية الجنيد ليست استشراقية، كما أنّ صوفية المغرب ينهلون من هذا الاتجاه، كشيوخ القادرية والشاذلية والتيجانية والكتانية والمعينية. لكن الغرابة هي الخلط بين علم الكلام الأشعري والفقه المالكي، خلط بين نوع من التنوير والانفتاح على العقل ولو جزئياً، طبعاً إذا خضنا مقارنة بين الأشاعرة والمعتزلة، في حين أنّ المذهب المالكي يعرف في أصوله شدّته والتشكيك في المخالف .
فيما يخص الأشاعرة، فكثيرون منّا لا يكاد يعلمون عن الاتجاه الأشعري في التفكير الاعتقادي، ذلك الاتجاه الفريد الذي وضع لبناته الإمام أبو الحسن الأشعري في القرن الثالث الهجري، وحجة الاسلام أبو حامد الغزالي من بعد، والذي يؤسّس في جوهره لرؤية كونية شاملة للعالم والإنسان جميعاً، ولعالمي الغيب والشهادة بأسرهما.
خلط يمكن تبريره ببحث المغاربة منذ القدم على التميّز، وهي الصفة التي جعلت منهم بلداً مستقلاً، حتى عن الخلافة في الشرق العربي، ولم تتمكن جحافل جيوش بني أمية وبني عباس من بسط نفوذهما على بلاد فاس، والتي سمّيت كذلك بلاد مراكش فيما بعد، وغير بعيد عن هذه البلاد لم تستطع جيوش الفاتحين الأتراك من الوصول إلى بوابات المغرب الأقصى .
إنّ هذا التميّز الديني في المذهب والفقه لا يمكن أن يستمر بدون امتلاك القوة للدفاع عنه، فإن كان جندي الشرق لم يفلح في اقتحام بوابة "جوج بغال" الحدودية مع الجارة الشقيقة الجزائر، فإنّ الحالة الدينية اليوم لن تصمد أمام هيمنة خطابين مذهبيين "بتروليين".
يكتسب الأول قوته من دعم إيراني، ويزداد قوةً بعد توّسع النفوذ الإيراني الذي بات يهدّد المكونات السنية في العراق وسورية، أما المذهب الثاني، فيكاد ينتشر كاملا في مساجد المملكة، وله دعاة وعلماء يعملون على نشره، ولا سيما تقديمه مذهبا يختلف عما هو معهود لدى غالبية المغاربة الذين يتبنون إسلاماً شعبياً مدعوماً وموجهاً من سلطة عليا، فعلى جنبات المساجد ينتشر باعة الكتب "الوهابية"، والتي تحمل فتاوي يعتقد أصحابها أنّها موّجهة للإصلاح ومواجهة البدع.
لم تستطع حرب الدولة صد انتشار التشيّع والوجود الوهابي من التصدّي لهما، لاعتمادها على آليات بدائية وتقليدية، كما أنّ مداعبة الدولة الزوايا لم تخرج هذه الزوايا من انغلاقها، بل بقيت أسيرة توجهات محافظة غير معقلنة، حتى أنّ مغاربة كثيرين يجهلون دور الزوايا، ويعتقدون أنّها لا تلامس قضايا الدين والمجتمع، وفي ظلّ غياب نموذج يحاكي التيار الديني المشرقي، تبقى جماعات دينية ذات توّجه سياسي غير قادرة بدورها على حمل لواء الدفاع عن إسلام مغربي متسامح، والتي تنظر السلطات بعين الريبة والشك .
في المغرب، نحن مع إسلام يخلط بين فكر الأشاعرة وزهد الجنيد وشدّة مالك، ولا غرابة إن سألت أحد رواد المساجد، فإنه لن يتردّد في الجواب بجهله هذه الأسماء.