من كابول إلى دمشق.. «الإخوان» العباءة الأمريكية!

السيد شبل
2017 / 4 / 11

** لن نغوص في التاريخ كثيرًا، ولن نأتي على ذكر أدوار الجماعة بالخمسينات وصاعدًا، وكيف أنها مثلت خنجرًا في ظهر مشروع النهضة والتحرر العربي، لصالح الناهب الخارجي.. يكفينا أن نروي الحكاية منذ أن عاصرها مواليد الثمانينات على الأقل.

في 2001، كانت أجهل نظم الأرض وأقبحها "طالبان" تحكم أفغانستان (كانت تدمرها في الحقيقة، تمامًا، تحت شعار الحكم)، ورغم هذا وقف الشارع المصري/العربي، بكل حماسة ضد التدخل الأمريكي في أفغانستان، لماذا؟، لأنه كان على وعي، ببساطة، أن من صنع الأزمة، ومن حقن أفغانستان بالمرض "الجهادي"، وموّله عبر المخابرات الباكستانية، لا يمكن أن يصنع الحل فيها، وأن "المتطرفين" الذين هم صناعة "السي اي إيه" ليسوا أكثر من ذريعة لتمد واشنطن أياديها في المنطقة.

وها هي أفغانستان، لم تقفز خطوة واحدة للأمام، رغم مرور 16 عام على التدخل الأمريكي.

هنا نقطة هامة يُسقطها رواة هذا الحدث وهي أن جماعة الإخوان كانت أحد أهم المستفيدين من التدخل الأمريكي في أفغانستان، حيث عاد رجالها أو أولئك المرتبطون بها ويتبنون ذات نهجها من برهان الدين رباني إلى جماعة أحمد شاه مسعود إلى عبد رب الرسول سيّاف (التحالف الشمالي المعارض لطالبان، والذي أقصته الأخيرة عن الحكم في 96، بعد أن قضى 4 أعوام يتطاحن فيما بينه، وفيما بينه وبين حكمتيار، ومات بسبب حروبه البينيّة عشرات الألوف.. وفي رواية وصلوا لأكثر من 60 الف)، عادوا إلى كابول، بفضل القصف الأمريكي، وقسّموا السلطات بينهم، وسُمي برهان رباني الإخواني "رئيسًا" من نوفمبر حتى ديسمبر 2001، قبل تسليم السلطة، لشخص ليس بعيد عن ذات المجال (فهو وكيل وزارة سابق لرباني، وحليف قديم لطالبان، قبل وقوع خلاف بين الطرفين)، وهو حامد كرزاي، في اجتماع نظمته ألمانيا في بون، واستلم رباني "الإخواني" رئاسة ما سمي بـ"المجلس الأعلي للسلام في أفغانستان"، واشتبك في البرلمان والانتخابات، وفعل نفس الشيء "عبد الرسول سيّاف"، بما يعني، أن الإخوان جنوا ثمار التدخل الأمريكي في أفغانستان، ورجالهم دخلوا -حرفيًا- العاصمة بفضل الطائرات والصورايخ الغربية، (وللعلم، شاه مسعود، ورباني، كلاهما تم تصفيته عبر القاعدة، الأول مبكرًا في 2001، والثاني في 2011، لاعتبارهما خونة معارضين ومتحالفين مع الأمريكان والغرب، وهذا ما اتضح حين زار مسعود البرلمان الأوروبي، في فرنسا، وطلب الدعم والمساندة، لإقصاء طالبان عن العاصمة كابول!)، *نظن أنه يصح لفت النظر إلى أن انتماء رباني وسيّاف للإخوان، ليس أمر عرضي، وإنما تأسس حين قدم كلاهما، للدراسة في الأزهر بالقاهرة، والحصول على شهادة دراسية "أعلى"، قبل أن يعودا وتوظّفهما الإدارة الأمريكية لاختراق أفغانستان، وتعطيل مشروعها الحضاري، منذ ما قبل التدخل السوفيتي (ديسمبر 79) بعقود، بل أن أفغانستان كانت موضوعة على الخطة الأمريكية، كجسر لاختراق جنوب الاتحاد السوفيتي منذ عهد أيزنهاور انطلاقا من باكستان التي كانت عضوًا رئيسيًا في كل حلف شكلته المخابرات الأمريكية من حلف بغداد في 55، وحتى أحلاف فيصل آل سعود «الإسلامية» بالتحالف مع شاه إيران في النصف الأول من الستينات.

عود على بدء.. لكن الشارع العربي كان ضد أمريكا في أفغانستان (كما هو ضد آلتها التخريبية..والناهبة.. ونازعة استقلال الشعوب.. وحابسة تطورها.. في كل مكان)، حتى لو كان الحاكمون "طالبااان" بكل جهلهم ورجعيتهم وعدوانيتهم وسلطويتهم.. فاضطر الإخونج إلى مجاراة الشارع، في الرفض، والتظاهر بالإدانة القاطعة.

الموقف ذاته تكرر في العراق 2003، رفض الشارع العربي الاحتلال الأمريكي ضد العراق العربي، من مستوى أعلى، بطبيعة الحال (وبالمناسبة رفضته روسيا والصين، بل لوّحت الأولى باستخدام الفيتو، وخرجت مظاهرات في روسيا تهتف ضد الحرب)، رفضه لأنه على وعي بأن، واشنطن، لا يمكن لها أن تريد من تدخلها في العراق سوى تخريبها، وشطبها، وتقسيمها، و(نفطها).. كان يعي أن المُستهدف ليس صدام حسين، في ذاته، وإنما العراق كله، وخرجت المظاهرات في الشوارع والميادين، في الوقت الذي كان فيه النظام المصري والسعودي يصطفان إلى جوار المحتل الأمريكي، والطائرات الأمريكية والجنود الأمريكان، يعبرون من دول الجوار العربي للعراق (من.. الكويت وقطر والأردن)، وعبر المجال الجوي التركي (التي كان يحكمها العدالة والتنمية).

في هذا الوقت للمرة الثانية، تماشى الإخونج مع الشارع الغاضب، ووظّفوا الغضب لصالح نصيبهم من كعكة المشاركة في السلطة، ولترقية أسهمهم الشعبية، لكن في الحقيقة، رجالهم في العراق (الحزب الإسلامي العراقي) كان جزءًا من "المعارضة" التي مهدت للغزو باجتماعاتها في لندن في ديسمبر 2002، وكان رجل الإخوان "إياد السامرائي" وغيره، عضوًا بلجنة التنسيق والمتابعة لهذا التحالف الخياني (الذي كان فيه أعضاء مثل أحمد الجلبي، ومسعود برزاني، وعائلة الحكيم، وإياد علاوي... وآخرين)، وبعد الاحتلال، وتشكّل مجلس حكم "بول بريمر"، كان الإخوان من ضمن المساهمين باسمين: محسن عبد الحميد "أمين عام الحزب الإسلامي"، وصلاح الدين محمد بهاء الدين "أمين عام الاتحاد الإسلامي الكوردستاني"، ثم فيما بعد صار طارق الهاشمي أحد قادة الحزب الإسلامي، وأمينه العام لنحو خمس سنوات، نائبا للرئيس العراقي من 2006 (أي تحت الاحتلال)، وإلى أن غادر هربًا، بعد اتهامه بدعم الإرهاب، وكان الرئيس وقتها جلال الدين طالباني (وهو "سنى"، "كردي"، بالمناسبة)!.

في كل مرة كان الشارع العربي ضد أمريكا، وكانت الإخوان تصطف معها، (القادة مباشرة)، و(القواعد، بلف ودوران).. وسأخبر كيف تكون القواعد (على مثاليتها، وأجنحتها الملائكية)، في صف العدوان، عبر تمييع الموقف الرافض له، ومن مدخل تلبيسي تلفيقي، عبر تجربة شخصية؟، في 2003، وفي سياق الحرب على العراق، وكانت الأعصاب مشدودة إلى أبعد مدى، في وقتها كنت مازلت أدرس بكلية الطب (قبل التحوّل للإعلام)، وكان يدرّس لنا أستاذ إخواني، أتذكر أيامها، أنه أسهم في تبريد أعصاب الكثيرين، وتمييع الموقف الرافض للهجمة الأمريكية، حين قال، بالنص: "طبعا ممكن أن تكونوا حزانى بسبب العراق، لكن الحقيقة، أن ما يحدث هو ما بشّر به الرسول، في حديثه المشهور، الذي يقسم المراحل بعده من خلافة راشدة إلى ملك عضود إلى ملك جبري، ثم يتلوه خلافة راشدة، وأن نظام الحكم في العراق، يمثل هذا الملك الجبري، وبرحيله، ستأتي الخلافة الراشدة، فاستبشروا"!، طبعًا منطقه "الديني"، لم يشجع كثيرون على معارضته، وهدأت القاعة، وعارضته وقتها، ضمن ما تمكنت؛ على الصعيد العام بالكلية، كان "الإخوان" يتظاهرون (على استحياء)، لمجاراة الشارع في غضبته، ولتسجيل نقاط على نظام مبارك العميل من رأسه حتى قدميه، في حلية الصراع على السلطة أو مساحتها (الحقيقة، الحزب الوطني نفسه نظّم مظاهرة ضد احتلال العراق، ولم تطل أمريكا بكلمة واحدة، غاية ما في الأمر هو الهتاف بـ: لا للحرب نعم للسلام!، بالضبط كما مظاهرة الإخوان، التي تبدأ وتنتهي بهتاف واحد هو "حسبي الله ونعم الوكيل"!). -كله كان في حاجة لمجاراة الشارع الغاضب، وتسجيل نقاط-!.

بعد 2011، دخل المموّلون (بشعارات ليبرالية) الملعب، بثقلهم، وهم أقوى من الإخونج ألف مرة في الإفصاح عن الصف الذي هم فيه حتى لو كان الصف أمريكي، وعليه، كان هناك دعم واضح لتدخل الناتو في ليبيا، واليوم يتكرر مع سورية، والإخونج في ذويلهم، يؤيدون ببجاحة ما أخفوا تأييده في الماضي.

لكن الشارع العربي، الذي نجا من آفة "التسيّس" و"الأدلجة"، وحافظ على وعيه الفطري، في زمن خانت فيه "النخب" مسؤوليتها في "تسييس حقيقي" و"تربية فكرية عقائدية سليمة"، عند موقفه الصحيح، وهو باختصار: ضد أمريكا!.

وقد تابعت عند زيارة لمسجد وحي سيدنا الحسين،أحد المقاهي (الشعبية العادية تماما) في يوم العدوان الأمريكي على قاعدة الشعيرات بحمص، تشغّل، بصوت مرتفع، قناة سما السورية (التي لا تعرف عنها النخب الفيسبوكية شيء، وهي قناة تبث مواد إعلامية تحذر من المؤامرة الدائرة هناك منذ 6 سنوات)، وكان رواد المقهى وجيرانها، يلتفون حول الشاشة –بدون توجيه من أحد-، رفضا لضرب سورية، وتأييدًا عارمًا لكلمة مندوب بوليفيا، الذي هاجم فيها واشنطن لعدوانها، ولم يتأخر، متابعو الكلمة، كعادة الشارع المصري في وصفه بالرجولة والجدية والجرأة، وكان كل ما يدور على لسانهم، هو بمنتهى الوضوح: «لو سقطت سورية، فغدًا تسقط مصر».