السعودية الأخرى: كل شيء كان وشيكًا أن يتغير

السيد شبل
2017 / 4 / 10

خلاصة قراءة أحداث "السعودية" في الخمسينات ومطلع الستينات، تتلخص في أن هذه البلاد، فعلا، بفضل المد الثوري العربي والتقدمي المحيط بها، كانت على وشك أن تخطو نحو الأمام، وأن تخلع عن نفسها ثوبي "العمالة السياسية، والجهل المعرفي"، وأن تسير نحو الاستنارة والحداثة، ولو بخطا ثقيلة، لكنها كانت ستعبر الحاجز، ولربما فاجأت من سبقوها، وأن شعبها كان مؤهلا، وقدم من دمّه ضريبة غالية للعبور.

وأن كل شيء تعطّل، عندما أوعز الأمريكيون لسعود، بإعادة فيصل لمنصبه كرئيس للحكومة، ثم سهّلوا له وصوله للحكم وخلعه لأخيه، وكسحه للخارج، حينها وضعت العصا في العجلة السارية، وبدأت حملة بشعة لتصفية كل العناصر الوطنية والثورية، وحشرها في السجون، والتسبب في إزهاق أرواحهم. وتموضع فيصل في الحضن الأمريكي، و"الإسرائيلي"، وإيران "الشاه"، ضد الثورة اليمنية والقوات المصرية الداعمة لها، ثم شجع الإدارة الأمريكية على عدوان يونيو 67، وكان شريكا به (كل قصف تعرضت له الأرض العربية من العراق إلى ليبيا، كانت خلفه الرياض، وجزء منه) -سعود، أيضًا، كان عميلًا، قطعًا لأي لبس، وهو الراعي المالي والداعم الأبرز لإجهاض وحدة مصر بسوريا في 61، ومموّل 3 عمليات لاغتيال جمال عبدالناصر، لكن خدمته لم تكن كافية، كما أن الأوضاع بينه وبين فيصل تعقدت فاستدعت حلًا أمريكيًا، حتى لا يسمح الشقاق بانهيار الكيان الوظيفي-.

نعود لنقول.. هل تصدّق أن ثمة حراكًا "عماليًا/اجتماعيًا" استمر لفترات واسعة من الخمسينات، قاده رجال مثل ناصر السعيد، وعائلة الشيخ يعقوب، وآل العوامي، وعبد العزيز أبو أسنيد. وأن هذا الحراك قد واجه الملك سعود ذاته، في 56 (مظاهرت العمال)، مطالبًا بإنهاء وجود القاعدة الأمريكية في ظهران (هي القاعدة التي لعبت دورًا ضد الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية في 91، بالمناسبة)، وحمل المتظاهرون يومها شعارات مناهضة لأمريكا، وضد الشركة الأمريكية "أرامكو" وتدخلها في شؤون البلاد ورفضًا لإجحافها بحق العمال فيما يخص ساعات العمل والرواتب والثبيت والتسريح الكيفي.. وإلخ.

وفي ذات الزمن (زمن المد.. الذي كان وشيكًا)، اجتمع أناس مثل (عبدالعزيز بن معمر، والهوشان..)، وأسسوا جبهة للإصلاح الوطني هدفها توسيع المشاركة الشعبية، وتحويل النظام إلى ملكي دستوري (وكانت هناك أصوات تحلم بما هو أكثر وتطمح في جمهورية عربية لا تتوارث فيها عائلة الحكم... كانت الأحلام كبيرة، فعلا)، وأنه بهذا الزمن، في شرقي البلاد، صدرت جرائد، وكتب فيها الشباب الجدد، صحيح تم حصارها، والتضييق على أصحابها، لكن بقيت المناورات قائمة، وبقي هناك مددًا من البحرين (نعم من البحرين، التي كانت تشهد حراكًا ثوريا اجتماعيا وسياسيًا ومعارضًا للاحتلال البريطاني، وصل ذروته في انتفاضة مارس 1965.. كان خليجًا آخر!)، وكان للعرب الشوام والعراقيين العاملين في المناطق الشرقية تأثيرًا واسعًا على أشقائهم الجزيريين، وكان من عبد الناصر (المدد كله)

في 1955 -صدق أو لا تصدق، ما حجبه عنك الإعلام؟!- كان في "السعودية" ضباط أحرار (بقيادة عبد الرحمن الشمراني) قاتلوا في فلسطين ضد الكيان الصهيوني، وعندما عادوا حاولوا عدل (لا قلب) نظام الحكم، لكن محاولتهم فشلت، وعندما سألهم المحقق متهكمًا، من منكم عبد الناصر، ردوا: كلنا جمال، وكلكم فاروق!.. وأعدموا في النهاية في مشهد انتقامي (لا إنساني، بالمرة).

في 1960، وبفضل الشقاق بين فيصل وسعود، واتساع الهوة بينهما، وبسبب وجود من سمّوا بالأمراء الأحرار، مثل طلال بن عبدالعزيز (وهم مجوعة من الأمراء، سيتخلون عن لقب الإمارة فيما بعد، ويعتبرون أنفسهم مواطنين عاديين، وهم أصحاب نفس إصلاحي، بميول ليبرالية وبدوافع ذاتية، لكن كل شيء كان مهّذبًا، بفعل شعارات مرحلة النهضة العربية التي تبتت الخصومة مع الصهيونية وأمريكا، وتبني أراء جمعية شراكية فيما يخص الافتصاد، بالتوازي مع تثوير اجتماعي وعصرنة).. بفضل كل ما سبق، هندس عبد العزيز بن معمر، حكومة شعبية (شبابية) كنت نقطة مضيئة ووجد فيها أمثال عبد الله الطريقي، ثم تم طفوها على عجل، وقبل أقل من عامين، وتلقى الوزراء تهديدات بالتصفية في رسالة موقعة من 28 أمير، ثم عاد فيصل للحكومة، على أثر مراسلات بين جون كيندي وسعود.

"أرامكو" كانت ترى أن بن معمر اشتراكي، والطريقي كذلك، وبالتالي فهما خطر عليها و"أرامكو" يجب أن تطاع.. وقد قدم الطريقي، أفضل خدماته بتوسيع نسبة أبناء الجزيرة في نفطهم من أرامكو بهذ السنوات وما سبقها، وعُرف عنه قولته الشهيرة، في إطار مفاوضاته: "نحن الهنود الاحمر نريد تغيير صفقة بيع مانهاتن"، في إشارة إلى احتيال الرجل الأبيض على سكان أمريكا الأصليين، ودفعهم للتخلي عن أراضهم، بمقابل بخس!.

وتشكلت فيما بعد ما سميت بجبهة التحرير العربية، بتحالف المكونات السابقة، وأذاعت صوت العرب بياناتها الرافضة للتدخل السعودي ضد اليمن، في هذا الوقت من 62 لجأ أمراء آل سعود الأحرار إلى مصر.

وفي أوائل أكتوبر 1962 لجأ طيارون سعوديون لمصر رفضًا لقصف اليمن وثورته الوليدة، وهم طيار رشاد ششة، وطيار أحمد حسين، وطيار محمد عبد الوهاب، وطيار محمد علي الزهراني والفني محمد أزميرلي، ثم تكرر الأمر من جديد في 13 أكتوبر، حين لجأ إلى مصر طيار أحمد عواد، والطيار عبد اللطيف يغمور، هؤلاء جميعهم لجأوا إلى مصر بطائراتهم المسلحة، رفضًا للاشتراك بتصفية حلم اليمنيين الثوري والوطني والتقدمي الذي أرادت السعودية إجهاضة بالتحالف مع بريطانيا، التي كانت تحتل جنوب اليمن، وتخشى المد الثوري، وتصالحت مع السعودية بعد فترة توتر على خلفية واحة بريمي، من أجل الاصطفاف أمام اليمن وثورته وعبدالناصر (خصمهم اللدود)، وأرسلت طائراتها المسلحة وبطاريات صواريخ لدعم المملكة السعودية، وستلعب المخابرات الإنجليزية دورًا ملحوظُا في توفير المرتزقة للحرب ضد الثورة اليمنية، وفيما بعد ستشتبك "إسرائيل" لصالح القوات الملكية، وستوفر الطائرات الصهيونية الدعم لقوات النظام الملكي المخلوع.

عندما تقرأ روايات الشيوخ الذين كانوا شبابًا في هذا الزمن (أو الذين بقوا أحياء منهم فعشرات العشرات ماتوا في السجون)، فورًا تدرك، أن هناك شعبًا عربيًا أصيلا، محبوس لا تراه، داخل صورة نمطية في حاجة إلى أن تكسر "بروازها" حتى تتعرف إليها عن حق.

وأن كل شيء كان وشيكًا، عندما أحاطت الثورة في الأقطار العربية بـ"المملكة" من كل مكان، من مصر والعراق وسورية واليمن، وكان لها رجالها في الداخل، وكان أبناء نجد والحجاز والقطيف والإحساء في صفها.. كان كل شيء وشيكًا عن حق، وقابل للتطور.. لولا أن المدد أتي من واشنطن ولندن و"تل أبيب"! (فما كان مسموحًا لتلك القاعدة المركزية التي صنعها جون فليبي، وبيرسي كوكس، ومات في سبيلها وليم شكسبير في معركة جراب.. أن تضيع).
#السعودية_الأخرى
مصادر للاستزادة:
كتاب الحركة الوطنية بالسعودية (1) (2).. سيّد علي العوامي
الحركات العمالية وجماعات المعارضة في السعودية (1950-1975).. موقع ما العمل؟
الحركات القومية واليسارية في السعودية.. عهود اللامي
انتفاضة العمال في ظهران.. ويكيبديا