ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (29)

طلال الربيعي
2017 / 4 / 9

في حلقة سابقة (1) اشرت الى معارضة المخرج الالماني ورائد المسرح الملحمي التغريبي والاارسطي, برتولت بريخت (1956-1898,Bertolt Brecht), للواقعية الاشتراكية، فقد علق بريخت على لوكاش وزملائه في موسكو بقوله أنهم، بكل صراحة، أعداء الإنتاج وهم أنفسهم لا يريدون الإنتاج ولكن فقط يريدون لعب دور الأباراتشيك (وكلاء الحزب) وممارسة السيطرة على غيرهم. اثّرت أفكار بريخت تأثيرا عميقا في النظرية الجمالية للفيلسوف الالماني والناقد الادبي بنيامين Benjamin، الذي أعتبر المسرح الملحمي نموذجا لكيفية ان أشكال وأدوات الفن يمكن لها أن تتحول في اتجاه اشتراكي. كان الصراع بين بريخت و لوكاش جزءا من جدل اوسع بين دعاة "الواقعية الاجتماعية" ( اي الواقعية البرجوازية في القرن التاسع عشر مع محتوى جديد) وأنصار "الحداثة" (خاصة التعبيرية الألمانية، ولكن أيضا التكعيبية والسريالية)، الذين شملوا، إلى جانب بريخت وبنيامين, بلوخ وأدورنو ايضا.

في هذه الحلقة ولاحقا اتطرق بشكل خاص الى نظريات وافكار بريخت في الفن وكذلك في الماركسية وفي عموم التجربة الاشتراكية السوفيتية.

ان علاقة بريخت بالماركسية معقدة للغاية. من 1920s حتى وفاته في عام 1956، عرّف بريخت نفسه بأنه ماركسي. هرب بريخت من الحكم النازي الى الولايات المتحدة بعد صعود هتلر الى السلطة في عام 1933, وعند رجوعه من منفاه, اختار الاقامة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، حيث كانت تقيم ايضا زوجته الممثلة Helene Weigel, وقاما بتشكيل فرقة المسرح الخاصة بهما، فرقة برلين الشهيرة، وفي نهاية المطاف كُلِف بريخت بادارة مسرح تابع للدولة.

لكن علاقة بريخت بالمسؤولين الماركسيين الأرثوذكسيين والعقيدة الماركسية الأرثوذكسية كانت في كثير من الأحيان متضاربة، واعماله وحياته كانت شديدة التميّز ولم تخضع لاية نمطية. فقد اتسم في شبابه بمعاداة شديدة للبرجوازية, وكذلك بنفوره من البلشفية. فقد شهد الثورة الألمانية عام 1918 وتميزت مشاعره تجاهها ببعض التناقض, وكرس نفسه للنشاط الأدبي وليس السياسي خلال السنوات المضطربة الأولى من جمهورية فايمار. وسجل في يومياته، على سبيل المثال، رده السلبي على حديث سمعه في عام 1920 بخصوص الاتحاد السوفياتي ونظامه الاشتراكي. وأعطى انطباعا سلبيا عن البلشفية واختتم ملاحظته السلبية بقوله أنه يفضل سيارة جديدة بدلا من الاشتراكية!

ولكن منذ بداية مسيرته الأدبية، كان بريخت عدوا للمجتمع البرجوازي القائم. والف بريخت مسرحية مضادة بقوة للبرجوازية بعنوان "بال" Baal التي تميزت بعلاقة معقدة مع المدرسة التعبيرية في الفن (2). وفي عام 1919 كتب مسرحية "الابواق والطبول" Trumpets and Drums،
وهي مسرحية تناولت خيبة الأمل بعد الحرب العالمية الأولى والثورة الألمانية. ففي المسرحية, بعد عودة الجندي, كراغلر, من الحرب, قام كراغلر بادارة ظهره على الثورة الألمانية من اجل مضاجعة صديقته (3).

في برلين في منتصف 1920s، بدأ بريخت إظهار اهتمامه بالماركسية. فارتبط مع دائرة واسعة من الأصدقاء اليساريين والفنانين المتميزين، وأصبح على دراية بالماركسية من خلال المناقشة مع أصدقاء ومعارف, مثل ليون فيوشتوانجر، فريتز ستيرنبيرغ، جون هارتفيلد، ويلاند هرزفيلد، ألفريد دوبلين، هانز إيسلر، وإروين بيسكاتور. كما يقول بريخت، انه كان يحتاج إلى معرفة المزيد حول الاقتصاد لغرض تأليف مسرحية للموسم المسرحي 1926-1927, بالتعاون مع بيسكاتور. و بيسكاتور (Erwin Piscator 1893 –1966) هو كاتب ومخرج مسرح الماني ماركسي, وهو ايضا رائد المسرح السياسي ومؤلف الكتاب الشهير The Political Theatre, "المسرح السياسي" (4), الذي يتمتع باهمية فائقة في علوم ودراسات المسرح السياسي , وخصوصا المسرح اليساري. وبيسكاتور هو الذي اعطى بريخت فكرة استخدام المسرح كأداة للتغيير الاجتماعي، ولكن في بريخت يَظهرٌ المزيد من العناصر الفنية والشعرية. و بيسكاتور هو من ساهم في إعطاء الدادائية طرازها "البروليتاري (الدادائية: حركة فنية وأدبية معادية للحرب كما اعلن ذلك مؤسسو الحركة في بيانهم الاول في كاباريه فولتير في زوريخ. برزت الحركة في الفترة ما بين عامي 1916 و 1921 وأثرت على كل ما له علاقة بالفنون البصرية، الأدب، الشعر، الفن الفوتوغرافي، نظريات الفن، المسرح، والتصميم. واسم الحركة, كما يعتقد البعض, له علاقة بمفهوم ال da (هنا بالالمانية) وال Fort (ذَهَبَ او هناك بالالمانية). و "دا!" او "فورت!"هي كلمات التعجب الذي سمع رائد التحليل النفسي سيغموند فرويد حفيده إرنست ينطق بها أثناء اللعب. وهذا الزوج من الكلمات أصبح يعني الاختزال للتكرار في مرحلة الطفولة المبكرة، او ما يسمى في لغة التحليل النفسي "العمليات الأولية" primary processes, التي تجسدها ايضا الاحلام او العقل الباطن للانسان عموما).

مسرحية بريخت كانت حول سوق الحبوب في شيكاغو. المسرحية، المسماة "القمح"، والتي لم تُكتَمل كتابتها, تطلبت معرفة وثيقة ببيع وتوزيع القمح. وقال بريخت أنه على الرغم من أنه تحدث على نطاق واسع مع وسطاء الحبوب، فإنهم لم يكونوا قادرين بشكل كافٍ على شرح عمل وسوق القمح، وأن سوق الحبوب كان لا يزال غير مفهوما في خطاب الاقتصاد الكلاسيكي وخطاب (رجال) الأعمال. ولذلك سعى بريخت الى توسيع معارفه في الاقتصاد بقراءته كتاب ماركس رأس المال. وفي نفس الوقت اصبح مهتما بشكل متزايد بالنظرية الماركسية حول المجتمع وكذلك بالمنهج الديالكتيكي في تحليل المجتمع ودراسة التاريخ. ومن اجل توسيع معارفه في الماركسية, سعى بريخت الى معرفة من كانوا قادرين على تعليمه المبادئ الاساسية في الماركسية. وفي وقتها كان كارل كورش (Karl Korsch, 1886-1951) هو احد علماء الماركسية البارزين في المانيا واكثرهم نشاطا في الحركة الشيوعية. انضم كورش الى الحزب الشيوعي الالماني KDP في عام 1920, واصبح لفترة قصيرة وزيرا للعدل في مقاطعة Thuringian الالمانية وبعدها رئيس تحرير المجلة الشيوعية العالمية Internationale وعضو اللجنة المركزية للحزب. وفي عام 1927 انضم الى حزب العمال الشيوعي في المانيا Communist Workers Party of Germany المتميز بيساريته ومعاداته للنظام البرلماني. وكورش هو مؤلف الكتاب الشهير Marxism and Philosophy, "الماركسية والفلسفة" (5), وهو محاولة لإعادة إرساء الطابع التاريخي للماركسية كوريثة لهيغل ولاعادة الاهتمام الى أهمية Militant Materialism من جهة نظر لينين (اي بمعنى المادية المتشددة في المقام الأول ضد كل الاشكال الحديثة للاكليريكية وكذلك ضد امتداداتها الأيديولوجية في الدراسات الاكاديمية او الشعبية المألوفة في مجالات الفلسفة والعلم (6)- حيث ان الدين بالنسبة الى لينين هو أحد أشكال القمع الروحي الذي يمارس سطوته في كل مكان وبشدة على جماهير الشعب، الذين يأنون تحت وطأة أعباء عملهم الدائم للآخرين، وتسيطر عليهم مشاعر العزلة والعوز (7). ولينين كان معاديا بشدة لاي نوع من انواع الجمليات المثالية. ولذلك دعى لينين, في مساهمته في صياغة اهداف المجلة السوفيتية الشهرية الماركسية, المسماة Pod Znamenem Marksizma, الصادرة في الفترة 1922-1944, والتي كانت تعني بامور الفلسفة, وخصوصا الديالكتيك, وكذلك بمواضيع الاجتماع والاقتصاد والعلم, الى ان تكون مجلة مُلحِدة ومعادية للبرجوازية واسنادها لكل اشكال وانواع الدين).

ولذلك انضم بريخت الى حلقات لدراسة الماركسية, بما في ذلك واحدة منها التي كان يديرها كارل كورش. وكورش هو الرجل الذي أشار إليه بريخت فيما بعد ب "استاذي في الماركسية". وكورش هو من أول المثقفين الماركسيين الذين فُصلوا من الحزب الشيوعي الالماني بسبب "انحرافه"عن خط الحزب الرسمي. وقد صاغ كورش نقدا مبكرا قويا للينينية ثم الستالينية. ويرى معلقون أن نسخة بريخت الخاصة بالماركسية تأثرت كثيرا ب "معلمه" كورش، وأن نسخة كورش من الماركسية ساهمت بشكل كبير في صياغة نظرية بريخت الجمالية وممارستها. وسأحاول أن أظهر أن بعض الأفكار الماركسية لم تكن مركزية فقط في نظرية بريخت، بل ايضا في مفهومه السياسي. وبناء على ذلك، سيتم التركيز على الطرق التي ساعدت فيها جمالياته السياسية، المستمدة من الأفكار الماركسية، على تشكيل شكل مسرحه وكتاباته. ولكن أولا، سأشير, في الحلقة القادمة, إلى كيفية اعتناق بريخت مفهومه (الخاص) للماركسية، وكذلك الى صيغة أفكار ماركس التي أثرت تأثيرا عميقا عليه.
يتبع
.......
المزيد في المصادر:
1. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=552663
2. Bertolt Brecht / Baal
https://www.youtube.com/watch?v=zSHisYf028g
3. Trumpets and Drums
http://self.gutenberg.org/articles/eng/Trumpets_and_Drums
4. Erwin Piscator
http://brecht.holyrood-drama.com/erwin-piscator.html
5. Karl Korsch, 1923
Marxism and Philosophy
https://www.marxists.org/archive/korsch/1923/marxism-philosophy.htm
6. V. I. Lenin
On the Significance of Militant Materialism
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1922/mar/12.htm
7. V. I. Lenin
Socialism and Religion
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1905/dec/03.htm