العدوان الأمريكي لا يكسر عين الليبراليين

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 4 / 7

القصفة الصاروخية الأمريكية على القاعدة الجوية السورية كاشفة ومحملة بكثير من الرسائل وتبعث الكثير أيضًا من الذكريات المريرة..

أما عن الذكريات.. فهي تذكرني بالقصف الوحشي الذي بدأته إدارة بوش على العراق في مثل هذا التوقيت عام 2003.. ووقتها شاء حظي العاثر أن ألتقي ليبراليين حاليًا (يساريين سابقًا).. وكانوا في قمة السعادة والحبور للقصف "الديمقراطي" و"التدخل الإنساني" [الدولي].. وكاد النقاش يصل إلى حد الاشتباك..

قبلها كان هؤلاء الليبراليون- القدامى منهم والمحدثين- يتحدثون عن مقولة "الاستعمار الداخلي".. وهي من اصطناع وابتكار تلاميذ منظمات الملياردير جورج سورس (عراب "الثورات الملونة" في أوربا الشرقية) وغيرها من المنظمات "الدولية" [الشمالية] غير البعيدة عن أجهزة الاستخبارات الإمبريالية وأشد الدوائر الرجعية والعنصرية في الغرب.. وفحواها أن أنظمة الحكم القمعية في العالم الثالث (والعربي خصوصًا) لا يمكن اقتلاعها إلا من الخارج.. وبالطبع كان هذا "الخارج" المتدخل دائمًا هو الولايات المتحدة مع قلاع "الديمقراطية العريقة" في أوربا الغربية.

من ثم لا يسأل أولئك الليبراليون أنفسهم عن مصلحة أمريكا وحلفائها في دمقرطة المنطقة.. بينما هذه القوى نفسها تدعم أشد النظم رجعية وقمعًا في العالم (خاصة في الخليج النفطي).. أنظمة لا تفترق كثيرًا عن حكم القرون الوسطى.. وهي أيضًا الإمبريالية الداعمة لأحط الكيانات العنصرية والعدوانية المصطنعة في التاريخ الحديث والمعاصر، واستعداد الإمبريالية الأمريكية خاصة لبلوغ الحد الأقصى من الغلو والمغامرة دفاعًا عن مخفرها الأمامي إلى حد إعلان حالة التأهب النووي إبان تراجع الجيش الصهيوني في بدايات حرب أكتوبر..

وأيًا كانت الاتهامات التي كيلت وتكال لأنظمة قمعية فإنه من العار تناسي أن تلك الجيوش العربية في العراق وسوريا قائمة على التجنيد الإجباري، أي أن الضحايا دائمًا مواطنون عاديون.. بينما المفكرون والسياسيون "المحليون" تغمرهم الغبطة لسقوطهم شهداء.. كما يسعدون بتمزيق جيوش عربية كانت تحقق "توازنًا" ما مع قوات البطش والعدوان والتوسع الصهيونية.. فهل يبعث السعادة في قلوب الليبراليين أن تظل راية الجيش الصهيوني هي الأعلى..

إن بعض هؤلاء الليبراليين الذين تتلمذوا على "الأدبيات" الليبرالية الغربية، أو جلسوا في المقاعد بالفنادق الفخمة لتلقي مثل الديمقراطية من مدربيهم الغربيين.. يتناسون أن هناك سابقة فاضحة لاصطناع اتهامات لبغداد حول امتلاك السلاح النووي لتبرير إبادة الدولة العراقية وتمزيق المجتمع العراقي..

بعض هؤلاء يقولون إن "ترامب" غير "كلينتون" / الحزب الديمقراطي، ولا يجوز محاسبة "الديمقراطية" الأمريكية على حماقات ترامب "الجمهوري".. وبالطبع فإن إدارة جورج بوش مجرم الحرب الأكبر كانت جمهورية.. وكأن الرؤساء الديمقراطيين كانت صفحاتهم ناصعة البياض في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، بل في يوغسلافيا قلب أوربا نفسها.

بل إنهم يتجاهلون أن إدارات الحكم واستخباراتها في البلدان الرأسمالية "المتقدمة" هي التي أنشأت ودربت ومولت طالبان والقاعدة وغيرها من الحركات الإجرامية.. وهي التي وقفت بكل قوتها وراء حكم الإخوان لمصر، والعصابات رافعة لواء "الإسلام" زورًا في ليبيا والعراق واليمن.. وهي التي تقف "ساكنة" أمام الجريمة السعودية اليومية بحق الشعب اليمني، ولم يكن لديها مانع من تخفيف قبضتها عن طاغية الخرطوم..

أما عن الديمقراطية التي يتشدق بها الليبراليون (بقوة الخارج).. فهاهي ديمقراطية زعماء الطوائف والأعراق في العراق.. وبغض النظر عن طبيعة النظام القمعي في سوريا.. هل يتمنى أولئك الليبراليون هزيمة الدور الروسي لمصلحة الأمريكي؟ وما المكسب في ذلك للديمقراطية أو الأمن محليًا وإقليميًا ودوليًا؟ هل يرحبون مثلاً بأن "تستعر" حرب "باردة" جديدة.. وما الفائدة التي ستعود علينا منها؟ وإذا اتفق الأمريكان والروس على تسوية ما فيما بينهم هل يضمنون أن يأتي هذا لصالح الشعوب العربية أم على حسابها؟

وقبل هذا وذاك.. ما قيمة "طق الحنك" الديمقراطي (وليس الدفاع عن ديمقراطية حقيقية شاملة) إذا كانت القوة "المعارضة" الحقيقية على الأرض هي العصابات الإرهابية المدعومة بالمال والإعلام الخليجي، والمعلومات الاستخبارية الغربية، والتدخلات التركية.. بينما ليبراليو سوريا مثلاً يتنقلون بين الفنادق والاستديوهات في الدوحة واسطنبول..الخ.. فهل هذه قوى تريد حقًا للديمقراطية أن تزدهر..

يعرف الليبراليون حراجة موقفهم السياسي والأخلاقي.. لكنهم يتهربون شكليًا من أزمتهم، بأن يتهموا كل من يقف في الطرف المقابل بأنهم "قومجية" أو "عملاء لأنظمة قمعية" أو مجترين لمواقف تاريخية انتهت منذ الستينيات.. وهو لا يعدو أن يكون مساويًا "للإسقاط" النفسي لعيوبهم هم على الآخرين..

إن الثورات التي قامت لأسباب موضوعية وتاريخية حقيقية في البلدان العربية من أجل إنهاء سلطات القمع والفساد والتبعية.. هذه الثورات افتقدت لجبهات وطنية تقدمية تستطيع قيادة الثورات إلى منتهاها بأقل قدر من الخسائر.. ومن ثم كان لا بد أن تتقدم إلى الواجهة "زعامات" ليبرالية (لبعضها ماضٍ يساري) مستفيدة من إمكانياتها المالية التي لا تبارى والتلميع الإعلامي الخارجي، بل وترحيب النظم المهدَّدة بالثورة نفسها بأن يكون هؤلاء هم "البديل" القابل للتفاوض.. غير أن أكبر استفادة كانت من تفتت اليسار (الذي يفترض أن يصبح دينامو الجبهات الوطنية التقدمية).. ثم عدم خبرة الشباب الثوري التي دفعتهم للانقياد وراء هالات فردية ليبرالية، وأفكار تتصور الديمقراطية في بعدها الانتخابي أساسًا..

غير أن أغرب حماقات أولئك الليبراليين أمام تطور الانتفاضات وزيادة دور اليسار، مع تطور الوعي نسبيًا لدى الشباب الثوري نحو "العدالة الاجتماعية".. هو اللجوء إلى التغاضي عن خطر القوى الظلامية المنقضة على الثورة، بل وحتى التحالف معها في لحظات تاريخية مفصلية.. أدت في النهاية إلى موقف لا يمكن وصفه بأقل من خيانة و"هزيمة" الثورة..

إن الليبراليين في البلدان العربية ترتعد فرائصهم لأقل عملية إرهابية في الغرب، بينما هم يتغاضون عن تعاون الغرب نفسه مع الإرهابيين، ويسمون الإرهابيين في سوريا مثلاً بـ "المعارضة المسلحة".. ولا يستطيع ذهنهم أن يذهب بعيدًا لإدراك الأزمة الخطيرة التي تعاني منها الرأسمالية العالمية، والمجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة أساسًا، وأن النظام الرأسمالي يحل أزماته عادة عن طريق الحروب المباشرة أو حروب الوكالة أو التهديد بها أو الأجواء العدائية بشكل عام..

لا أملك أن أنصح الليبراليين بشيء، خاصة من كانت مصالحهم الطبقية تدفعهم إلى هذا الانكشاف الوطني والتدني الأخلاقي.. وإنما أتصور أن المعجبين بالجانب "السياسي والفكري" في النظريات الليبرالية سيدركون الخطورة الماحقة لجوانبها وممارساتها الأخرى ممثلة في العدوان العسكري، وبعث العصابات الجاهلية، ودعم حكم الطغم المستبدة والناهبة، وإفقار الطبقات الشعبية في الجنوب.. بل والأنكى من هذا كله أن تفرز النظم الليبرالية نفسها حكومات فاشية..