تاريخ مصر فى العصور الوسطى-ستانلى لين بول-الفصل الخامس-الخلفاء الفاطميون-ترجمة عبدالجواد سيد

عبدالجواد سيد
2017 / 4 / 1

تاريخ مصر فى العصور الوسطى-ستانلى لين بول-
الفصل الخامس-الخلفاء الفاطميون-
ترجمة عبدالجواد سيد


5- الخلفاء الفاطميون

إستمر الحكم الفاطمى الذى تأسس فى مصر لنحو قرنين من الزمن ، بدون أى أحقية للحكام ، ولا أى إخلاص من قبل المحكومين. كان معظم الخلفاء غارقين فى ملذاتهم الخاصة، وكانت الحكومة تؤول إلى الوزراء والذين كانوا دائما يتغيرون تبعا لتغيرسادتهم، أوتبعا لمطالب الجيش الدائمة لمزيد من المال ونجاح الوزراء أو فشلهم فى إرضاء تلك المطالب. كان معظم الوزراء منهمكين فى تحصيل الأموال بشكل أساسى، ولم تجد أى أفكار كبيرة أو خطط طموحة مكاناً لها فى سياستهم. وسرعان ما تراجعت الإمبراطورية – والتى كانت قد شملت فى أيام المعز كل شمال إفريقيا وصقلية وسوريا والحجاز - إلى ما يزيد قليلا فقط عن حدود مصر.
آلت الولايات الإفريقية من مجرد إرتباط دافع الجزية إلى الإستقلال الصريح فى سنة 1046م، وعادت إلى ولائها القديم – ولو إسمياً – لخلفاء بغداد. أما سوريا فلم تكن السيطرة عليها ثابتة أبداً وكانت مسرحاً للثورات الدائمة والحروب الأهلية. وفقط فى الجزيرة العربية حصل الفاطميون على نفوذ متزايد، والذى لم يكن نتيجة لأى جهد خاص بهم ولكن بسبب الدعاية الشيعية التى إستمرت من تلقاء ذاتها. وفى مصر نفسها لم ترتكز سلطتهم على أساس حقيقى، ولا على أى إنضمام عام إلى العقيدة الشيعية، أو إلى نسبهم المختلف عليه - والذى كان مرفوضاً بشكل متكرر من قبل المفكرين الشيعة والسنة على السواء - ولكن عرشهم تأسس على الخوف وإستمر بالرعب الذى أثارته فرقهم العسكرية الأجنبية. كانت قوات البربر التى كانت تستقدم بإستمرار من مواطنها الأصلية فى الغرب، مع المرتزقة الأتراك التى كانت تجدد بعمليات الشراء أو التطوع من الشرق، بالإضافة إلى القوات السودانية الدموية الفاسدة من الجنوب، تمثل حصون الخلافة المصرية والسبب الوحيد لحياتها الطويلة. ومع ذلك وفى وجه مثل تلك الديكتاتورية العسكرية، فإننا قد نتساءل عما إذا كان من الممكن لأى شعب غير المصريين الصبورين ، كان من الممكن أن يخضع كل هذه الفترة الطويلة لنير لا يحتمل.
والواقع أن بداية ذلك الظلم الطويل لم تعطى أى إشارة بعبأه القادم. كان العزيز – إبن المعز ( 975-996م)- والذى خلف أباه فى فى ديسمبر 975م ولكن لم يُعلن عن خلافته رسمياً حتى عيد الأضحى فى أغسطس 976م حاكما ممتازا، شجاع القلب حسن الشكل ، رغم شعره المائل إلى الإحمرار وعيونه الزرقاء ، تخشاه العرب ، قناص جرئ ، وقائد لايعرف الخوف، ورغم ذلك فقد كان ذا مزاج تصالحى إنسانى ، حاجماً عن العدوان وكارهاً لإراقة الدماء. كان توجه السياسة الفاطمية نحو التسامح أو اللامبالاة فيما يخص الدين والعرق، ولكن فى حالة العزيز فقد كان هناك تأثير خاص لزوجة مسيحية هى أم – مع غرابة ذلك – إبنه المتوحش الحاكم بأمر الله. وقد عُين أخويها بطريركين ملكانيين للإسكندرية وأورشليم، وبواسطة ضغط الخليفة وأوامره السرية – مع ذلك - عرف المسيحيون قدرا كبيراً من التسامح لم يعرفوه تحت حكم آخر، كما أصبح للبطريرك القبطى إفرايم مكانة كبيرة فى بلاطه، وحصل على إجازة بإعادة بناء كنيسة أبى سفيان المهدمة خارج الفسطاط (كنيسة القديس مكاريوس) وقضى الخليفة – دون إبطاء - على معارضة المسلمين الذين كانوا قد حولوها إلى مستودع للسكر. وبطبيعة الفضول الفكرى المميز للفاطميين، شجع المعز سفيروس أسقف الأشمونين على مناقشة بعض نقاط العقيدة مع العلماء المسلمين، مثل القاضى الشهير بن النعمان ، إمام الصلاة ومدير دار ضرب السكة و الموازيين والمقاييس على مدى أربعة عشر عاماً. وقد رفض المعز حتى أن يضطهد مسلماً تحول إلى المسيحية رغم أن الإرتداد عن الإسلام كان يُعاقب بالإعدام. وقد إمتد كرمه حتى شمل أعدائه فقد كان يعرف كيف يحترم رجلاً شجاعاً وعندما سقط فى يديه القائد التركى البطل أفتكين، الذى أقام كل سوريا ضدهن وتفوق حتى على قائده المحنك جوهر، فقد منحه وظيفة كبرى فى البلاط وأغرقه بالعطايا على شجاعته فى الميدان،، كما كان اليهودى المهتدى يعقوب بن كلس وزيره على مدى الخمسة عشر سنة الأولى من حكمه، والذى خدم المعز جيداً وأصبح اليد اليمنى لإبنه (العزيز). ويعود إلى الحكمة السياسية لذلك الرجل – إلى حد كبير – الفضل فى أن تمتعت مصر بفترة طويلة من الهدوء التام وأن فاضت خزانة الدولة بالثروة. وكان هناك مسئولاً مسيحياً كبيراً آخر هوعيسى بن نسطوريوس الذى أصبح وزيراً فى السنتين الأخيرتين من حكم العزيز، ومنشى اليهودى الذى كان قد أصبح سكرتيراً عاماً فى سوريا قبل ذلك. لقد كان من الطبيعى أن تسئ مثل تلك التعيينات إلى مشاعر المسلمين ، الذين وجدوا أنفسهم فى الموقف القديم ، تحت حكم حاكم محمدى، فى حال أسوء مما كان الكفار. وقد كتب الشعراء أشعاراً ساخرة ودُفع بقصاصات الإحتجاج فى أيدى الخليفة، عندما كان يركب فى شوارع القاهرة، فحاول أن يهدأ رعاياه شديدى التعصب بإزاحة المسئولين المبغضين عن مناصبهم ، ولكن فى حالة إبن نسطوريوس – على الأقل – فقد كان تأثير الحريم قوياً جداً وتمكنت الإبنة القديرة والمحبوبة للخليفة الأميرة ستى الملك من إسترجاع الموقف المسيحى. والواقع أن العزيز ماكان يمكن أن يكون ماكان بدون مساعدة هؤلاء المساعدين القديرين والذين كانوا – وبشكل واضح – أقدر من زملائهم المسلمين فى إدارة أعمال الدولة. وعندما ألقى بيعقوب بن كلس فى السجن لوضعه السم للقائد التركى المفضل أفتكين – لمجرد دافع الحسد - فقد إفتقد العزيز نصائحه بشدة ، لدرجة أنه أعاده إلى منصبه بعد حوالى أربعين يوماً فقط. وقد حدث تجريد مماثل من الرتبة لنفس الوزير فى العام التالى سنة 983م إنتهى أيضاً بإعادة مماثلة سريعة إلى منصبه. ومع ذلك فلا شك أن الإدارة الحازمة العادلة يساندها جيش قوى قد صالحت الأهالى المسلمين – ولدرجة ما – على ماإعتبروه تفضيل غير طبيعى ، ولكن عدم رضاهم كان دائماً عرضة لإن ينفجر إلى أعمال عداء شديدة بمجرد أى تحريض. فأثناء الحرب مع الإمبراطور باسيل سنة 996م ، والذى بنى من أجلها العزيز اسطولاً عظيماً مكوناً من ستمائة سفينة، فإن إحدى عشر من أكبر سفنه التى كانت ترسوا فى ميناء المقس عل النيل ( ميناء القاهرة فى ذلك الوقت ) قد إشتعلت فيها النيران فعزى البحارة والعامة الكارثة إلى السكان الإغريق فى المنطقة المجاورة ، فقاموا بذبح كثيراً منهم ونهبوا بضائعهم ولعبوا الكرة برؤوسهم. ولكن سرعان ماإسترد النظام- مع ذلك - وخلال ثلاثة أشهر أنتج نشاط إبن كلس ستة سفن جديدة من الدرجة الأولى.
وقد شارك هؤلاء الوزراء القديرون سيدهم فى حبه الشديد للثروة والرفاهية. وقد تمتع يعقوب بن كلس – الذى توفى سنة 991م – براتب بلغ مائة الف دينار، وقد ترك ورائه ثروة ملكية من الأراضى والمنازل والمحلات والعبيد والخيول والأثاث والثياب والجواهر قُدرت بنحو أربعة ملايين دينار، بالإضافة إلى مهر إبنته الذى بلغ مائتى ألف دينار. وقد كان يحتفظ بنحو ثمانمائة من الحريم بالإضافة إلى خدمه وحراسه الذين تكونوا من أربعة آلاف رجل أبيض وأسود. وقد كان منزله المسمى ( بقصر الوزراء) محصناً ومنعزلاً كقلعة. وقد فاقت تشكيلة حمامه الزاجل تلك الخاصة بالخليفة. وقد حضر العزيز نفسه جنازته- والتى كانت فخمة مثل حياته اليومية تماماً- ووفر لها مواد التحنيط من الكافور والمسك وماء الورد وخمسين رداءً فاخراً لتكفين الجثة. وقد سارالعزيز إلى منزل مستشاره المخلص راكباً على بغل رافضاً المظلة الرسمية المعتادة، حيث وقف أمام نعشه يبكى ويتلو صلوات الميت وأقام بيديه حجر مدخل المقبرة. وعلى مدى ثلاثة أيام لم يقيم مائدة ولم يستقبل ضيوفا، وظلت مكاتب الحكومة مغلقة لثمانية عشر يوما ولم يتم القيام بأى عمل. وعلى مدى شهر ظل القبر كمكان للحج حيث أخذ الشعراء ينشدون مآثر الراحل على نفقة الخليفة كما راحت فرقة من قراء القرآن تتلو آيات القرآن الكريم نهاراً وليلاً ، بينما وقفت الجوارى بالأكواب والملاعق الفضية تخدم متاع الجسد من الخمر والحلويات للجمع النادب او الزوار المهتمين. وقد أعتق الخليفة كل مماليك الوزير الراحل ودفع كل ماتبقى من ديونه، كما دبر رواتب وإحتياجات عائلته الضخمة. وبعكس ذلك المشهد فعندما توفى القائد العظيم جوهر بعد حوالى سنة من ذلك التاريخ – فى الغموض النسبى لسنواته الأخيرة - فإننا نقرأ فقط عن هدية من خمسة آلاف دينار قُُدمت من الخليفة لعائلته كعلامة تقدير.
أسس العزيز نموذج الرفاهية الفاطمية ، مما قد يجعل سجلات الثروة الفاطمية يبدو غير معقول لهؤلاء الذين لايدركون العشق الشرقى للإقتناء. كان الخليفة خبيراً فى الأحجار الكريمة والطرف الفنية. وقد نسب المؤرخ جمال الدين الحلبى عدداً من الحلى العصرية- آنذاك - إلى زمن العزيز، مثل العمائم الثقيلة متعددة الألوان المطرزة بالذهب ، البالغ طولها ستين ياردة والمصنوعة من أقمشة ثمينة والمنسوجة فى المصانع الملكية فى ديبق ، والأثواب والأغطية المصنوعة من قماش العتابى البغدادى، و منسوجات رام الله وطبرية الملونةن و قماش السكلاتون القاهرى، وحلى الحصان المطعمة بالجواهر والمعطرة بالعنبر لتغطية الدروع المطعمة بالذهب. كانت رفاهية الفرد تناظر رفاهية المائدة، كان السمك يُحضر طازجاً من البحر إلى القاهرة – وهو شئ لم يُعرف من قبل - كما كان يبحث عن نبات الكمأة على بعد أميال قليلة من المقطم ليباع فى الأسواق فى كميات كبيرة جعلته رخيصاً وشائعاً بالنسبة للطيبات الأخرى. وقد جلب عشق النوادر كثير من الحيوانات والطيور الغريبة إلى القاهرة. كانت إناث الفيلة التى حافظ عليها النوبيون بعناية تُقدم للإستيلاد ، وكان وحيد قرن محنط يُبهج الحشد المذهول. كانت هذه الحلى تُشترى بأثمان باهظة وضعت عبأً كبيراً على الخزانة وكان يُمكن تأمينها فقط من خلال إشراف مالى صارم. أحكم العزيز قبضته على خزانته ومنع بشدة كل أنواع الرشاوى والهدايا ولم يكن هناك شئ يُدفع بدون أمر مكتوب. ومع ذلك فلم تكن كل الأموال تُنفق على الكماليات. وقد شهد عهده كثير من الإنتصارات المعمارية والهندسية فى القاهرة، مثل القصر الذهبى وقصر اللؤلؤة ومسجد أمه فى القرافة، وتأسيس المسجد الكبير الذى عُرف بمسجد الحكم سنة 991م - والذى كان يقع آنذاك خارج باب النصر- بالإضافة إلى بعض القنوات والسدود الهامة وأحواض السفن.
كان العزيز رجلاً ذا عقل منظم وقد أدخل كثيراً من الإصلاحات فى المراسم والإدارة . وقد كان أول من نظم مواكب رسمية كل يوم جمعة فى شهر رمضان، ونظم تأدية الخدمة المطلوبة فى حضور الناس ومشايخهم، كما كان أول من أعطى رواتب محددة لخدمه وأتباعه وأشرف على صنع زيهم الرسمى، وكان الأول فى أسرته ممن تبنى السياسة الكارثية فى إستيراد القوات التركية المفضلة. وبرغم كل ذكائه وثقافته الكبيرة وميله للشعر، فقد تصور نفسه كمتنبئ، والواقع أن ذلك كان جزءً من الإدعاء الفاطمى بأنهم يعرفون الغيب ، وقد تعرض العزيز نفسه لبعض السخرية فى ذلك الموضوع. وقد تعمد ذات مرة هجاء خليفة قرطبة الأموى فى رسالة مهينة لكنه إستلم منه رداً ساحقاً يقول( إنك تسخر منا لإنك سمعت عنا ، وإذا كنا قد سمعنا عنك لكان وجب علينا الرد ). ومع ذلك فقد كان العزيز أحكم وأكرم خلفاء مصر الفاطميين. ويعتبر الهدوء المتواصل الذى تمتعت به البلاد فى عهده خير شاهد على ذلك، ورغم أن بلاد المغرب كانت قد بدأت تفقد إرتباطها بمصر، كما حُفظت سوريا بمجرد قوة السلاح فقد كان إسم العزيز يُتلى فى المساجد من المحيط الأطلنطى إلى البحر الأحمرن وفى اليمن وفى مكة وحتى ، ذات مرة، على منبر الموصل سنة 992م. وقد أنهت مجموعة من الإضطرابات الصحية المعقدة حياة ذلك الحاكم العظيم فى بلبيس فى أكتوبر 996م ، بعد لقاء مؤثر مع إبنه الصغير ، فى جهل سعيد – وبرغم وهمه التنبؤى- بالشر الذى سيفعله إبنه فى المملكة التى رعاها أباه بكل عناية.
كان الحاكم ( 996-1021م)، الإبن الوحيد لذلك الأب الحكيم وأمه المسيحية ، فى الحادية عشرة من عمره ، عندما سقط العزيز ميتاً فى حمامه فى بلبيسٍ.
أسرع الأمير برجوان بإحضار الحاكم الذى كان يلعب عند شجرة تين ، وبسرعة وضع العمامة المرصعة بالجوهر على رأسه وأخرجه أمام الناس ، الذين قبلوا الأرض أمام إمامهم الجديد. وفى اليوم التالى وبرمح فى يده وسيف يتدلى من كتفه تبع الصبى الصغير الجمل الذى حمل جثة أبيه عائداً بها إلى القاهرة . وفى اليوم التالى تم تتويجه على العرش – بجلال - فى القصر الكبير فى حضور كل أعضاء البلاط مصطفين تبعا لمراتبهم. وللسنوات القليلة الأولى خضع كالعادة للوصاية. كان معلمه الذى عينه العزيز هو العبد الخصى( الأستاذ) برجوان، والذى مازال أحد شوارع القاهرة يحمل إسمه، كما مُنح المغربى إبن عمار قيادة الجيش مع لقب الوسيط وأمين الدولة، بينما إستمر المسيحى إبن نسطوريوس فى الإشراف على المالية حتى وقت إعدامه السريع. كان القائد البربرى( إبن عمار) هو الوصى عملياً ، وقد إستخدم نفوذه لتقديم مصالح قبيلته – كتامة – ولإخضاع الحزب التركى الذى إستقدمه العزيز. ونتيجة لذلك إزداد البربر غطرسة وأهانوا المصريين وأساءوا معاملتهم، وراحوا يقاتلون الجنود الأتراك فى الشوارع. وقد أصبح ذلك كأنه صراع بين الشرق والغرب وقد كسب فيه الشرق، فقد هُزمت كتامة وأهينت وجُرد إبن عمار من منصبه ونهب الأتراك قصره، وعندما جازف بالحضور إلى البلاط فقد مزقوه إرباً وقدموا رأسه للخليفة الصغير المبتهج.
أصبح برجوان – الذى عاش حتى ذلك الوقت فى القصرالملكى هادئاً يحمى الخليفة القاصر – وصياً على العرش ، أما وقد أسكرته السلطة والغنى المفاجئين فقد إستسلم تماماً لملذاته وأصبح يقضى وقته راضياً فى صحبة المغنيين مستمعاً إلى الموسيقى التى يحبها فى قصر اللؤلؤة، الذى كان العزيز قد بناه بالقرب من بوابة الجسر مطلاً على حدائق كافور الجميلة من ناحية، ومن الناحية الأخرى مشرفاً على مشهد ممتداً من القناة إلى النيل إلى الأهرام. وبسبب ذلك الإنغماس فى الملذات فقد كل حسابات القوة.أما وقد تُرك الحاكم (الخليفة) بلا رقابة ، فقد بدأ يؤكد نفسه وبدأ يستخف بالوصى عليه. وسرعان مابدأ الصبى سيرته الدموية بالأمر بإغتيال برجوان. صُدم الناس بموت الرئيس الشهير وإجتمعوا مهددين فى القصر، ولكن الخليفة إستطاع خداعهم بالأكاذيب ، وتوسل إليهم أن يساعدونه على صغر سنه. تفرق العامة وإنتهت أزمة خطيرة. وقد كان ذلك درساً فى التصرف لم ينساه الحاكم.
وكلما إزداد ظهور الخليفة الصغير أمام الجمهور بدأت غرابة شخصيته فى الوضوح. كان وجهه الغريب بعينيه الزرقاوين الرهيبة تجعل الناس تنقبض ويجعلهم صوته الجهورى يرتعدون. كان معلمه قد أطلق عليه لقب ( سحلية) و كان لديه أسلوب مراوغ رهيب فى التعامل مع رعاياه يفسر ذلك اللقب. كان يحب الظلام وكان يدعو مجلسه للقاء فى الليل ، وكان يركب فى الشوارع على حماره الرمادى ليلة بعد ليلة يتجسس فى الطرق عن آراء الناس بحجة فحص مقاييس وموازين الأسواق. وقد تحول الليل إلى نهار بناء على أوامره حيث أمر بأن تبدأ كل الأعمال والتموينات بعد غروب الشمس. كان على الأسواق أن تُفتح وعلى المنازل أن تضئ إرضاءً لنزواته ، وعندما بالغ الناس التعساء فى ذلك الأمرن وبدأوا يمرحون فى تلك الساعات الغير مألوفة صدرت لهم أوامر قمعية ومُنعت النساء من مغادرة منازلهن ، بينما أُمر الرجال بالجلوس فى حوانيتهم ، كما أُمر صناع الأحذية بعدم صنع أى أحذية خروج للنساء بحيث لايمكنهم الخروج من المنازل، ولم تعد نساء القاهرة مجبرة فقط – تحت أى ظروف – على منع أنفسهن من الظهورعلى المشربيات، ولكن لم يعد مسموح لهن حتى بإستنشاق الهواء على أسطح منازلهن. وصدرت كذلك قوانين صارمة خاصة بالطعام والشراب. كان الحاكم شديد التقشف كما يُفترض أن يكون كل المسلمين، وفى عهده مُنعت البيرة وصودرت الخمور وقُطعت أشجار الكروم وحتى الزبيب الجاف قد حُرم ، كما حُرم أكل الملوخية وصودر العسل وسُكب فى النيل. وكدلك فقد حُرمت الألعاب مثل الشطرنج المصرى وأحرقت لوحاته، وقد أمر بقتل الكلاب حيث وجدت فى الشوارع ولكن الماشية الجيدة ماكان يُسمح بأن تُذبح إلا فى عيد الأضحى. أما هؤلاء الدين كانوا يخاطرون بعدم إطاعة هده الأوامر، فقد كانوا يُجلدون وتُضرب أعناقهم أو يعدمون بإحدى وسائل التعذيب الجديدة التى كان الخليفة يبتهج بإختراعها. لم يكن كثير من هده القوانين الجديدة – بلاشك – مستلهماً من روح إصلاحية حقيقية ، ولكن من روح مصلح مجنون. كانت نساء القاهرة الحسناوات تحتاج دائماً إلى التضييق عليهن ، ولكن من كان يتوقع أن يصل الأمر إلى السيطرة على النساء بمصادرة أحذيتهن؟. كان منع المشروبات المسكرة والقمار ووسائل التسلية العامة تتمشى مع شخصية متزمت شديد وقاس ، وكانت تهدف بلاشك إلى ترقية الأخلاق بقدر ماكانت تهدف إلى مضايقة أرواح رعاياه، ولكن الجولات الليلية والتقييدات التى لاداع لها والقوانين المغيظة والتى تعتنى بتفاصيل غير هامة، كانت دلائل على عقل غير متوازن. وأثناء السنوات الأولى من حكمه تمتع المسيحيون واليهود بالحصانة وربما حتى بالإمتيازات التى كانوا قد حصلوا عليها فى عهد العزيز المتسامح، ولكن وبمرور الوقت فقد بدأوا يحصلون على نصيبهم من ذلك الإضطهاد الغير منطقى أيضاً ، فأكرهوا على إرتداء ثياب سوداء كزى مميز لهم فى الشارع، أما فى الحمامات - حيث يتشابه كل الرجال عندما يتجردون من ثيابهم - فقد أكره المسيحيون العرايا على تمييز أنفسهم بإرتداء صلبان ضخمة ثقيلة، بينما أكره اليهود على إرتداء أجراس أو بأن يعرضوا فى الشوارع تمثال خشبى لعجل صغير فى إشارة ضمنية إلى قصة مشينة فى تاريخهم المبكر. ثم صدر أمر عام بتدمير كل الكنائس المسيحية فى مصر ومصادرة أراضيها وممتلكاتها، وقد إستمر ذلك التدمير بالفعل لحوالى خمس سنوات (1002-1007م). وقد خُير المسيحيون بين إعتناق الإسلام أو مغادرة البلاد أو إرتداء صليب ضخم كعلامة على مرتبتهم الدنيا. وقد قبل كثير من المسيحييين – خاصة من الفلاحين – العقيدة المحمدية كى يهربوا من الإضطهاد ، حتى أن المكتب الذى كان يتلقى طلبات إشهار الإسلام لمدة يومين فى الأسبوع أصبح محاصراً بتلك الطلبات ، لدرجة أن بعض من هؤلاء المهتدين المتحمسين قد مات فى التدافع. أما الذين ظلوا مخلصين لعقيدتهم فقد خضعوا للإذلال ومنعوا من ركوب الخيل والإحتفاظ بخدم من المسلمين ، أو الركوب مع ملاحين مسلمين أو شراء العبيد. ومع ذلك فقد كانت العقوبات التى إبتلى بها المسيحيون جزءً من إحتقار عام للجنس البشرى ، أكثر من كونها مجرد علامة على كراهية جزء منه. وبينما كانت هذه الأوامر تُصدر ظل المسيحيون يعينون فى الوظائف العليا بسبب – بلاشك – إمكانياتهم العالية فى الأمور الإقتصادية. كان إبن عبدون – الذى وقع قرار هدم كنيسة القيامة بأورشليم القدس – مسيحياً ، وكان خليفته مسيحيا آخر هو الموثوق به زوراً إبن الوزير العجوز السابق إبن نسطوريوس، والذى توفى سنة 1012م. لقد كان حقيقياً أن طريق المجد الذى يسلكونه لا يؤدى إلا إلى القبر. كان وزراء الحاكم – سواء مسلمون أو مسيحيون – يقتلون بعدم تحيز دقيق. ففى سنة 1003 تم التخلص من فهد – وهو وزير أول مسلم – وبعد شهر من ذلك التاريخ أعدم خليفته ، وقد قُتل إبن عبدون فى سنة 1010م، وفى نفس السنة قُتل القائد العام الحسين بن جوهر(الصقلى) ، بعد أن حُط من رتبته وأجبر على الفرار ثم وبعد أن أعيد إلى منصبه وحظوته لدى الخليفة قُتل بدناءة فى القصر بتدبير من سيده المخادع بعد كل تطمينات الأمان. كان المسئولون يُعذبون ويُقتلون مثل الذباب ، كانت الأذرع تُبتر والألسن تُقطع وكل صنوف البربرية تقع. وقد أسس ديوان خاص فى الحكومة هو ديوان المفرد لإدارة الأملاك المصادرة للمسئولين القتلى الموصمين بالعار.
شُعر بوطأة نزوات الخليفة القاتلة فى القاهرة بشكل أكبر، ومع ذلك فإن أوامره الغريبة قد إمتدت إلى سائر نواحى مملكته وعانت منها مصر كلها. وقد زادت ثلاث سنوات من إنخفاض النيل من معاناة الناس، وقد أخذت على أنها حكم إلهى على شر ذلك الزمن. ولم يكن غريباً أن يستطيع أحد المغامرين أن يُثير البلاد ويتحدى الجيوش الفاطمية لمدة سنتين ، فقد أقام أحد أعضاء البيت ألأموى الملكى – الهاربين من الأندلس – نفسه خليفة وبعد أن حصل على ولاء بنى قرة العرب ، وبربر كتامة الذين لم ينسوا أبداً إذلالهم على أيدى الأتراك فى القاهرة – وإستطاع السيطرة على برقة وهزيمة القوات الفاطمية التى أرسلت ضده وإجتياح مصر. تغلب أبو رقوة – نسبة إلى قربة الماء التى كان يحملها على عادة الدراويش- على جيوش الخليفة مرة أخرى عند الجيزة ، وعسكر بجوار الأهرام تاركاً القاهرة فى حالة شديدة من الهلع ، ومع ذلك ، فقد هُزم فى نهاية الأمر فى معركة دموية فى النوبة وأسر هناك وأرسلت رأسه مع ثلاثين ألف جمجمة لأتباعه، لتعرض فى مواكب خلال المدن السورية على ظهور مائة جمل، ولتلقى فى نهر الفرات بعد ذلك. وجنى القائد فضل – الذى خلص الحاكم من منافسه – على جائزة رديئة عن خدماته. لقد كان من سوء حظ الفضل أن دخل إلى الحضرة الملكية عندما كان الحاكم مشغولاً بتمزيق جسد طفل جميل كان قد قتله بسكينه لتوه. لم يستطع الفضل تمالك نفسه من الخوف لكنه كان يعرف العواقب فعاد إلى منزله مباشرة وكتب وصيته وسلم نفسه لجلاد الخليفة بعد ساعة أخرى فقد كان قد رأى الكثير.
وبرغم كل وحشيته المجنونة فقد كان لدى الحاكم بعض ومضات من الذكاء والتقوى، ولم يكن حكمه كله خاليا تماماً من الأعمال الدينية والعامة. إن اشهر آثاره هو المسجد الذى مازال يحمل إسمه بالقرب من البوابة الشمالية التى كانت تُعرف بباب النصر. وقد بدأ العمل فى ذلك المسجد فى عهد والده سنة 991م وأكمل فى سنة 1003م وذلك بإستثناء رفع منارته. وقد بنى أيضاً مسجد الرشيدة والذى كان – غالباً - يصلى فيه أيام الجمع ، وكذلك فقد أسس فى المقس مسجداً ليدفن فيه ومقصورة تابعة له بالقرب من ضفة النيل. ومع ذلك فإن دار العلوم أو دار الحكمة كانت هى أهم مؤسساته، وقد بنيت فى سنة 1005م من أجل الدعوة للفكر الشيعى وكل نوع من الهرطقة ، وأيضاً من أجل ترقية التعليم بشكل عام ، كعلم الفلك وعلوم اللغة والنحو والشعروالنقد والقانون والطب. لقد أسست تلك المدرسة بشكل فاخر وزودت بمكتبة فاخرة من مقتنيات القصر، وبكل ضروريات الدراسة وفُتحت لجميع الناس. وقد إعتاد كل مثقفى القاهرة وكثير من الزوار القادمين من بعيد أن يلتقوا هناك وذات مرة دُعى بعضهم – بشكل جماعى – إلى القصر ولدهشتهم فقد عادوا بخلع التكريم بدلا من فقدان رؤوسهم.
وحتى فى مبانيه – مع ذلك – فقد كان هناك شئ خيالى ومريب ، فعندما أقام إسطبل ضخم فوق هضبة المقطم وملأه بالحطب ، فقد أصبح الناس مقتنعين أنه كان يفكر فى إبادة عامة فى محرقة ضخمة و بصعوبة طمئنهم إعلان رسمى بنفى ذلك. كانت المنحدرات الصحراوية لهضبة المقطم هى مأواه المفضل ، فهناك كان لديه مرصد – وكان هناك مرصد آخر فى القرافة لكنه لم يكتمل أبداً - ومن خلال ذلك المرصد كان يتابع الحسابات الفلكية ، والتى كان يحجبها عن رعاياه بشكل صارم. وإلى هناك إعتاد أن يركب على حماره الرمادى قبل طلوع الفجر مرتدياً أبسط الملابس ، والتى إستبدلها بفخامة ملابس أجداده ، فكان يتشح بثوب بسيط من لون واحد بدون حتى جوهرة واحدة على عمامته ، يصاحبه ركابى أو إثنين أحياناً وغالباً وحده، وهنا يجب الإعتراف بأنه كان يمتلك الشجاعة. وعندما أثار كراهية الجميع وقتل عائلات كثيرة لمجرد الإشتباه ، وأثار كل مشاعر الإنتقام ، فقد ظل يركب وحيداً فى الصحارى أو فى الشوارع المزدحمة نهاراً وليلاص منهمكاً فى خيالات جديدة أو متطفلاً على أحوال رعاياه بتبعات دموية فى الغالب. فقط كانت وحشيته المميته وإحساس من الرعب الغامض هى التى أنقذته من مخاطر الإغتيال المستمرة ، فلم يتعرض لمحاولة إغتيال واحدة على مدى ربع قرن. ومن المؤكد أنه كان لديه نظام بوليس سرى ضخم يشمل جواسيس من النساء قمن بخدمته بشكل جيد بين الحريم.
وبتقدم الخليفة فى العمر إزدادت الأمور سوءً ، وتواترت الإعدامات والمصادرات الجائرة ووهبت أراضى الناس عشوائياً إلى جنود وبحارة عاديين وإلى أى أناس آخرين. وبدأ الناس فى الهرب من البلاد وأغلقت أسواق الفسطاط وأصاب الركود كل الأعمال ، وعلى مدى سبع سنوات لم تُرى إمرأة فى الشوارع، وأصبح الجو مشحوناً بالثورة. إستقلت الإسكندرية تحت حكم بنى قرة العرب، وفى القاهرة أقيم شخص أنثى فى الشارع يحمل قصاصة هجاء فى يده أخذها الخليفة عندما كان ماراً وفى ثورة غضبه أمسك بالمرأة المفترضة فوجدها من الورق. وبناء على ذلك وفى إحدى نوبات الغضب الجامح أرسل الحاكم قواته السوداء لتحرق القاهرة. ولجأ السكان إلى السلاح، وكان هناك ثلاثة أيام من القتال فى الشوارع وإمتلإ المسجد بالمتضرعين الصارخين، وأحرق ونُهب نصف المدينة وإسترق كثير من نسائها ، ومع ذلك فقد إستمر إحتمال الناس. وهنا إستولت نوبة جنون أخرى على الخليفة المرتبك، وتصور نفسه تجسيداً للإلوهية وأجبر كل الرجال على عبادة إسمه. كان ذلك هو النتيجة المنطقية لباطنية الشيعة المتطرفة ، والتى وجدت من يؤيدها. كان هناك رجل إشتهر بإسم الحسن الأخرم أتى من بلاد فرغانة البعيدة وبشر بإلوهية الحاكم ، فقام رجل من الناس العاديين بقتله وأعدم لذلك، فقام السنة بتعظيم قبره. ثم قدم حمزة من زوزن من فارس لينشر العقيدة الجديدة وكسب كثيراً من الأتباع الذين زينوا أنفسهم بألقاب غريبة. وركب بعض من هؤلاء المتعصبين إلى مسجد عمر العتيق فى الفسطاط وأخذوا فى الوعظ ، بينما راح أتباعهم يهللون ويصفقون بأيديهم كالرعد. وتدفق الناس لرؤية ذلك المشهد ، ولكن عندما قام أحدهم بتوجيه خطابه إلى القاضى بإسم الحاكم ( الرؤوف الرحيم)، كان ذلك أكثر مما يحتمل وإشتعلت فتنة وقتل الناس هؤلاء المجدفين ، وسحبوا أجسادهم فى الشوارع وقاموا بحرقها.
لم يكن الحاكم قريبا من ثورة كما كان آنذاك. كان قصره محاطا بالقوات التركية بحثاً عن الدرازى – أحد قادة الطائفة الجديدة - والذى كان قد لجأ إليه ولكن الحاكم كان مخلصاً لشجاعته المتغطرسة وأخبرهم من الشرفة أن الرجل لم يكن هناك. ثم أخبرهم بعد ذلك أنه قد مات وقد كذب لكنه لم يسلم الرجل. وهرب الدرازى ليؤسس العقيدة الدرزية فى لبنان. ومؤقتاً إستطاع الحاكم إخفاء غضبه لكنه وفى عزلة قصره كان يدبر خطط الإنتقام. وبعد حوالى شهر من ضبط النفس المنذر بالخطر أُرسلت القوات الزنجية إلى الفسطاط مرة أخرى حيث كانت الثورة قد بدأت. فذهبوا بهدوء ، فى جماعات منفصلة ، ولكن بمجرد أن وصلوا إلى هناك فقد شرعوا فى نهب وتدمير المدينة وإندفعوا إلى داخل المنازل وحتى إلى داخل الحمامات قابضين على الفتيات الصغيرات ومرتكبين كل فظاعة يمكن أن يقترحها الدم الأسود. وقدم الخليفة راكباً على حماره – كالعادة – وإليه إجتمع الحشد اليائس مستطعفا النجاة من الجنود المتوحشين. لكنه لم يجب بكلمة.
كان أحد نتائج إستئنافه لإلوهيته هو ضعف كثير من القواعد الثابتة فى الإسلام. وبصفته الجديدة قام الحاكم بإلغاء كثير من قوانين الصوم والحج وحيث أن أوامر القرآن كان يمكن تفسيرها مجازاً فقد ترك شخصياً عادات الصلاة والصوم التى أصبحت غير ضرورية آنذاك. وربما كان فى نفس روح الإنعتاق الدينى – وبقدر مايمكن أن يضيف ذلك إلى سخط رعاياه المسلمين المبتلين - فقد ألغى عقوباته ضد المسيحين وسمح لهم بإستئناف ممارسة عقيدتهم وإعادة بناء الكنائس. وبالتالى فقد قام كثير من المسلمين إسماً بالعودة صراحة إلى عقيدتهم الحقيقية كما أستردت الكنائس إلى أفضل من حالتها السابقة. وعلى الجانب الآخر فقد عومل المسلمون ببربرية متزايدة ولم يعد هناك شيئا آمناً من القوات السوداء ودعى الناس فى المساجد وصاحوا عبثا فلم يكن هناك أحد يمكن أن يساعدهم. ولكن وفى النهاية توقف كل ذلك. فعندما وجد الجنود الترك وبربر كتامة أنهم قد أهملوا فقد تبنوا قضية مشتركة ضد الجنود السودان وفى سلسلة من معارك الشوارع حطموا قوتهم وإستردوا قدراً من النظام فى المدينة الذاهلة وهنا لم يستطع الحاكم أن يفعل شيئاً إزاء مقاومة الجنود الغاضبين. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان قد ربى – وداخل عائلته نفسها – عدواً أكثر قوة حيث لم تنجو أخته الوحيدة ، الأميرة الملكية ذات الشخصية والذكاء الكبير، من حقد الرجل المجنون. كانت قد وبخته بشجاعة على الرعب الذى أثاره حكمه فرد بتشهير عنيف فى طهارتها. ولكى تحفظ مملكة أبيها لحفيده فلم يكن هناك أقل من أن تحتفظ بنقائها من تلك المحنة الرهيبة فتجنبت أخيها التعس وإنضمت إلى المؤامرة القائمة ودخلت فى مفاوضات مع زعماء البربر وسرعان ماوضحت النتيجة.
ففى الثالث عشر من فبراير سنة 1021م أخذ الحاكم ركوبته المعتادة إلى هضاب المقطم وراح يتجول هناك طوال الليل. وفى الصباح صرف السائسين ودخل بمفرده إلى الصحراء، كما إعتاد ان يفعل سابقا. وبعد عدة أيام وُجد حماره ممزقا على الهضبة ثم وُجد معطفه ذو الألوان السبعة وعليه علامات خنجر لكن جسده لم يعثر عليه أبداً. وبعد أربعة سنوات إعترف رجل بقتله بدافع الغيرة على الله والإسلام ولكن الغموض ظل محيطاً بنهاية الخليفة المجنون. وقد رفض الناس القبول بموت الحاكم وظلوا يترقبون عودته بقلق. وظهر مدعون وقالوا بأنهم الحاكم المفقود وحتى اليوم مازال دروز لبنان يعبدون السر الإلهى الذى تجسد فى شخصه الإستثنانى التافه ويعتقدون أنه سوف يعود مرة أخرى يوم ما فى جلال ليظهر الحقيقة والعدل.
إن تأثيرات ذلك الربع قرن الفظيع لم يكن من الممكن تجاوزها بسرعة كما لم يكن الإبن الوحيد للحاكم - وكان فتى فى السادسة عشرة من عمره – والذى أُعلن خليفة بلقب الظاهر(1021-1036م) هو الرجل المناسب لتلك الأزمة. فقامت عمته ، الأميرة الملكية ست الملك ، بإدارة شئون الدولة لأربع سنوات ولكن كان عليها أن تتعامل مع أقلية عسكرية وأن تقابلهم بأسلحتهم البشعة. وبناء على أوامرها أغتيل زعيم البربر الذى ثار ضد الحاكم فى القصر، وأعقب ذلك إعدام إثنين من الوزراء. وبعد وفاتها آلت الحكومة إلى أيدى جماعة من رجال القصر والذين – ومن أجل الحفاظ على مصالهم – قاموا بإقصاء المستشارين الأكثر حكمة من جانب الخليفة الشاب، وشجعوه على الإنغماس فى عبثه وحبه الطبيعى للملذات. كان الشيوخ الثلاثة الذين شكلوا هذه الجماعة يزورون الشاب الملكى مرة كل يوم بالشكل المناسب، ولكن كل شئون الحكومة الهامة كانت تُدبر بغير لقائه. وبرغم الإرتياح الذى سببه إلغاء قوانين الحاكم البغيضة، فقد إزدادت أحوال الناس سوءً بسبب إنخفاض الفيضان الذى تسبب فى ندرة شديدة وإرتفاع فى الأسعار. وقد إرتفعت أسعار الثيران إلى خمسين دينار للرأس وكان من الضرورى منع ذبحها لمنع إنقراضها التام، وندر وجود جمال الأحمال أما الطيور – اللحوم الطبيعية للمصريين – فقد عز وجودها أيضاً. وحاول الناس بيع أثاث منازلهم لكنهم لم يجدوا المشترى. ومرض الناس وماتوا لنقص الغذاء وتحول الأقوياء منهم إلى قطاع طرق ونهبوا القوافل ، وحتى قوافل الحج. وإمتلأت الطرقات باللصوص وغزا المتمردون السوريون المدن الحدودية. وإحتشد الناس أمام القصر يصيحون( الجوع الجوع) ياأمير المؤمنين لم يكن الحال كذلك تحت حكم أبيك ولا جدك. كان القصر نفسه يعانى من قلة الطعام حتى أنه عندما مدت مأدبة عيد الأضحى فقد إكتسح العبيد الجائعون السماط. كانت الخزانة فارغة والضرائب متأخرة. وإنفجر العبيد فى ثورة فشكل المواطنون لجان للأمن وصُرح لهم بقتل العبيد دفاعاً عن النفس، كما أقيمت الحواجز لمنعهم . كان الوزير الجرجارائى سجيناً فى منزله، وكان الموقف خطيرا، ولكن فيضان غزير فى سنة 1027م أعاد الوفرة ومع النجاة من المجاعة هدأت الإضطرابات.
وبالإضافة إلى الحرب السورية ، فإن أهم حدث من الخمسة عشر عاماً من عهد الظاهر كان إضطهاداً دينياً وحيداً فى سنة 1205م عندما نُفى كل مشايخ المالكية من مصر. وكقاعدة عامة ن فقد كان هناك تسامح رائع لكل المذاهب المحمدية، ولم يكن هناك أى إزعاج للسنة فى ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وكذلك فقد كان هناك معاهدة مع الإمبراطورالرومانى قسطنطين الثامن سمح بمقتضاها بالدعاء للظاهر فى المساجد الواقعة فى الأراضى الرومانيةن وبإسترجاع مسجد القسطنطينية وذلك مقابل سماح الخليفة بإعادة بناء كنيسة القيامة فى أورشليم. كان الظاهر نفسه منغمساً تماماً فى ملذاته وفى تدريب حرسه المملوكى ولكن حبه للموسيقى والراقصات كان ممتزجاً بوحشية قاسية أثبتت أنه كان إبن أبيه حقاً. فقد دعى مرة كل نساء القصر الشابات لحفلة عربدة، فحضرن فى أزهى ثياب حيث تم إقتيادهن إلى المسجد لإنتظارالإحتفالات، وعندئذ أغلقت الأبواب وبنى عليها حائط فماتت 2660 فتاة. وقد اضاف التاريخ أنه ولمدة ستة أشهر فقد بقيت أجسادهن ملقاة هناك بدون دفن ومن المريح أن نعلم أن التعس الذى دبر ذلك العبث البربرى( الظاهر) قد مات هو نفسه فى طاعون يونيو سنة1036م.
خلف الظاهر ولده معد البالغ من العمر سبع سنوات (1036-1094م)، والذى كان قد أعلن وريثاً عندما كان عمره ثمانية أشهر فقط وقد تولى الخلافة الآن بلقب المستنصر. وربما يعتبر حكمه البالغ ستين سنة قمرية وأربعة أشهر هو أطول حكم مسجل لأى حاكم محمدى. وللمرة الثالثة فى تاريخ الفاطميين نجد تأثير طاغياً لإمرأة، فقد تبعت أم معد السوداء ، زوجة العزيز المسيحية وأخت الحاكم السياسية. كانت أم الخليفة معد جارية سودانية إشتريت من أحد يهود توستار، وقد تمتعت هى وبائعها اليهودى ، أبو سعيد ، بمعظم السلطة خلال طفولة الخليفة. وبضغطهما عُزل الوزير الجديد الذى خلف الجرجارائى سنة 1044م وأعدم وعُين بدلاً منه اليهودى المرتد صدقة، ومع ذلك فعندما وجد صدقة تدخلات أبى سعيد لاتحتمل فقد تخلص من سيده وأمر الحرس التركى بقتله. وفى إنتقامها لمقتل أبى سعيد قامت الوالدة أم الخليفة بتدبير إغتيال الوزير صدقة. حاول الوزير التالى موازنة القوة الطاغية للأتراك بإستيراد قوات زنجية ولكنه سرعان ماعُزل أيضا وإستمر خلفه فى منصبه ثلاثة أشهر فقط. ثم وفى سنة 1050م تولى اليازورى وزارته التى دامت ثماني سنوات.
على المستوى الإقليمى كانت ممتلكات الفاطميين آنذاك قد إختصرت إلى أكثر قليلاً من حدود مصر نفسها. كانت سوريا قد قاومت سلطتهم منذ فترة طويلة . وقد إعترف شمال إفريقيا وتحت الحكم المتوالى لأربعة من رؤساء قبيلة كتامة البربرية ومن عاصمتهم المهدية بسلطانهم من خلال الدعاء للخليفة فى الصلوات، ورسم صورته على العملة ودفع جزية سنوية له وإستقبال كسوة رسمية مع كل ولاية مع وثيقة تقليد من الخليفة، ولكن حوالى سنة 1044م قام المعز بن باديس ، الحاكم البربرى ، بالإنضمام إلى الطائفة السنية وخلع طاعة الفاطمين وقبل تقليد جديد من الخليفة العباسى سنة 1046م ، وهنا ثار شيعة الغرب ضد المعز، وفى نفس الوقت فى الشرق أرسلت الحكومة المصرية قبيلة بنى هلال العربية الضخمة لإخضاعه. إحتل بنى هلال برقة وطرابلس وإستقروا هناك ، ولكن ورغم هزيمة المعز بن باديش ، فقد إستطاع الحفاظ على إستقلاله فى المهدية ، تاركاً دويلات أخرى أصغر تنتشر فى الغرب، أما صقلية حيث كان الأمراء الكلبيون يعترفون بسيادة الفاطميين فقد سقطت فى يد النورمان سنة 1071م. ومن ثم ، وبإستثناء سلطة متقطعة فى برقة ، فلم يعد لدى حكام مصر أى رعايا بإتجاه الغرب.
لكنهم فى الجزيرة العربية ، من جهة أخرى ، فقد حصلوا على مجد غير متوقع بالمبايعة التطوعية للمهتدى الشيعى على الصليحى ، الذى أخضع اليمن والحجاز من حضرموت إلى مكة بحدود سنة 1063م، وأعلن الحق الإلهى للخلافة الفاطمية على كل منبر. كان مازال هناك تطور أكثر دهشة ليقع ليس فقط فى المدن المقدسة التى شهدت مولد الإسلام، ولكن أيضاً فى بغداد نفسها عاصمة الخلافة السنية، حيث دعى لإسم المستنصر فى المساجد. كان النجاح المؤقت للقائد التركى البساسيرى هو الذى جلب ذلك المجد الذى لانظير له، ولكن عندما إكتشف ذلك المغامر أن السياسة المثلى كانت هى الخضوع للقوة السلجوقية الصاعدةن بدلاً من بناء الآمال على الدعم التى كانت الحكومة الفاطمية تقدمه بسخاء، فقد إستأنفت بغداد ولائها القديم للعباسيين. ومع ذلك فإن حقيقة أنه على مدى أربعين جمعة كانت مساجد مدينة السلام تدوى بإسم ونمط الخليفة المصرى، وأن العباءة والعمامة والعرش المزركش للخليفة المنافس قد نُقلت بالفعل وأودعت فى القصر فى القاهرة ، قد سببت حماساً كبيراً وجعلت المدينة فى حالة إحتفال، حيث أنفق المستنصر مليونى دينار فى تجديد القصر الغربى الصغير – والذى كان العزيز قد بناه للأميرة الملكية - وذلك كسجن ذهبى للخليفة العباسى والذى توقع واثقاً بأن يحتفظ به أسيراً. ولمدة طويلة بعد ذلك عُرفت الأرض المجاورة للنيل بالقرب من البوابة الحديدية بإسم أرض الطبالة ، وذلك بعد أن وهبها المستنصر لمغنية إرتجلت بعض أبيات شعرية فى ذلك النصر المذهل للفاطميين وغنتها على دقات طبلتها.
ومن حسن الحظ أن وصفاً شيقاً للقاهرة وأماكن أخرى فى مصر قد حفُظ بواسطة الرحالة الفارسى ناصر خسرو. كانت المدينة الملكية - القاهرة نفسها - والتى كانت قد أصبحت تدعى آنذاك بقاهرة المعز- مدينة كبيرة للغاية عندما رآها ناصر خسرو خلال السنوات 1046-1049م . كانت المنازل مبنية أساساً من القرميد، وقد إلتصقت ببعضها البعض ، بدقة ، بحيث بدت كحجر مربع وإرتفعت إلى خمس أو ست طوابق وإنفصلت عن المنازل الأخرى بحدائق وبساتين غناء ترويها الينابيع والسواقى. كان إيجار منزل متوسط من أربعة طوابق يبلغ إحدى عشر ديناراً فى الشهر( حوالى سبعين جنية إسترلينى فى السنة) وقد رفض مالك المنزل الذى كان يقيم فيه الرحالة خمسة دنانير فى الشهر للدور العلوى. كانت كل المنازل فى القاهرة الملكية ملكاً للخليفة وكانت الإيجارات تحصل شهرياً. أما المنازل الأخرى، والتى قدرت بنحو عشرين ألف منزل، فقد كات ضمن أملاكه أيضاً، وكانت تُؤجر بحدود دينارين إلى عشرة دنانير فى الشهر، وهو مبلغ حتى وإن قدرنا أقل متوسط له بحدود خمسة دينارين، فإنه كان يمثل دخلاً يقدر بحوالى 650000 جنيه إسترلينى سنوياً. لم يعد السورالقديم للمدينة قائماً سنة 1046م ولم يكن السور الثانى قد بدأ تشييده بعد، لكن الرحالة الفارسى قد ذُهل من الجدران المرتفعة الخاوية للمنازل و بشكل أكبر للقصور والتى كانت أحجارها ملتصقة لدرجة أنها بدت كحجر صلب. كانت روايته عن الداخل مختصرة ، مخيبة للآمال ، لكنه ذكر غرفة العرش المجيدة بكرسيها المصنوع من الذهب المنقوش بمناظر الصيد والمحاط بستارة مزخرفة بالذهب ويُصعد إليه بسلالم من الفضة. وقد أُخبر الرحالة أن القصر كان يحتوى على ثلاثين ألف إنسان منهم إثنى عشر ألف خادم، وأن الحرس الراكب كل ليلة كان يتكون من ألف فارس. كانت مدينة مصر( الفسطاط) تنفصل عن القاهرة بمسافة ميل تقريباً ، وكانت تلك المسافة مغطاة بالحدائق ، تغمرها مياه النيل أثناء الفيضان ، بحيث كانت تبدو فى فصل الصيف كأنها بحر. كانت تلك هى المنطقة المعروفة والمحبوبة التى تسمى ببركة الحبش، والتى كانت بحدائقها المحيطة منتجعاً مفضلاً للقاهريين والذى غنى له إبن سعيد ( آه يابركة الحبش حيث كان يومى فترة طويلة من السلام السعيد حيث بدت السماء على صدرك وكل وقتى عيد سعيد. كيف كانت جميلة خيوط الكتان وهى ترتفع عليك بأزهارها وبراعمها وأوراقها مستلة منك كالسيف).
وبجانب بركة الحبش كان دير القديس جون بحدائقه الجميلة التى خططها تميم ، إبن الخليفة المعز، والتى أصبحت بعد ذلك بقعة مفضلة للخليفة الحافظ ، ونبع الخطوات التى تظلله شجرة جميزعملاقة. بُنيت مدينة مصر على تل مرتفع كى تهرب من مياه النيل، وقد بدت للرحالة الفارسى عن بعد ، كجبل ، بمنازلها التى ترتفع من سبع إلى أربعة عشر طابقاً والتى يقف كل منها على مساحة ثلاثين ذراعاً مربعاً والقادرة على إحتواء 350 إنساناً. كانت بعض الشوارع مرصوفة ومضاءة بالمصابيح. كان هناك سبعة مساجد فى مصر وثمانية فى القاهرة ، أما عدد الخاناتة (الوكالات) فكانت تُقدر بحوالى مائتين. كان هناك جسر يتكون من ستة وثلاثين قارباً يربط مصر بجزيرة الروضة ، ولكن لم يكن هناك جسر من الجزيرة إلى الجيزة ، ولكن فقط معدية.
كان الرحالة الفارسى مأخوذاً بصفة خاصة من سوق المصابيح بمصر حيث شاهد نوادر من الأعمال الفنية، التى لم يشاهد مثلها فى مدينة أخرى، وكان مندهشاً من وفرة الفواكه والخضروات فى الأسواق. وقد وصف الفخار المصنوع فى الفسطاط بالرقة المتناهية لدرجة أنه كان يمكن رؤية يدك من خلاله ولاحظ الصقل المعدنى الذى كان مازال يُرى فى الشظايا الموجودة فى التلال التى كانت تشغل موقع المدينة. وقد رأى ايضاً بعض الزجاج الأخضر الرائع الشفاف الذى كان يُصنع هناك. كان البائعون يبيعون بأسعارمحددة وإذا ماغشوا فقد كانوا يوضعون على جمل ويشهرون فى الشوارع يقرعون جرساً معترفين بخطأهم. كان كل التجار يمتطون الحمير والتى كانت تؤجر فى كل شارع ويبلغ عددها حوالى خمسين ألفاً. وفقط كان الجنود يمتطون الجياد. وجد ناصر خسرو مصر فى أحسن حالة من السلام والرخاء. وقد ذكر أن محلات الجواهرجية والصرافين كانت تتُرك غير مغلقة بإستثناء حبل ممتد إلى الأمام أو ربما شبكة كماهو الحال فى الوقت الراهن، وكان لدى الناس ثقة كاملة فى الحكومة وفى الخليفة اللطيف. وقد رأى المستنصر( الخليفة) يركب بغلته فى العيد الكبير لفتح الخليج. كان شاب بديع المنظر بوجه حليق يرتدى – ببساطة – قفطان أبيض وعمامة وعلى رأسه مظلة مطعمة بالأحجارالكريمة واللؤلؤ يحملها ضابط كيبر. كان يتبعه ثلاثمائة فارس من قبيلة الديلم على الأقدام مسلحين بالفؤوس والرماح. وكان الخصيان يحرقون بخور العنبر والصبر على كلا الجانبين والناس تسجد على وجوهها داعية إلى الله أن يبارك الخليفة. كان القاضى الكبير وحشد من الأطباء والمسئولين يتبع الخليفة وكان الحرس يتكون من عشرين ألف فارس كتامى بربرى وعشرة آلاف باتيلى وعشرين ألف زنجى وعشرة آلاف من المشرقيين( أتراك وفرس) وثلاثين ألف عبد مشترى وألف وخمسمائة بدوى من الحجاز وثلاثين ألف من العبيد السود والبيض المرافقين والحجاب وعشرة آلاف من خدام القصر وثلاثين ألف حامل سيف زنجى. وبجانب هؤلاء – الذين كانوا يشكلون كل الجيش او ربما كانوا يمثلون فرقاً مختارة منه – فإن حاشية الخليفة كانت تشمل أيضاً العديد من الأمراء الذين يزورون البلاط ، من المغرب و اليمن و بلاد الروم و سلافونيا و جورجيا و النوبة و الحبشة ، وحتى تتار من تركستان وأبناء ملك دلهى. كان شعراء وكتاب الخليفة وكل مسيحى القاهرة ومصر يحضرون مناسبة كسر الخليفة للسد الواقع بجانب قصر السكرة، الذى بناه جده العزيز بجوار فم النهر، وبعد ذلك كان الخليفة يبحر فى النيل. كانت أولى حمولة القارب تتكون من أناس عميان وطرشان والذى كان حضورهم يعطى إنطباع بالبهجة لإحتفالات الإفتتاح . ورغم أن وصفه كان يرتبط أساساً بالعاصمة القاهرة ، فإن الرحالة الفارسى قد سجل أيضاً قدرا كبيراً عن الريف ، من تنيس إلى أسوان ، مما يؤكد الإنطباع بأنه فى الزراعة وفى المظهر العام ، فإن مصر آنذاك كانت تختلف قليلاً عن مصر اليوم.
تميزت إدارة اليازورى(1050-1058م) - وهو رجل تعود أصولة إلى أسرة متواضعة كانت تعمل بالبحر فى بلدة يازور بالقرب من يافا وقد وصل إلى منصب قاضى مصر، ثم إلى منصب الوزير- برغبة صادقة فى تحسين أحوال المزارعين وفى نفس الوقت زيادة الدخل المتناقص. ويُظهر تقرير عام وضُع فى وزارته أن المداخيل والمصروفات العامة فى كل أقاليم المملكة، وكذلك الدخل من ضرائب الأرض كانت حوالى مليون دينار لمصر، وكذلك الحال بالنسبة لسوريا. حاول اليازورى القيام بإصلاحات إقتصادية ، الصائب منها والخطأ. كانت خطوته الأولى هى بيع إحتياطى الحكومة من الحبوب( والذىكان يساوى حوالى مائة ألف دينار سنويا) بأقل سعر ممكن آنذاك بدلاً من إنتظار إرتفاع الأسعار كما كان الحال سابقاً. ويبدو أنه كان يستنكر مضاربة الحكومة فى ضروريات الحياة. لم تكن النتيجة مجرد خسارة كبيرة فى خزانة الدولة ، فعندما نتجت مجاعة سريعاً بعد ذلك عن إنخفاض للنيل لم يكن هناك إحتياطى من الحبوب يستعان به. وكالعادة تبع الطاعون المجاعة ويقال أن آلاف من الناس كانوا يموتون يومياً. وفى هذه المحنة رتبت الحكومة مع إمبراطور القسطنطينية توفير عشرين ألف مكيال من الحبوب ولكن وفاة قسطنطين مونوماكوس فى سنة 1055م، والشروط التى فرضتها ثيودورا – بما فى ذلك تحالف هجومى ودفاعى بين الإمبراطوريتين - أدى إلى إيقاف الصفقة وإلى إشتعال الحرب فى شمال سوريا. إكتشف البيزنطيون – مثلهم مثل البساسيرى – أن السلاجقة كانوا يستحقون الإسترضاء أكثر من المصريين، وأصبح إسم الخليفة العباسى، وبناء على طلب السلطان السلجوقى طغرل بك يُدعى له فى مسجد القسطنطينية. وكرد على ذلك وضع المستنصر يديه على الكنوز المتراكمة فى كنيسة القيامة المعاد إفتتاحها حديثاً فى أورشليم.
وبعد أن تعلم من الخطأ إنتهز اليازورى فرصة فيضان جيد للنيل، وأدخل نظام مختلف فيما يخص الفلاحين إذا أوقف الممارسة السيئة بالسماح للتجاروالمرابين بشراء المحاصيل الموجودة بسعر منخفض – وكان إجراءً مدمراً للمزارعين – وكيوسف ثان أقام مخازن ضخمة للقمح فى الفسطاط كإحتياط ضد المجاعة. لم يكن اليازورى نفسه فوق الشبهات بالثراء الغير قانونى - ولسوء الحظ – فقد كان إبتزازه للأقباط ،بشكل خاص، غيرعادل. وقد ألقى البطريرك كيريستودولوس( كيرلس) فى السجن لمجرد شبهة غير حقيقية فى أنه قد أثر على ملك النوبة المسيحى ليمنع الجزية السنوية. وقد إنتزع كثير من الغرامات من الأقباط لأقل الأسباب وفى بلدة ديمروه تضاعفت هذه الإبتزازات بإغلاق عام للكنائس والتى دُمر بعضها أيضاً. وقد مُحى نقش بإسم التثليث على باب البطريرك فكان رد البطريرك أنكم لاتستطيعون إزالته من قلبى. وسريعاً بعد أن أُمر بإغلاق كل كنائس مصر تم سجن البطريرك والأساقفة وطُلب منهم 70 ألف دينار غرامة.وفى سنة 1058م قُتل اليازورى بالسم بسبب الشك فى تعاونه مع بغداد. ولاشك أيضاً أن ثروته الضخمة قد قادت إلى سقوطه. كان اليازورى رجلاً ذا ذوق رفيع ، محباً كبيراً للصور وراعى كريم للمثقفين.
وبعد اليازورى جاء الوزراء وذهبوا مثلهم مثل وزراء الجمهوريات الحديثة. وقد كان هناك أربعين تغييراً وزارياً فى تسع سنوات ولكن فى ذلك الوقت كان قد أكتشف أنه ليس من الضرورى تماماً أن تقتل الوزير المعزول وأصبح من المعتاد أن تمنحه منصباً أقل والذى كان يمكن له أن يصعد منه إلى الوظيفة العليا مرة أخرى. فبعض من هؤلاء الوزراء قد تولى المنصب لحوالى ثلاث أو أربع مرات ولم يكن تغيير الوزارة يتضمن بالضرورة مذبحة. كانت هذه التغييرات المستمرة تعود إلى عدم كفاءة الخليفة وإلى التكوين الحزبى للبلاط والجيش. كان المستنصر واقعاً تحت تأثير جميع أنواع الرجال عديمى القيمة والذين كانوا يسدون له النصائح المتضاربة التى كانت تربك موظفيه الأكفاء وتتركه أكثر إرتباكاً عن ذى قبل. وقد شهدت ثمانمائة رسالة يومية على آلام رعاياه، و على التردد الشديد لحاكمهم المنفتح على كل تأثير وإنطباع ، مهما كان رديئاً أو نابعاً من دوافع شخصية. وقد رويت قصة غريبة عن إنفعاليته، فقد كان ذات يوم يشرف على ضرب أحد الوزراء ضرباً قاتلاً عندما إعترضت أمه وأخبرت إبنها أن قتل رجل ليس هو الوسيلة الأفضل لتجعله يسلم ثروته، ولكنه إذاماسلم الوزيرإليها فإنها تعرف كيف تنتزع منه أمواله. وعندئذ وقف الخليفة فى غضب شديد وإتجه ناحية مسجد عمرو وتبعه حجابه متعجبين ماذا كان يعنى ذلك الإجراء الجديد، حتى أخبرهم المستنصر بأنه طالما كان الجميع يعارضونه ويحاولون قيادته فإنه قد صمم على التخلى عن الحكم، وأن ينسحب إلى المسجد ويكرس الجزءالباقى من حياته للعقيدة. ومع ذلك فإن التفكير فى النهب الذى قد يدمر قصره الجميل، قد أعاده إلى رشده ومكن حجابه من إقناعه بالعودة . لم تكن مشاعره الدينية راسخة إذا ماصحت القصة بأنه قد بنى فى قصره بهليوبوليس بناءً شبيه بالكعبة فى مكة وأقام بركة مليئة بالخمر تمثل بئر زمزم المقدس وجلس هناك يشرب على أنغام الموسيقى والغناء قائلاً( إن هذا أمتع من التحديق فى الحجر الأسود والإستماع إلى طنين الحجيج وشرب ماء فاسد). وبمثل هذه المتع كان يُعزى نفسه عن إفتقاد القوة والكرامة. ومع ذلك فإن عدم إفتقاده للمشاعر الطيبة يتضح فى القصة التالية. ففى كل سنة كانت لائحة أصحاب المعاشات العادية – والتى كانت تقدر بما يتراوح بين 100-200 ألف دينار - تقدم له ليراجعها لكن لم يحدث أنه فى أى مناسبة قد شطب أى إسم من منها بل كان يصادق عليها معلقاً( بأن الفقرمحنة مريرة وأنه يحنى الأعناق ، وإن إهتمامنا برخاء المعوزين يتضح فى توزيعنا الكريم للمساعدة فدعهم يحصلون على نصيبهم بحرية فإن مانملكه سوف يُنفق ولكن مانعطيه لله سوف يبقى للأبد).
وفى تلك الأثناء كان التحاسد بين القوات التركية والقوات السودانية – التى كانت تحظى برعاية إبنة بلدها أم الخليفة – قد نمت إلى حدود منذرة بالخطر. وعندما أدى شجارإلى إشتباك عام تمكن الأتراك بمساعدة بربر كتامة وغيرهم من إخراج السودان الذى كان عددهم قد وصل إلى نحو خمسين ألف إلى خارج القاهرة حتى الصعيد، حيث أخذوامن هناك وعلى مدى عدة سنوات يتقدمون براً وبحراً لمهاجمة خصومهم. ومع ذلك فقد ظل للأتراك اليد العليا فى العاصمة وذلك رغم مؤامرات أم المستنصر حيث إستخدموا قوتهم فى نهب القصر وإفراغ الخزانة وإرهاب الوزراء المتعاقبين ومعاملة الخليفة بإزدراء. وبدلاً من ثمانية وعشرين ألف دينار كرواتب وبدلات أصبحوا يحصلون آنذاك على حوالى أربعين ألف دينار. وكان قائدهم نصير الدولة بن حمدان القائد العام للجيش الفاطمى يدير الأمور بمنتهى الإستبداد لدرجة أنه فى نهاية الأمر قد أبعد زملائه وضباطه حتى دفعهم لإغراء الخليفة العاجز بطرده من منصبه، لكن القائد المعزول قد جعلهم يدفعون ثمناً غالياً لتمردهم. ورغم أنه كان مضطراً للهرب من أعدائه فى القاهرة فقد تمكن من الإستيلاء على الإسكندرية، وسرعان ماحصل على تأييد بعض القبائل العربية وبربر لواتة. وقد أظهر الخليفة بعض الشجاعة أثناء تلك الإضطرابات حتى أنه ظهر- مرتدياً درعاً- على رأس تلك القوات التى ظلت على ولائها له، والتى تمكن بمساعدتها من هزيمة نصير الدين ،لكن سلطته أصبحت آنذاك محددة بعاصمته فقط، فقد سيطرت الفرق السودانية على كل الصعيد، بينما إكتسح الدلتا حوالى أربعين ألف فارس من لواتة، وأهملوا السدود والقنوات حتى خُربت بهدف تجويع السكان. قُطعت الإمدادات عن القاهرة والفسطاط وتسببت مجاعة شديدة بدأت بنيل منخفض فى سنة 1065م، وإستمرت لسبع سنوات متتالية (1066-1072م) فى الوصول بالبلاد إلى قمة الشقاء. وفى خوفهم الشديد من العصابات المسلحة التى إجتاحت الدلتا لم يجرؤ الفلاحون على القيام بأعمالهم المعتادة، وبذلك فقد إستمرت الآثار السيئة المعتادة للنيل المنخفض لسنوات متتابعة. وفى العاصمة وقد قُطعت عن باقى الأقاليم فقد شُعر بوطأة المجاعة بشدة. وأصبح رغيف الخبز يُباع بخمسة عشر ديناراً رغم أن سعر أردب الحبوب كان يمكن أن يُشترى بمائة دينار، وكان يمكن إستبدال منزل مقابل عشرين مكيال من الدقيق ووصل سعر البيضة إلى دينار. وأكلت الجياد والحمير، ووصل سعر الكلب إلى خمسة دينار والقطة إلى ثلاثة دنانير بحيث إختفت – وبسرعة – جميع الحيوانات تقريباً. وحتى إسطبل الخليفة نفسه والذى كان يحتوى يوماً على حوالى عشرة آلاف حصان وبغل قد أصبح لايحتوى على أكثر من ثلاثة أفراس، وعندما ركب إلى خارج القصر إنهار حرسه – الذين كانوا يسيرون على الأقدام – من الجوع. وفى النهاية بدأ الناس يأكلون بعضهم البعض. وأصبح المارة يعلقون من الشوارع بخطاطيف تُلقى من النوافذ ، ويسحبون ويقتلون ويتم طهيهم وأكلهم. وأصبح اللحم البشرى يُباع علانية. وقد سُجلت قصص مروعة عن الأعمال الوحشية لذلك العهد من الرعب ، ورغم أن بعض المجرمين قد عوقبوا كى يصبحوا أمثلة لردع الناس، فإن الحكومة الضعيفة لم تستطع فعل شئ إزاء السكان الذين أصابهم الجنون. ثم أتى الطاعون لينهى مابدأته المجاعة وفُرغت كل المنازل من كل روح حية فى أربع وعشرين ساعة. وقدعانى الأغنياء فى هذه المحنة تماماً كما عانى الفقراء. وقد عمل خصيان البلاط كسائسين للخيل وكناسين، وعندما ذهب أحد الرجال إلى الحمام سأله مدير الحمام إذا ماكان يحب أن يُخدم بواسطة عز الدولة أو فخر الدولة أو سعد الدولة وكانوا ثلاثة من أكبر أمراء العصر، والذين اصبحوا آنذاك يقومون بغسل الشعروالتدليك. وقد حاولت سيدات الطبقة العليا – عبثاً- بيع مجوهراتها من أجل الخبز، وألقين بلؤلؤهن وزمردهن - الذى اصبح بلا قيمة - فى الشوارع. وقد قامت إحدى السيدات ، التى حاولت بصعوبة شديدة الحصول على حفنة من الدقيق مقابل عقد يساوى ألف دينار، بعمل رغيف صغير ولوحت به أمام الجموع صائحة ( ياشعب القاهرة إدعو لمولانا الخليفة الذى جلب لنا حكمه هذه البركة والرخاء وإشكروه فقد كلفنى ذلك الرغيف ألف دينار). وللحظة إستيقظ المستنصر من السبات الذى كان غارقاً فيه وأجبر التجار الذين كانوا يحتكرون مخازن الغلال على إفراغها وبيع الحبوب للناس بسعر معتدل، لكن ذلك لم يفيد كثيراً. كانت موارده الضخمة نفسها تتقلص. ومن بين كل الخلفاء لم يصل أحد إلى ثراء المستنصر، ففى سنة 1050م ماتت أميرتين من بنات جده المعز، طال بهما العمر جداً ، وتركتا له كنوز إشتاق إليها أربعة خلفاء قبله. وقد وصلت ثرواتهما إلى ملايين. ويبدو بيان مخزون كنوز المستنصر الذى يسجله المقريزى كحكاية خرافية من حكايات ألف ليلة وليلةن ومع ذلك فإن هذه الأعمال الرائعة والثمينة من الفن قد تبددت بين البرابرة الأتراك أثناء إستبداد نصير الدولة ، فقد أجبروا الخليفة على بيع كل شئ ثم إشتروا الكنوز بسعر مفروض سخيف. فبيعت مجوهرات تساوى ستمائة ألف دينار بعشرين ألف دينار فقط وبيع زمرد يساوى ثلاثمائة ألف دينار لقائد لتركى بخمسمائة دينار فقط ولم يكن هناك حتى مظهر لأى بيع ولكن مجرد مشهد لنهب مفتوح. وذكر أحد المثمنيين أنه بأقل تقدير فإن الكنوز التى بيعت فى أسبوعين وحيدين من شهر ديسمبر سنة 1067م كانت تساوى أكثر من ثلاثين مليون دينار. وحُطمت المجموعات الثمينة لخزانة البلاط بشعلة سقطت من أحد أتباع هؤلاء البرابرة الأتراك وهى مجموعات كانت قد تكونت بتكلفة سبعين ألف أو ثمانين ألف دينار سنويا على مدى قرن مضى.
ولكن أكبر الخسائرالتى لايمكن تعويضها لعصر اللصوصية ذاك كان هو تبديد مكتبة الخليفة المحتواة على أكثر من مائة ألف كتاب فى مختلف فروع المعرفة والأدب المعروفة للعرب. كانت الكتب مخزونة فى خزائن مغلقة حول الغرفة عليها لافتات تشير إلى محتوى كل خزانة. ويبدو أن طاقم المكتبة كان يتكون فقط من أمين المكتبة وناسخين وخادمين. وبين المخطوطات كان هناك ألفين وأربعمائة نسخة مزخرفة من القرآن، وكتب بخط إبن مقلة وخطاطين مشاهير آخرين وثلاثين نسخة من القاموس العربى الكبير( العين) وعشرين نسخة من تاريخ الطبرى بما فيها مخطوطة المؤلف الأصلية ومائة نسخة من جمهرة إبن دريد، بالإضافة إلى عدد لامحدود من الأعمال التى لانظير لقيمتها. وقد بيع كل ذلك أونُقل بواسطة الأتراك بحجة متأخرات الرواتب ولم يُدخر سوى المكتبة الخاصة للحريم. وإستخدمت المخطوطات النادرة ، والتى يمكن للعلماء أن يدفعوا أى شئ ثمناً لها الآن ، لإشعال النيران ، كما إستخدمت أربطتها لإصلاح أحذية عبيد الضباط الأتراك. وكثير من المجلدات الممزقة ألقى بها جانباً وطمستهاالرمال، وظلت هضاب الكتب معروفة لوقت طويل بالقرب من أبيار. كان الأسعد حظاً منها تلك التى صُدرت إلى بلاد أخرى. وقد قيل الكثير عن حماس الفاطميين الأدبى لدرجة أنه وبرغم ذلك الدمار المؤسف فقد شرعوا فى جمع الكتب مرة أخرى بإجتهاد كبير، لدرجة أن صلاح الدين قد وجد مائة وعشرين ألف مجلد على الأقل فى مكتبتهم بعد قرن من ذلك التاريخ.
وقد أنزل ذلك البيع الإجبارى والسرقة لتلك الكنوز الخليفة المستنصر الغير سعيد إلى أعماق الشقاء. وقد حاصر نصير الدولة الخليفة وباقى الحامية فى القاهرة والفسطاط ووضعهم تحت ضغط المجاعة والخوف لدرجة أن أصبح الجنود ينهبون المنازل وهرب الناس ليلاً ومات أفراد بيت الخليفة نفسه أو أخذوا فى الهرب. وفى سنة 1070م لجأت بناته وأمهم حتى إلى بغداد للهرب من الجوع. ولم يكن هناك مخرج سوى الإتفاق مع المتمردين ولكن حتى عندئذ فقد إختلف الأتراك فيما بينهم وأحرق نصير الدولة ونهب جزءً من الفسطاط وبعد هزيمته لجيش المستنصر الصغير – والذى قاتل بشجاعة – دخل القاهرة. ووجد مبعوث المتمردين الخليفة فى قصره الخاوى جالساً على وسادة عادية مع ثلاثة من عبيده. كانت إبنة النحوى الشهير إبن بابشاد ترسل له – على سبيل الصدقة- رغيفين يومياً. ولمثل هذه الحالة أوصلت المجاعة والنهابون الأتراك أمير المؤمنين.
وفى النهاية فإن الحالة عندما لايمكن ان تسؤ أكثر فإنها تبدأ فى التحسن، ووضع محصول وفير فى سنة 1073م نهاية للمجاعة التى ضربت مصر لسبع سنوات. وفى نفس السنة أغتيل نصير الدولة بواسطة بعض المنافسين الحسودين ومُزق جسده وأرسل قطعه إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية. لم يحسن تغيير المسئولين من تركى إلى تركى آخر كثيراً من شئون حكومة البلاد ، ولكن عندما أرسل الخليفة – بذكاء – إلى حاكم عكا ليحضر ويحكم فإن الأمور تغيرت تغييراً شاملاً. كان بدر الجمالى – وهو عبد أرمنى للأمير جمال الدين بن عمار قد إرتفع إلى مكان كبير فى الحروب السورية وكان حاكماً لدمشق مرتين وقد حارب الأتراك بنجاح حتى أصبح أقوى القادة فى سوريا. قبل بدر الجمالى طلب المستنصر فقط بشرط السماح له بإحضار قواته السورية القوية معه ، والتى كانت تدعى بالقوات المشرقية تمييزاً لها عن الفرق التركية والبربرية والسودانية فى مصر. وبرغم مخاطر الرحلة البحرية فى الشتاء حيث كان من النادر أن يجرؤ أحد على السفر بحراً فى ذلك الوقت ، فقد أبحر من عكا فى ديسمبر 1073م ووصل إلى تنيس مع رياح مواتية فى أربعة أيام ورسى فى دمياط، وعند إقترابه إستجمع الخليفة شجاعته وقبض على القائد التركى الدكز، ثم دخل بدر القاهرة فى بداية فبراير، وإستقبله الأتراك بحفاوة دون أن يعرفوا أنه قد إستدعى من اجلهم . جعل بدر الجمالى كل قائد تركى كضحية لضابط سورى ، وفى صباح اليوم التالى ظهر هؤلاء أمام بدر – وكما كان مرتباً - وفى يد كل منهم رأس قائد تركى. وفى ليلة واحدة تم القضاء على الإستبداد البغيض.
سعد الخليفة بتحرره من ظالميه، وأسبغ على محرره صفات الشرف ملقباً إياه بأمير الجيوش أو بالقائد الأعلى كما أضاف إليه كل وظائف الدولة المدنية. والواقع أنه قد منحه كل السلطة الحكومية وقد اًصبح صديق الخليفة الموثوق. أقام بدر الجمالى فى شارع برجوان وشرع فى فرض النظام وقتل كل المنافسين المحتملين معيداً إلى سيده كل ماكان يمكن العثورعليه من ممتلكات القصر. وعندما نفذ ذلك فقد بدأ فى تقليص المقاطعات قاتلاً أو مخضعاً بربر لواتة فى الدلتا ، كما إجتاح الإسكندرية وزحف على الصعيد حيث كان السودان والقبائل العربية يفعلون مايحلو لهم منذ وقت طويل، وإستطاع إسترجاع سلطة الخليفة حتى أسوان. كانت الغنائم كثيرة، لدرجة أنه كان يمكن شراء إمرأة بدينار واحد ، وشراء حصان بنصف دينار فقط. وبعد هذه البداية الدموية القاسية أصبح كل شئ هادئاً. وسرعان مابدأ الفلاحون تحت حكمه القوى العادل الكريم يستمتعون بأمن ورخاء لم تعرفهما مصر منذ زمن طويل. ويظهر تقرير ضرائب طلبه بدر الجمالى فى سنة 1090م أن دخل مصر وسوريا قد إرتفع من إثنين مليون دينار أو إثنين مليون وثمانمائة ألف دينار بحد أقصى إلى ثلاثةملايين ومائة ألف دينار. والواقع أن العشرين سنة الباقية من حكم المستنصر لم تشهد سوى السلام والوفرة فى مصر رغم أنه كان هناك حرب مستمرة فى سوريا، والتى هددت فى بعض الوقت بتتجاوز الحدود. وللمرة الأولى منذ حكم العزيز أصبحت القاهرة وطن المعماريين. وبًُنى حائط قرميدى جديد حول مدينة القصر وأزيلت البوابات الحجرية الضخمة الثلاث ، باب النصر وباب الفتوح (1087م) وباب زويلة (1091م) وأعيد بنائها داخل الحائط الجديد وإتخذت المظهر المهيب التى هى عليه حتى اليوم. ويقال أن البوابات الثلاث كانت من عمل ثلاثة إخوة معماريين من أوديسا وقد بنى كل منهم واحدة منها. وكما رأينا فقد وظف اليازورى ووزراء آخرون فنانين من ميزوبوتاميا والعراق ولايوجد أمرغريب فى إستيراد بدر الجمالى للمعماريين من أوديسا والتى كانت مليئة برفاقه الأرمينين. ومع ذلك ، فتبعا لأبو صالح ، فقد خُطط للبوابات والحائط الجديد بواسطة حنا الراهب ولكن التخطيط لم يشمل مبانى ومن المحتمل أن الراهب والمعماريين الأوديسيين قد تعاونوا. ويوضح الأصل الأوديسى – كما لايمكن لمصدرقبطى أن يفعل – المظهر البيزنطى لهذه البوابات الضخمة. كانت أوديسا لزمن طويل قاعدة أمامية للإمبراطورية الرومانية ضد الخلفاء ولابد أن معمارييها كانوا على علم تام بالعمارة العسكرية البيزنطية. ولايمكن أن يكون بدر الجمالى نفسه ، وبعد حروبه الطويلة فى سوريا ، جاهلاً تماماً بمبانى العصور الوسطى الرومانية. وأثناء تلك السنوات العشرين فقد إحتفظ الأرمينى العظيم الذى أنقذ المسستنصر من الأتراك ، بسيده الضعيف المحب للملذات تحت سيطرته تماماً. وعندما مات بدر الجمالى فى ربيع سنة 1094م عن عمرناهز الثمانين عاما فقد ورث إبنه أبوالقاسم شاهنشاه سلطته حاملاً لقب الأفضل. أما الخليفة والذى رأى كل تقلبات الحظ الرهيبة تلك وإستحق كل متاعبه فإنه لم يعش طويلاً بعد وزيره الموثوق. مات المستنصر فى نهاية ديسمبر من نفس السنة عن عمرناهز ثمانية وستين عاماً من عمره ، وواحد وستين عاماص من حكمه غير المجيد.
وقبل أن نروى الأسباب التى أدت إلى سقوط الخلافة الفاطمية فلابد أن نذكر شيئاً عن آلتهم الإدارية. ويُقصر المؤرخون العرب فى العادة فى ذلك النوع من المعلومات عل أساس أنها معروفة لقرائهم ، ويصبح من الصعب الحصول منهم على أى تقرير دقيق عن تفاصيل الحكومة تحت الحكام العرب والترك الأوائل. ومع ذلك ، فإنه بالنسبة للفترة الفاطمية ، فإننا نملك تخطيط عام منتظم للنظام العسكرى والإدارى والذى يعتبر مفيداً حتى الآن.
كان الجيش ينقسم إلى ثلاث مراتب رئيسية ، وهم الأمراء وبدورهم ينقسمون إلى أمراء السلسلة الذهبية وهم أعلى طبقة من الأمراء، ثم حاملى السيوف والذين كانوا يحرسون الخليفة ممتطين الجياد ، ثم يأتى الضباط العاديون أخيراً. و ثانياً تأتى مرتبة ضباط الحرس والتى تتكون من السادة أو الأساتذة أو الخصيان ، والذين كان لهم شرف عظيم ويتولون مناصب هامة ، ثم الحرس الصغير، وهم حوالى خمسمائة شاب مختارين من شباب العائلات الكبيرة ، ثم قوات ثكنات الخليفة وكانوا حوالى خمسمائة أيضاً. وثالثاً تأتى الفرق العسكرية وتسمى كل منها على إسم خليفة أو وزير أو تبعاً لأوطانها مثل الحافظية ( نسبة إلى الخليفة الحافظ) والجيوشية ( نسبة إلى الأمير بدر الجيوشى) والرومية ( نسبة إلى الرومان والإغريق) والصقالبة ( وهم العبيد البيض) والسودانية ( وهم العبيد السود). كان عدد الفرق العسكرية كبيراً جداً ومتنوعاً بإختلاف الوقت ، وكانت رواتب الجند تتراوح بين دينارين وعشرين دينار فى الشهر.
أما الأسطول والذى كان يرسو فى الإسكندرية ودمياط وعسقلان ، وبعض الموانئ السورية الأخرى وفى عيذاب على البحر الأحمر، فقد كان يتكون من حوالى خمسة وسبعين سفينة حربية شراعية كبيرة ، وعشر سفن نقل وعشر سفن حربية شراعية صغيرة ، ويرأسه أمير للبحر.
كان الوزراء الرسميون للخلافة ينقسمون إلى طبقتين هما رجال السيف ورجال القلم ، وكان رجال السيف يشرفون على الجيش وديوان الحرب ، وكانوا يتكونون من 1- الوزير( إلا إذا كان رجلاً مدنياً من رجال القلم) ، 2- سيد الباب أو كبير الحجاب، والذى كان يقف إلى جانب الوزير وكان يسمى أحيانا بالوزير الأصغر وكان يتمتع بمزية تقديم السفراء، 3- القائد العام أو (الإسفيهسالار)، والذى كان يقود كل القوات المسلحة ويقوم بحماية القصر، 4- حامل المظلة، وهو أمير عظيم كان يحمل مظلة الدولة فوق رأس الخليفة ، 5-حامل السيف، 6- حامل الرمح ، 7- السلحدار( مسئول الإسطبل الملكى) 8- والى القاهرة ، 9- والى مصر (الفسطاط). وإلى رجال السيف كان يتبع أيضاً حاشية العائلة الملكية والمشرفين والحجاب وحامل الدواة وآخرون من موظفى البلاط.
أما رجال القلم فكانوا يتكونون من1- كبير القضاة ( بالإضافة إلى الوزير إلا إذا كان تابعاً للطبقة العسكرية) وكان يتمتع بسلطات واسعة جداً إذ كان يرأس القضاء ة ويشرف على دار ضرب العملة، وكان يعقد مجلسه فى جامع عمرو فى أيام الثلاثاء والسبت جالساً على ديوان مرتفع بدواته أمامه والشهود، مرتبين على جانبيه تبعاً لترتيب قضاياهم، وأمامه يجلس أربعة محامين وخمسة حجاب لحفظ النظام. 2. كبير الوعاظ، والذى كان يترأس قاعة العلوم. 3. مشرف الأسواق ( المحتسب) والذى كان يملك سيطرة لامحدودة على الأسواق والشوارع، يساعده مندوبان إثنان للقاهرة ومصر، وكان يشرف على الموازين والمقاييس والأسعار والتجارة بشكل عام، وكان يعاقب على حالات الغش والإحتيال. 4. أمين الخزانة، والذى كان يُشرف على بيت المال أو خزانة الدولة، بالإضافة إلى واجبات أخرى مثل عتق وتزويج العبيد وعمل عقود بناء المراكب، وغير ذلك من وظائف. 5. الحاجب الوكيل، والذى كان يساعد سيد الباب فى تقديم أى سفير إلى الخليفة، ممسكاً بإحدى يديه غير تارك إياه طليقاً أبداً. 6. القارئ، وهو الذى كان يتلو القرآن على الخليفة فى الموسم وخارج الموسم.
وكان هناك قسم أقل من رجال القلم يتكون من كل جهاز خدم الإدارة المدنية الملحق بالأقسام التالية. 1. الوزارة ( إلا إذا كان الوزير من رجال السيف). 2. الأرشيف والذى كان ينقسم إلى السكرتارية وفرعين من مكتب تسجيل أعمال الخليفة، وكان الأول لتدوين وصياغة تعليماته، والآخر لكتابتها فى نسخة مبيضة.3. مكتب رواتب الجيش، والذى كان مسئولاً أيضاً عن ركوبات وتجهيزات القوات العسكرية.4- الخزانة وكانت تنقسم إلى أربعة عشر قسماً تتعامل مع كل فرع من أفرع الموارد المالية والحسابات والمخصصات والهدايا والمعاشات والجزية والمواريث والمصانع الملكية وكان لها مكتب خاص بالصعيد ومكتب خاص بالإسكندرية. وأيضاً فقد شكل الأطباء الذين كان الخليفة يحتفظ بأربعة أو خمسة منهم وشعراء القصر طبقات مختلفة من رجال القلم الملحقين بالبلاط.
وخارج موظفى القصر هؤلاء كان هناك الموظفون المحليون الذين كانوا يحكمون الأجزاء الثلاثة للإمبراطورية ، مصر وسوريا وحدود آسيا الصغرى. كانت مصر تُدار بواسطة الحكام الأربعة لقوص أو الصعيد والشرقية (بلبيس – قليوب – أشموم) والغربية ( المحلة – منوف – أبيار) والإسكندرية (وتشمل كل البحيرة). كان حاكم الصعيد يأتى تقريباً فى المرتبة التالية للوزير، وكان لديه العديد من الوكلاء فى المقاطعات المختلفة. وتحت هؤلاء كان يأتى مسئولى المقاطعات ورؤساء المدن والقرى. كانت إدارة كل الشئون المحلية فى عهدة السلطات المحلية، بما فى ذلك أعمال الصيانة بواسطة القوات العسكرية وعمال السخرة لقنوات الرى والسدود التابعة لكل مقاطعة أو قرية على وجه الخصوص، ولكن السدود الأكبر والتى لم يكن من الممكن أن يُعهد بها إلى سلطة محلية واحدة كانت تُدار بواسطة مفتش يعين سنوياً من القاهرة ومعه فريق كبير من المعاونين المهرة. كان النظام يبدو جيداً على الورق ولكن فى الواقع فقد كان يشوبه كثير من الفساد والإختلاس ، ومع ذلك فإن الشهادة العامة للمؤرخين العرب تشير إلى معاملة طيبة بل وربما كريمة أيضا للفلاحين كسياسة سائدة للحكومة الفاطمية.