النظام الإلهي

إلهام مانع
2017 / 3 / 31




تلك اللحظة.
كانت فارقة.
صنعت تاريخاً في قريتها السويسرية.
لحظة.
أخذت فيها قراراً، أن لا تكون جزءا من قطيع.
أن تقول إنها إمرأة ولها حقوق. كاملة متساوية، كما الرجل.
وأن تحدد موقفها كما تفكر.
بلا خوف.
وكانت لحظة صنعت تاريخاً في قريتها السويسرية.

------

إبنتي هي من نبهتني إلى الفيلم.
فيلم سويسري أثار ضجة كبيرة.
عنوانه "النظام الإلهي".
قالت لي: "لابد ان نراه".
حماسها اثار فضولي.
وبالفعل ذهبنا نهاية الأسبوع الماضي انا وهي، وشاهدناه.
في نهاية العرض. قام كل الحاضرين والحاضرات بالتصفيق بحماس.
وعرفت لماذا كان يجب أن نراه.

وعندما عدنا، همست لزَوجي في الصباح، هذا فيلمٌ لابد أن تراه انت ايضاً. وسَنراه أنا وهو هذا الأسبوع.
وَأشرت على طلابي وطالباتي بمشاهدة الفيلم.
فمن لايعرف تاريخه لايقدر على بناء حاضره أو مستقبله.

النظام الإلهي، يحكي عن تاريخ المرأة في سويسرا، التي حصلت على حق التصويت في عام 1971، ثم غيرت من قانون العائلة بعد ذلك.

لكنه لم يفعل ذلك بأسلوب ممل، أسلوب الوعظ والإرشاد.
جمال الفيلم في قصته. وفي بساطته.
لم يحك لنا قصة الحركة النسائية في المدن السويسرية الكبرى.
بل إختار قرية سويسرية صغيرة. تعيش خارج الثورة المجتمعية التي كانت تعصف بأوروبا والولايات المتحدة حينها.
ثورة حقوقية، وثورة جنسية.
وجعل هذه القرية ونسائها محور القصة.
وسردها علينا بهدوء، في جمال سيمفوني.
يُصر علينا أن التغيير يبدأ بنا، نحن.
يبدأ من الداخل.
ويبدأ بإنسان.
بك، بكي. بنا.
إنسان يجرؤ في لحظة حاسمة على اتخاذ موقف، ليتحول الموقف إلى تاريخ في المستقبل.


وهي، نورا، بطلة الفيلم، لم ترد أن تكون بطلة أو أن تغير التاريخ.
كانت شابة، متزوجة، ولديها طفلان، ومعهم يعيش حماها.
حياتها كانت أسرتها. تعيش لها.
وهذا جميل.
أسرتي هي حياتي ايضاً.
ومعها عملي وقلمي.

الغير جميل كان الأسلوب الذي يتصرف فيه الجميع معها، بما فيها ولديها، كما لو كان وجودها يتمحور في خدمتهم.
وجودها لخدمتهم.
"نورا، الشاي". يزعق حماها بصوت خشن.
وهي تهرع لتقديم الشاي.
يأكلون ويتركون الصحون خلفهم، وهي تغسل من بعدهم.
كأن أيديهم سُتكسر لو رفعوا معاً الصحون معها ثم غَسلوها.

وزوجها يحبها لكنه يَجفل عندما تقول له إنها تريد أن تعمل.
يسألها، هل قّصر في حقها؟
فترد عليه بخجل خائف أن الحياة كما تعيشها الآن لا تكفيها.
هي تريد "أكثر" من هذا.
تريد أن ترى النور خارج المحيط الهاديء الذي تسبح فيه؛ محيط ٌخانق لا يسمح بالنور أن يتسلل إلى حياتها.
وهو لايفهم. ماذا تريد؟ ماذا تريد أكثر؟
ثم في لحظة يفقد فيها اعصابه ويقول لها "تعرفين ان القانون لا يسمح لك بالعمل إلا بموافقتي".
وهنا جاء دورها هي كي تجفل.
لم تكن تعرف أن قانون العائلة يجعل من الرجل (أباً، أخاً أو زوجاً) وصياً عليها.
لم تكن تعرف ذلك.
تماما كما لم تكن تعرف أن هناك حركة نسائية تطالب بمنح المرأة السويسرية حق التصويت.

الصدفة وحدها هي التي جعلتها تحصل على كتابات نسائية وهي في زيارة إلى مدينة خارج قريتها.
وعندما قرأت أدركت أن النظام القائم في سويسرا، الذي يسمح فيه فقط للرجال بالتصويت، ويُّنصب الرجل وصياً على المرأة في حياتها، أن هذا النظام غير عادل.
نظام غير عادل.
نظام دافع عنه الكثيرون والكثيرات حينها بإسم الدين.
زعموا أن الإنجيل حدد نظاماَ الهيا، يقف فيه الرجل وصياً.
وَزعمن أن الله هو الذي قسم الأدوار وأن علينا أن نقبل بها.
وهي لا تفهم لماذا لا يسمح لها بالتصويت على قضايا تمس حياتها كما تمس حياة الرجل.
وهي لاتفهم كيف يَسمح القانون للرجل بأن يتحكم هكذا في مصيرها.
إذا أرادت أن تعمل، يجب عليه ان يوافق.
إذا أرادت أن تفتح حساباً في البنك، يجب عليه ان يوافق.
وإذا أرادت أن تسافر، يجب عليه أن يوافق.
"نظام إلهي".
هكذا قالوا. هكذا قلن.
وهي تسمع وتفكر. لنفسها.
نظامٌ الهي؟ فعلأ؟
أم نظام صنعه مجتمع، ثم حدد قواعده الرجل؟

ثم جاءت تلك اللحظة.
في اجتماع نسائي في القرية.
تَرأسته سيدة أعمال تدافع عن الوضع القائم، وترأس لجنة بأسم "ضد تَسيس المرأة". هاجمت من يُطالبن بتغيِير القوانين السويسرية والسماح للمرأة بالتصويت. ثم طالبت الحاضرات أن يبدأن بالتبرع لمواجهة هذه الحركة النسائية.
وأمسكت بصندوق صغير تمر فيه على كل الموائد، على كل إمرأة، وتأخذ من كل منهن مبلغاً.
وكان واضحاً أن الكل كان خائفاً.
الكل خائف.
خائف من أن يعبر عن رأي َيشذ ُ عن الرأي الغالب.
ولذا كلما مرت تلك السيدة على امرأة، كانت كل امرأة تمد يدها في حقيبتها وتُخرج مبلغاً، وعَيناها زائغتان.
إلى أن قدمت تلك السيدة الصندوق إلى نورا.

وهنا هزت نورا رأسها ببطء، وقالت وصوتها يرتجف "أنا أدعم حق المرأة في التصويت".

صمت مطبق حط على المكان.
لو سقطت إبرة في الصالة حينها لسَمعها الجميع.
الرؤوس جميعأً التفتت معاً إليها.
نورا شذت عن القطيع.
نورا شذت عن القطيع.

تلك اللحظة غيرت الكثير في القرية السويسرية الهادئة.
صوتها كان وحيداً في البداية.
وحيداً.
وَجلاً لكنه حازم.
غريباً لكنه حاسم.
ولذا رجع صداه قوياً، شد معه مجموعة من نساء القرية بدأت معها بالمطالبة بالتغيير.
صوتٌ واحد وقف وحيدا.
ليتحول إلى مجموعة نسائية داخل قريتها ثم إضراب نسائي.
ومعه تحركت المياه الراكدة.
اصبح شلالا هادراً غير الكثير في قريتها.
ليُصوت معظم الرجال، الذين سخروا من نورا، و هاجموها، واعتبروها عارا على القرية، صوتوا بعد ذلك لصالح حق المرأة في التصويت!


تلك اللحظة.
كانت فارقة.
صنعت تاريخاً في قريتها السويسرية.
لحظة.
أخذت فيها قراراً، أن لا تكون جزءا من قطيع.
أن تقول إنها إمرأة ولها حقوق. كاملة متساوية، كما الرجل.
لحظة جعلتها تدرك أن التغيير يبدأ بنا، نحن.
يبدأ بإنسان مثله مثلك، يجرؤ على اتخاذ موقف والدفاع عنه.
وأن هذا الموقف قادر على أن يصنع التاريخ.