يوم الأرض الفلسطيني ومفهوم الأرض اليوم بعد الحروب

ريم شطيح
2017 / 3 / 30

رغم أنه ليس هناك يوم واحد فقط للأرض بالنسبة للفلسطينيين تحديداً بل كل الأيام هو يوم الأرض؛ إنما يوم الثلاثين من آذار يُعتَبَر يوم يُحييه الفلسطينيون كل عام تأكيداً على تمسّكهم بالأرض وبقضيّتهم "العادلة" ضد المحتل الإسرائيلي حين قام هذا الأخير بمصادرة الأراضي ذات الملكية الخاصة الفلسطينية وضمن مناطق أغلبها من الفلسطينيين في عام 1976. على أثر هذا، قام الفلسطينيون بإضراب عام ومسيرات في تلك المناطق وغيرها مما أسفر عن اشتباكات بين الفلسطينيين المُحتَجّين وبين السلطة الإسرائيلية المحتلة أدّى لاعتقال المئات من الفلسطيين وإصابتهم وسقوط بعضهم.


من هنا، اعتُبِر هذا اليوم كيوم محوري للدفاع ليس فقط عن الأراضي التي تمّت مصادرتها من قِبل الإحتلال؛ لكن أيضاً لمفهوم الأرض والتشبّث بها وبالهوية والوطن ولرفض كل ممارسات وسياسات الكيان الصهيوني، وعلاقة المواطنين بالأرض التي تشكّل هويّتهم فلسطينيين وعرباً، حيث تحوّل يوم الأرض لقضية تهمّ القضية العربية الإسرائيلية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص.


من هنا أيضاً، وفي ظل الحروب المشتعِلة في المنطقة اليوم، هل نستطيع أن نقول إنّ معنى ومفهوم الأرض بدأ يأخذ منحى مختلفاً وبعداً أعمق وأكبر؟ أم اضمحلّ مفهوم الأرض والتمسّك بها كوطن أولاً وكهوية ثانياً لا سيما في المسألة أو الحرب السورية الحاصلة اليوم؟


إنّ التهجير القسري الحاصل في الكثير من المناطق السورية والدفع نحو الهجرة والنزوح بأي وسيلة وإلى أي مكان يُعتَبَر للسوريين انسلاخاً عن هويتهم الوطنية والقومية وعن أرضهم لا سيما أنها أيضاً حرب إقليمية على أرض سوريا، حيث أكثر من 60% من الشعب السوري قد تمّ تهجيره، عدا عن مقتل مئات الآلاف والمصابين أو من هم في المعتقلات. بالإضافة إلى أنّ مساحة كبيرة من الأرض والبنى التحتية السورية تمّ تدميرها، وأصبحت الأرض السورية أرضاً مُستَباحةً للقوى الإقليمية وكل المشتركين في هذه الحرب التي تضمّ جهات متعدّدة خارجية وداخلية ذات مصالح مختلفة.


هذا فضلاً عن أنّ التنطيمات السياسية المتعددة الحالية للمسألة السورية أغلبها لا تحمل مشروعاً تنويرياً حقيقياً ينقل البلاد من هذه الحال للنهوض، ولا تحمل فكراً أو توجُّهاً فكرياً اجتماعياً نهوضياً أو سياسياً عصرياً يخدم الشعب والبلاد في هذا الوضع، ولا يمكن للتنظيمات الدينية ذات المشروع الطائفي أن يكون لها مكان في المجتمع اليوم وهي قاصرة عن التعامل مع المجتمع والعالم أيضاً في كل مكان وغير مقبولة في المجتمع السوري ذو المكوِّن التعددي حيث التعددية تشكّل أحد أهم أركان الهوية السورية الوطنية والأرض السورية عامةً.


فمفهوم الأرض لا يمكن أن ينفصل عن مفهوم الإنتماء والهوية والوطن، وأي مشروع لا يخدم هذا التنصيف للأرض والوطن سيكون مشروعاً يعمل على التقسيم وهو ليس إلاّ مشروعاً تدميرياً لسوريا شعباً ووطناً وحضارةً. إنّ المشروع القائم على العدالة الإجتماعية والمواطَنة والنّهضة العلمية والفكرية والإقتصادية بالإضافة للحقوق والحريات؛ هو المشروع الذي يمكن أن ينهض بالبلاد ويُعيد مفهوم الأرض لمعناه الوطني والهوياتي الحقيقي. الهويات الهلامية التي حلّتْ محل الهويات الوطنية الحضارية هي نتيجة الديكتاتوريات السياسية والدينية والاستبداد الذي فُرِض بدل الحريات وتحقيق العدل والدولة المدنية الحديثة ممّا أتاح لظهور الهوية الدينية بوجود حاضن لها أيضاً. إنّ للهوية مفهوم عميق يدخل في جذور الانتماء والصراع الحضاري الأزلي، ومن الضروري العمل على إعادة تصحيح مفهوم الهوية وصحوة الهويات في بلداننا.


في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني، هذا اليوم يعنيناً أيضاً كسوريين مؤمنين بحق الفلسطينيين وقضيّتهم، ويعنينا أيضاً لنطالب من أجل الجميع بإعادة التركيز على أهمية الأرض والانتماء والهوية في ظل هذه الحروب التي أطاحَت بسوريا وشعبها وغيّرَتْ بمعالم خريطتها الحضارية الباقية رغم كل المحاولات لاستهداف إسقاطها. مسألة الهوية وحلّها لن يكون إلاّ بحلول سياسية وإنسانية وحوارات نهضوية تهدف للتغيير وإعادة هيكلة الدولة والمجتمع والفرد وإعادة الأرض والحقوق المسلوبة وحق العودة.
ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية
--------------------