ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (28)

طلال الربيعي
2017 / 3 / 30

في حلقات سابقة عالجت وجهة نظر الجمال الماركسية بخصوص عموم الاعمال الادبية والفنية. في هذه الحلقة اركز قفط على موضوعة السينما من وجهة النظر الماركسية.

قال لينين, في محادثة له مع لوناشارسكي، وهو أول مفوض سوفيتي للتعليم، ان السينما هي اكثر الفنون اهمية قاطبة. ولا بد ان اهمية السينما والفيلم قد تعاظمت بشكل كبير بدخول التلفزيون لاحقا الى كل بيت تقريبا وكذلك بسبب اختراع الانترنيت وانتشارها الساحق عالميا. ولكن ماذا جعل من السينما فنا مهما جدا بالنسبة للينين؟

في سعيها الى الاجابة على هذا السؤال, تجيب مدونة "الطالب الروسي THE RUSSIAN STUDENT" ان الفن الروسي ككل شهد فترة من الحرية النسبية في السنوات التالية لثورة اكتوبر الاشتراكية في عام 1917. وساهم الاعتقاد بأن الفن يجب أن يغيّر العالم فى خلق فنانين طليعيين واخراج اعمالهم, كما بينت في حلقة سابقة, من المعارض واماكن العرض التي كان متاح دخولها لارستقراطية الشعب فقط, الى كافة فطاعات الشعب وبضمنها عماله وكادحيه. كانت فكرة الفن للجماهير مهمة للغاية، ولا يوجد فن آخر يمثل هذه الفكرة أفضل من السينما. وقد اجتاحت الثورة بشكل كبير ثقافة سينما ما قبل الثورة، وفتحت الباب أمام جيل كامل من المخرجين الجدد والنقاد والمنظرّين لمناقشة الاتجاه الأيديولوجي والثقافي لهذا الشكل الفني المؤثر بشكل كبير.

لم يكن لينين، جنبا إلى جنب مع العديد من المثقفين، مهتما بشكل خاص بالسينما كشكل فني، وفضل الافلام من نوع الفن "الراقي" على افلام "الفن "الشعبي"، لكنه أدرك بوضوح القدرة التي تمتلكها السينما وأهميتها في توطيد سلطة البلاشفة كأداة للدعاية. كما إن واقع روسيا والحرب الأهلية قد قيدا المسارات الممكنة لانتشار الرسالة البلشفية, ولكن كسب سكان الريف ودعمهم كان له دورا أساسيا في النصر، وكانت السينما وسيلة قوية لتحقيق ذلك. وشجع الحزب الشيوعي السوفيتي على دعم الفلاحين من خلال استخدام الافلام التي تعرض الأخبار القصيرة والأفلام التعليمية التي كانت سهلة الفهم، وممكن نقلها في طول البلاد وعرضها بواسطة القطارات والشاحنات والقوارب. وأفاد المعلقون أن تأثير رؤية هذه الأفلام للمرة الأولى على الفلاحين، ولا سيما الأجيال الشابة منهم، كان قويا بشكل لا يصدق. في السنوات الأولى من الثورة تم التركيز على "التعليم" من خلال السينما, اكثر من التركيز على الترفيه, وقد اصبح ذلك موضوع مناقشة نظرية حاسمة في السنوات التي تلت ذلك. لذلك، كانت السينما في البداية مهمة بالنسبة للينين والبلاشفة لأنها سهلت نشر رسالتهم عبر السكان، وخلق الدعم والفوز في الحرب في نهاية المطاف.

ويرى العديد من منظرّي السينما ان اهتمام الماركسيين عموما في السينما يرجع لعوامل رئيسية ثلاثة متناقضة الاسباب: شعبيتها، حداثتها قياسا الى الفنون الاخرى كالرسم والنحت والمسرح, وإمكانياتها الواقعية. بالنسبة لصنّاع السينما السوفيتية في 1920s مثل سيرجي آيزنشتاين (1898-1948,Sergei Eisenstein), من ناحية أخرى, كانت السينما هي بمثابة الفن السابع (في كتابه "ولادة الفن السادس"، الذي نشر في عام 1911، قال منظّر السينما الايطالي-فرنسي كانودو Ricciotto Canudo أن السينما فن جديد، وهي "توفيق رائع بين إيقاعات الفضاء, الفنون البلاستيكية (التي تمثل وتجسد الفنون والجماليات من خلال الاشكال والاحجام), وإيقاعات الوقت (الموسيقى والشعر)، مع توليف الفنون القديمة الخمسة: الهندسة المعمارية، والنحت، والرسم، والموسيقى، والشعر. أضاف كانودو في وقت لاحق الرقص كسابق precursor سادس، وكفن إيقاعي ثالث مع الموسيقى والشعر، مما يجعل السينما الفن السابع. نشرت مقالاته الأكثر شهرة حول الفن السابع في عام 1923، وكلها نشرت في إيطاليا أو فرنسا). اعتبر آيزنشتاين السينما تقنية تعبّر عما لا يستطيع الأدب والمسرح التعبير عنه. بالتسبة لآيزنشتاين، ان مونتاج صور الفيلم يمكن أن يستخدم كوسيلة لتمثيل representation عمليات المادية الديالكتيكية. وفي الوقت نفسه طور فيرتوف Dziga Vertov (الاسم المستعار ل كوفمان (Denis Arkadevich Kaufman, 1896-1954) انتاج افلام ثائقية استنادا على فكرة الكاميرا كعين ميكانيكية والقادرة على "رؤية" العالم بشكل أكثر دقة من العين البشرية وايضا بامكانيتها في تقديم صورة اكثر "فورية" من التقرير اللفظي او المكتوب.

غير أن هذه الأشكال الثلاثة من الاهتمام في السينما لم تكن منسجمة دوما مع بعضها البعض. فنوع السينما التي كانت شعبية في جميع أنحاء العالم لم تكن حداثية ولا واقعية بشكل خاص (كما يُضهر ذلك اغلبية افلام هوليوود او بوليوود في وقتنا الحالي او السابق) . فالسينما الشعبية تستمد أشكالها السردية من الرواية والمسرح في القرن التاسع عشر، والواقعية تتمثل في كثير من الأحيان في صنع أشياء تبدو حقيقية, بدلا من السماح للحقيقية ان تعرض نفسها بالفعل مباشرة إلى المتلقي. حتى في الاتحاد السوفيتي، كانت السياسة الاشتراكية المُعتمدة رسميا من أوائل 1930 فصاعدا قد تجنبت الواقعية السينمائية لصالح السرد النمطي الذي يختلف عن افلام هوليوود فقط في نظم القيم الخاصة بها. وفي حالة السينما، كانت الواقعية الاشتراكية حلا وسطا بين الالتزام بما هو "صحيح" في تصوير التطور التاريخي, من جهة, والرغبة في تحفيز الجماهير إلى مشاهدة افلام تُعبّر عن حقائق الاحداث "بشكل معقول", من جهة اخرى. وفي الوقت نفسه تباينت الحداثة والواقعية ايضا, حيث اصبحت الواقعية الوثائقية خاضعة إلى أغراض عملية على نحو متزايد, مما جعل التجربة الحديثة تقتصر على الأقلية في صناعة الأفلام.

في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي, ومع ذلك، كان الفكر الماركسي بخصوص السينما يتسم بالالزامية في ما يجب أن تكون عليه السينما. وقد تركزّت معظم المناقشات حول ما اذا كانت السينما لها "جوهرها" الخاص بها، وإذا كان الأمر كذلك كيف يمكن أن يكون هذا الجوهر ذا صلة بالواقع المحيط. فعلى عكس كتّاب مثل بيلا بالاز (Bela Balazs, شاعر وناقد سينمائي هنغاري 1884-1949), الذي اعتقد إن خصوصية السينما الفريدة من نوعها تكمن في قدرتها على جعل العالم مرئيا, اعتقد آيزنشتاين ان السينما نتتج مؤثراتها من خلال مونتاج او ربط عناصر متناقضة مع بعضها البعض, وذلك تماشيا مع المادية الديالكتيكية كما اشير اليه اعلاه. اي ان السينما لا تعكس الواقع بشكل سلبي كالمرآة, وانما تدخل في علاقة ديالكتيكية مع الواقع وتعيد تشكيله. وكان الاتجاه العام للرؤية هو ان السينما فن، وتُصنع من قبل فنانين, ولكن تحت ظروف صناعية. وصانع الافلام الوثائقية البريطاني ومؤرخ الفن بول روثا (Paul Rotha, 1907-1984) وصف السينما بأنها "معادلة عظيمة لا تقبل الحل بين الفن والصناعة".

والماركسيون في معظمهم تبنوا الرأي القائل, الذي شاركهم اياه المثقفون الآخرون، أن الهيمنة الرأسمالية على السينما امر يستوجب النبذ والاستهجان, وان كان ذلك لأسباب مختلفة. بالنسبة للبعض كان امرا بديهيا أن الأفلام سوف تعكس أيديولوجية منتجيها, ويٌفترض هنا أن يكون المنتجون هم رأسماليين. اعتقد آخرون أن السعي لتحقيق الربح هو أمر بالغ الأهمية وان آثاره يمكن أن تكون مُفسدة فقط: الأفلام لا تُنتج للتعبير عن الايدولوجية الرأسمالية للطبقة المهيمنة، ولكنها تُنتج لتخدير والهاء الجماهير بامور تافهة. وبالتالي فإن الافلام التي تُنتج ضمن نظام رأسمالي, وتقف بالضد من هذه الاتجاهات الآيديولوجية او الجمالية, تحوز على قدر كبير من التقدير والاعجاب, كما, مثلا, افلام تشارلي تشابلن. و نفس الكلام ينطبق ايضا على افلام والت ديزني المبكرة (قبل تحوله باتجاه اليمين لاحقا), وكذلك على اعمال مخرج الافلام الامريكي جون فورد John Ford والمهاجر الألماني فريتز لانكَ Fritz Lang.

قبل عام 1945, كان هناك عددا قليلا جدا من الماركسيين من صنّاع الأفلام الروائية خارج الاتحاد السوفيتي. حاول برتولت بريخت في كتابته لسيناريو الفيلم المعنون (Kuhle Wampe, Wem gehoert die Welt? Who Owns the World, فيلم الماني ذو مضمون يساري يتعلق بالبطالة في جمهورية فايمر الالمانية), ومن اخراج المخرج المسرحي والسينمائي البلغاري- الماني سلاتان دودو Slatan Dudow)، صناعة سينما محاكية لمسرحه الراديكالي. ولكن نشاط الماركسيين كان محصورا بشكل خاص في الافلام الوثائقية والتحريضية, كما في افلام المخرج السينمائي الشيوعي الهولندي والمعادي للفاشية Joris Ivens, الذي قدم نوعية حاسمة من التحليل الاجتماعي المنعدم في الاعمال غير الماركسية.

بعد عام 1945، كانت الواقعية هي السائدة. في ايطاليا قدمت أفكار أنطونيو غرامشي و جيورجي لوكاش نقيضا ناجحا لعقيدة الواقعية الاشتراكية التي كانت لا تزال سارية المفعول في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الأخرى. ومن بين صانعي الأفلام الإيطالية المرتبطة بما سمي ب "الواقعية الجديدة،" كان لوشينو فيسكونتي Luchino Visconti اكبر الممثلين النموذجيين لهذا الاتجاه من غيره. ولكن في فرنسا, حققت الواقعية الظاهراتية او الوجودية غير الماركسية ل اندريه بازين Andre Bazin نجاحا ملحوظا بين النقاد وصانعي الافلام. و كانت الموجة الفرنسية الجديدة شديدة التأثر ببازين, ولكن في الفترة السابقة للاحداث الراديكالية لعام 1968, كسر جان لوك غودار Jean-Luc Godard التقليد وبدأ بصناعة أفلام تتحدي ثقافة المجتمع البرجوازي والتقليدي على حد سواء, وهي الثقافة التي ساعدت على تطبيع العلاقات الاجتماعية البرجوازية على مستوى آيديولوجي. وكان تأثير الفيلسوف لويس ألتوسر أيضا بارزا من ناحية النظرية والجوانب النقدية، ليس فقط في فرنسا, ولكن أيضا في بريطانيا و (بحلول أواخر 1970s) في أمريكا الشمالية.

كانت النظرية الجديدة معادية لكل اشكال الواقعية، بما في ذلك (وأحيانا خاصة) الاشكال الماركسية منها، مثل الواقعية النقدية للوكاش. باستخدام حجج مستوحاة من التحليل النفسي والسيميائية، جادل كتاب في مجلة السينما الفرنسية Cahiers du Cinema ومثيلتها البريطانية Screen انه وهم الاعتقاد ان الافلام او الاعمال الفنية قادرة على اعطاء تصور متكامل للواقع الذي يمكن فهمه بكليته من قبل المتلقي. .فمشاهدة الفيلم هي عملية تناقضية لأن المشاهد ليس عنصرا سلبيا وانما يتفاعل نفسيا مع العمل السينمائي- شرح هذه الموضوعة من وجهة نظر المحلل النفسي لاكان معقد بعض الشئ ولا اتطرق اليه في هذه الحلقة-. والعمل الفني في حد ذاته هو أيضا متناقض بالضرورة، وذلك لأسباب تتعلق بالظروف المادية للإنتاج وكما هو الحال ايضا مع عدم التجانس السيميائي المتأصل. ولا بد من الاعتراف بهذا التناقض واستغلاله - من قبل صنّاع السينما وكذلك من قبل النقاد والمُنظرّين. فلا يوجد شيء تقدمي على وجه الخصوص في صنع أفلام ذات رسالة اجتماعية إذا كان أسلوب الفيلم يعمل على تغطية التناقضات في نص الفيلم ومشاركة المشاهد معه. وعلى العكس من ذلك، ان الأفلام التي تظهر لأول وهلة وكأنها صنيعة ايديولوجية برجوازية قد تحمل ضمن طياتها سماتا تقدمية.

في دراستهم المهمة حول فيلم المخرج جون فورد (حامل جائزة اوسكار اربعة مرات) (1939) المعنون Young Mr Lincoln بخصوص فترة شباب الرئيس الامريكي ابراهام لنكولن وعمله كقانوني (مثل الدور هنري فوندا), يشير محررو مجلة السينما الفرنسية Cahiers du Cine أن قوة الفيلم - على حد سواء بالنسبة للجمهور والنقاد فيما بعد- تكمن في عدم قدرة الفيلم على حل التناقضات على أي مستوى.

ان ما يميز التحليلات الماركسية التقليدية في السينما وأشكال الفن الأخرى هو قدرتها على الاهتمام بالجوانب والبواعث الاقتصادية، وبدرجة أقل، التعبير عن النواحي الاقتصادية والآيديولوجية. ولكنها أثبتت أنها أقل إنتاجية في ربط هذه الامور على وجه التحديد بالجوانب الجمالية والهواجس الذاتية (لعدم امتلاكها نطرية في الذاتية Theory of Subjectivity). وعدم ايلاء هذه الامور قدرها من الاهتمام يعني ان نظرية السينما الماركسية لم يتسنّ كتابتها بعد.
يتبع
...........
مصادر ذات صلة
V. I. Lenin
-dir-ectives on the Film Business
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1922/jan/17.htm

?"Why did Lenin regard cinema as “the most important of all the arts
http://www.therussianstudent.com/film2/2015/11/5/why-did-lenin-regard-cinema-as-the-most-important-of-all-the-arts

NONINDIFFERENT NATURE by Sergei Eisenstein
http://articles.latimes.com/1987-12-27/books/bk-31323_1_sergei-eisenstein

معالم الدراما في العصر الحديث
http://www.iraqnla-iq.com/opac/fullrecr.php?nid=147930&hl=ara