مبادئ وتصورات للعمل الجبهوي

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 3 / 30

(( كتبت هذه الورقة منذ ثمانية أشهر، وأقرتها اللجنة المركزية لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، كي تكون من الأوراق المقدمة إلى المؤتمر العام الثاني للحزب الذي سيعقد الصيف القادم، وهي ليست وثيقة داخلية بمعنى عدم طرحها للحوار خارج الحزب، كما أن موضوعها ذاته يتطلب أن يبدي من هم خارجه آراءهم فيها))

في البداية لا بد من التأكيد على أن حزبنا هو حزب "ثوري"، بمعنى انتمائه للتراث الثوري الغني للشعب المصري الذي عرف في تاريخه الحديث نقلات ومحاولات ثورية هائلة ومجيدة في 1881، 1919، 1952، 2011، 2013. ناهيك عن عدد كبير من الانتفاضات والهبات العامة، فيما يعبر عن عمق النضال الشعبي المصري وإصراره على تحقيق أهدافه المشروعة، رغم المقاومة الشرسة التي يلقاها في ذلك داخليًا وخارجيًا. ومن جانب آخر يتبنى الحزب رؤية استراتيجية ثورية للتغيير في المجتمع، ولا يتوقف عند إصلاحات مرحلية يناضل أيضًا من أجلها دون التضحية بأهدافه الاستراتيجية. وهذا هو تعريفنا للطبيعة "الثورية" التي نبتغيها لحزبنا، وليس ذلك التعريف "القانوني" القاصر المغرض الذي يحصر "الثورة" في تعريف انقلابي ضيق ومتحيز حتى يمكنه التنكيل بالثوريين.
وحزبنا ليس هو الحزب أو القوة الوحيدة التي تناضل من أجل أهداف التحرر والاستقلال والديمقراطية والتقدم الاجتماعي والاستنارة. غير أن درجات الالتزام بهذه الأهداف، بل وتعريفها، تختلف بين المنظورات الفكرية والكيانات السياسية والتنظيمات والتيارات المتباينة، وذلك تعبيرًا عن اختلاف المنطلقات الطبقية والمصالح الاجتماعية وراء كل تحرك سياسي أو اجتماعي أو ثقافي. ومما يصيب الحركة الثورية بالتعثرات أن يخلط البعض بين الاستراتيجية والتكتيك، فيدمجهما عنوةً في غلاف من الصياغات "الثورية" البلاغية، وربما مع الكثير من المقتبسات من ثوريين عظام هنا وهناك.
ولعل أهم يميز حزبنا هو تحديد المحاور المتعددة للاستراتيجية الثورية، ومن ثم يرى أن أي نهوض ثوري جديد يجب أن يتضمن الأهداف سابقة الذكر، وإن تغيرت أولويتها وأوزانها النسبية من مرحلة لأخرى، وهو ما يتطلب تكتيكات مناسبة لكل فترة أو حالة.
ومن الواضح أن تلك المهام الاستراتيجية تحتاج ردحًا من الزمن، وتتطلب مستويات عالية ومتزايدة من الوعي والتنظيم الشعبيين، في سياق المعارك السياسية والتحركات الاجتماعية والجماهيرية وفعالية التثقيف الثوري.
من الواضح أيضًا وجود درجات من الاتفاق في الأهداف، أو بعضها، بين حزبنا وقوى سياسية واجتماعية أخرى. وسيكون من باب إهدار الإمكانات والإعجاب المفرط بالنفس لو تصور البعض أن حزبًا بمفرده يمكنه الاضطلاع وحده بمعظم مهام النضال، أو أن يلعب دور "الحزب القائد"- بمعناه السلبي المعروف تاريخيًا في نظم تُصنَّف "شعبوية" ودكتاتورية . إذن مع تصاعد التناقضات الطبقية والوطنية والثقافية.. تتسع جبهة المقاومة، ناهيك عن آفاق النهوض الإيجابي وانتزاع المكتسبات، في مواجهة أعداء الثورة المصرية، ولا بد لجميع القوى الثورية أن تدرك أهمية التنسيق والتعاون والعمل المشترك، حيث ينطوي هذا على أهمية حيوية لاستمرار الدفع الثوري، ولإعطاء الجمهور الأمل في أن هناك من يمكن أن يتقدم الصفوف- دون ادعاءات مصطنعة بالقيادة- شجاعةً واستعدادًا للتضحية ومسلحًا بالوعي والبرامج والأطر التنظيمية الموحدة والمنسقة.
ويمكن اختصار هذا المجهود في عبارة "العمل الجبهوي".
وفي البداية يجب الاتفاق على بعض المبادئ الحاكمة لفهم حزبنا للعمل الجبهوي، وهي جميعًا على مستوى عالٍ من الأهمية ولا يمكن التضحية بأحدها من أجل أي "مكسب" كان:
(1) أساس نجاح أي نشاط جبهوي هو محافظة الحزب على استقلاليته الفكرية والبرنامجية والتنظيمية والدعائية، وسيكون من قبيل السفسطة وإضاعة الوقت والفرص لو بالغ البعض بتصور وجود تناقض بين بناء الحزب وبناء الأطر الجبهوية. فالعكس هو الصحيح تمامًا. ولا يمكن التعامل مع المهمتين بمعزل عن بعضهما، فبينهما تفاعل جدلي أكيد. إذ أن الأطر الجبهوية ستساعد الحزب كثيرًا في إثراء معارفه بالاقتراب من اجتهادات الآخرين، وفي درجة النجاح في تحقيق مكتسبات سياسية جزئية، وفي اكتشاف واقتحام آفاق جديدة في العمل بين الجماهير. بالمثل لا يمكن للحزب الحفاظ على استقلاله مالم يعمل بكل الإمكانيات المتاحة من أجل تطوير رؤاه وبناء كادره وتوسيع عضويته وتعميق الديمقراطية داخله، بما يؤدي إلى زيادة تماسك الحزب على كل المستويات، ومن ثم زيادة وزنه السياسي العام في المجتمع ودوره في ابتكار ودفع الأشكال الجبهوية.
(2) يستهجن البعض أن يتحدث حزب يساري عن الجبهة و"يتغاضى" عن ضرورة "توحيد" اليسار المصري. ومن المؤكد أن حزبنا يفخر بانتمائه لليسار المصري العريض، وبدوره في إضفاء البعد الاجتماعي والتضامن الأممي على النضال الوطني والديمقراطي، وبالتضحيات المتواصلة لأبنائه منذ أكثر من مائة عام. كما يدرك الحزب أن إخفاقات اليسار لم تكن كلها نتيجة الهجمات البوليسية والإعلامية وغيرها للنظم المتعاقبة، وإنما نتج الكثير من الإخفاقات أيضًا عن أخطاء في التحليل وفي الاجتهاد الفكري المناسب للظروف المصرية وتفشي الأمراض التنظيمية وملابسات العمل السري الذي فُرض عليه في كل العهود..الخ.
ولا يدعي حزبنا بالمرة أنه الممثل الأوحد لليسار المصري، فهناك قوى يسارية عديدة نحترم نضالاتها ونسعى بكل طاقاتنا من أجل توحيد طاقاتنا معًا، لكن لا يمكن إنكار أن تاريخًا طويلاً من النزعات الانقسامية والعوامل الذاتية مازال يلقي بثقله على توحيد اليسار الثوري. وفي الحقيقة أن هناك أيضًا خلافات تكتيكية يصعب استيعابها في حزب واحد مالم يتفق الجميع على الالتزام بقرارات الأغلبية وفي إطار ديمقراطي داخلي فعال. لكن تزداد مشكلة توحيد اليسار تعقيدًا مع وجود غالبية كوادر اليسار المصري خارج أحزابه (لأسباب كثيرة ليس هنا مجالها). وقد يكون لتنشيط وتنويع الأشكال الجبهوية دورهما في تجميع هذه الجهود الفردية المبعثرة، وكثير منها هو من الطاقات الثورية النادرة وسيكون من قبيل الاستهتار تصور إمكانية الاستغناء عنهم. وهكذا يمكن أن تتطور عملية جدلية بين تطوير الحزب وتوحيد اليسار وبناء الجبهة.
(3) إن الجبهة عملية في حد ذاتها، وليست مجرد شكل تنظيمي مستهدف يتم تحقيقه بتفاوض سياسي. ولا يوجد تصور للعمل الجبهوي تام الصنع وصالح للتطبيق في كل البلدان والأوقات، فهو مجال للإبداع والمرونة أكثر من أي نشاط سياسي آخر. وإذا كان التصور "الأمثل" للجبهة مثلاً في البلدان المتطورة ديمقراطيًا وذات التنظيمات الحزبية (وغيرها) الناضجة يتحقق في النهاية باتفاقات "علوية" بين المراكز الحزبية وربما النقابية والمدنية أيضًا، فإن الحال لن يكون بالطبع هكذا في بلدان مازال التطور التنظيمي الديمقراطي فيها متخلفًا أو مقموعًا. أي أننا لن نجد في التجارب الجبهوية في البلدان والأزمان المغايرة سوى دروس تأشيرية غير مباشرة تفيد- بالتأكيد- في بعض الجوانب لكنها ليست وصفة متكاملة مضمونة النجاح. ولما كنا نرى أن بناء الحزب نفسه عملية إبداعية "وطنية"، فمن باب أولى أن يكون العمل الجبهوي مدعاة للإبداع بما يتفق والشروط المحلية.
(4) الشكل الجبهوي الأمثل لطبيعة وسياقات الثورة المصرية هو الجبهة العامة الجذرية الملتفة حول برنامج استراتيجي واضح يمكن تلخيصه في المحاور الاستراتيجية التالية:
** الحفاظ على السيادة الوطنية وامتلاك القرار الوطني وبناء القوة الذاتية وحماية قواعد الاقتصاد الوطني وتفكيك مختلف روابط التبعية للإمبريالية والرضوخ لعولمة الليبرالية الجديدة.
** إقامة دولة ديمقراطية، تكون مدنية وتكفل المساواة في المواطنة مع التمثيل المناسب والتمييز الإيجابي للطبقات الشعبية والفئات المستضعفة والمحرومة.
** تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة، مع ضرب الاحتكارات المحلية والأجنبية، والحد من الاستغلال والتفاوت الاجتماعي.
** الاضطلاع بثورة ثقافية شاملة من أجل الاستنارة والتقدم واحترام قيم العلم والعمل والثقافة الإنسانية المتحضرة.
(5) لا شك أن هذه الجبهة الاستراتيجية الثورية يجب أن تقوم على أسس وأعمدة طبقية قوية. لكن مشكلتنا الحقيقية في هذا الجانب هي أن عقودًا طويلة من الممارسات النظامية والبوليسية قد حالت دون تبلور تنظيمات اجتماعية مستقلة للعمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة (حيث طالت يد القمع حتى النقابات المهنية). ومن المؤكد أنه في ظل شحوب الحريات الديمقراطية يصعب على الأحزاب السياسية أن تنهض وحدها بالنضال من أجل التغيير الثوري. ومن هنا تتضح أهمية التركيز على تطوير النشاط النقابي المستقل، وربطه بالحركة الديمقراطية والاجتماعية العامة. وفي مقدمة مهامنا في هذا الصدد: العمل على تفعيل وتطوير والمساعدة في حل المشكلات البنيوية للنقابات المستقلة، إلى جانب تكوين كيانات فلاحية ديمقراطية شرط أن تراعي الفرز الطبقي بين الفلاحين المعدمين والفقراء من جانب، وبين أغنياء الفلاحين والرأسمالية الزراعية وأشباه الإقطاعيين من جانب آخر.
(6) رغم أن هذه "الجبهة الثورية الاستراتيجية" تبدو بعيدة المنال، خاصة في ظروف جزر الحركة الثورية والجماهيرية، إلا أنه لا يجوز الانتظار إلى أن يحين "الوقت المناسب" لتكوينها، فعلى الأقل يمكن ويجب رفع شعارها من الآن، ولو حتى على مستوى حشد الكوادر والجماعات الثورية حول الفكرة وجمع التأييد الشعبي لها. كما يجب أن نجعل من نجاحنا في بناء أشكال جبهوية "جزئية" أو "وقتية" مفيدًا في التراكم التنظيمي والسياسي من أجل الوصول لهدف الجبهة الاستراتيجية العامة.
(7) من واجبنا ألا نقبل بابتذال فكرة الجبهة الاستراتيجية (الوطنية الديمقراطية التقدمية) في صورة أطروحات "برجوازية" مثلما كان الحال مثلاً مع جبهة الإنقاذ التي تشكلت في مواجهة الإخوان. فرغم أننا قد نشارك في مثل هذا النوع من الجبهات تحت شروط معينة، إلا أنها تظل أقل بكثير جدًا من طموحنا في بناء جبهة استراتيجية ثورية. وهذا يعيدنا إلى التأكيد على المحاور الأربعة للثورة المصرية، فلا يمكن الحديث عن جبهة استراتيجية تركز على محور واحد كالديمقراطية الليبرالية مثلاً. ومع ذلك فإن هناك مجموعة من الأهداف التكتيكية قد نتفق بوجوب التركيز عليها في السنوات الثلاث المقبلة كإطار زمني مقترح:
** حماية الدستور من أي محاولات لتعديله أو إساءة تفسيره باتجاه تقييد أو صورية الديمقراطية، أو التراجع عن الحقوق الاجتماعية الواردة فيه.
** حماية مدنية وديمقراطية الدولة، وخاصة التصدي للقيود على الأحزاب والإعلام، وممارسات التعذيب والاعتقالات والإخفاء القسري، وسائر التشريعات المنافية للحريات والحقوق.
** حماية عاجلة لمستويات حياة وعمل الطبقات الشعبية ومنع المزيد من تدهورها، ومواجهة الغلاء والاستغلال وضبط الأسواق.
** مقاومة شعبية وإعلامية وقانونية فعالة لمكافحة الفساد والإهمال الحكومي.
** حماية بنية الأمة المصرية من أية دعاوى أو ممارسات تبث الكراهية والطائفية.
** عدم تورط مصر في حروب خارجية تحت معطف القوى الإمبريالية أو الرجعية، مع التأكيد على المواجهة الشاملة للإرهاب، وليس المواجهة الأمنية فقط.
** الإصرار على الموقف الشعبي المصري الراسخ برفض التطبيع بكافة أشكاله مع العدو الصهيوني.
تلك مجرد أمثلة للجبهات التكتيكية التي يمكن أن تساعد في تنمية الوعي والتنظيم الشعبيين، وفي تمهيد الطريق لبناء الجبهة الاستراتيجية الثورية (الوطنية الديمقراطية التقدمية). وبالطبع فإن الجبهة التكتيكية تكون- كما أسلفنا- أكثر مرونة في عضويتها وخطابها، شرط ألا تتضمن أي تنازل عن الاستقلالية الحزبية (فكريًا وسياسيًا وتنظيميًا). ونُذكِّر بشكل خاص استحالة التنسيق على المستوى التكتيكي أو الوقتي أو المحلي.. مع أية قوة طائفية أو غير مدنية أو تابعة للمنظومة الإمبريالية أو مبررة لأي صنف من صنوف الحكم الفاشي أو الدكتاتوري، حتى وإن غَصَّت وثائق وخطابات تلك القوى برطانة مصطنعة عن الديمقراطية ومدنية الدولة والمواطنة.. ويجب أن يقوم الحزب بتقييم موضوعي لمدى جدية تلك القوى في طرح الشعارات، مع الاستناد في هذا التقييم إلى أسسها الأيديولوجية وتاريخها السياسي.
(8) من المنطقي أن يعكس سعي حزب ما لتطوير العمل الجبهوي حقيقة موضوعية للتلاقي على أرضية القضايا النضالية، إلى جانب إدراك الحزب استحالة المضي في المهمة وحده. لكن الأشكال الجبهوية "العلوية" أو النخبوية تكون ذات قيمة رمزية بالدرجة ألأولى، وتقل فعاليتها بمرور الوقت، كما أن مناعتها ووحدتها قد تتأثر كثيرًا بالضربات المعاكسة، مالم تتم "جمهرتها". ولن ينجح عمل جبهوي شامل على المستوى القطري مالم تتم ترجمته إلى كيانات محلية وجماهيرية. كما أن جماهيرية أو قاعدية العمل الجبهوي هي من أهم ضمانات الضغط على القيادات "النخبوية" ذات الانتماءات الطبقية المترددة أو الانتهازية.
(9) مثلما هو الحال مع ظاهرة "الأغلبية اليسارية الفردية ("الفرط")، هناك أيضًا على مستوى القوى الوطنية والديمقراطية أعداد كبيرة من المناضلين المنفرطين الذين يظهرون كقوة نسبية كبيرة في أوقات بعينها، ويؤدون أدوارًا عظيمة لا يمكن إنكارها، ولكن هذا الوضع الخاص يخلق الكثير من المشكلات العملية. فكيف يمكن استيعاب "الشخصيات العامة" ذات التأثير في إطار العمل الجبهوي ومنحها ما تستحقه من مكانة، وفي الوقت نفسه الحيلولة دون أن يكون لهؤلاء الأفراد أوزان تناهز قوى منظمة قد لا تملك شخصيات عامة على ذات المستوى من التأثير و"الكاريزمية". ويبدو أن هذه المشكلة ستظل مستمرة معنا لفترة حتى تتمكن الأحزاب والكيانات المنظمة من أن تكتسب ثقلاً في الحركة الجماهيرية يجعلها هي الأساس الذي يجُبُّ وضعية "الرموز".
(10) من عيوب مجمل العمل السياسي في مصر غلبة الطابع النخبوي وحتى القاهري عليه. وقد كان من أهم مشكلات ثورة 2011 مثلاً أنها انحصرت إلى حد ما في القاهرة والمدن الكبرى ولم تستطع الوصول بذات القوة والزخم إلى الريف والعشوائيات وحتى الأحياء الشعبية في المدن. ولذلك يجب أن يشجع الحزب ويعطي الحرية الكاملة للجانه المحلية في أن تبدع في مجال بناء الأشكال الجبهوية المحلية، شرط عدم مخالفة القواعد الأساسية المتفق عليها في العمل الجبهوي. ويمكننا تأكيد أن النجاح على هذا المستوى المحلي سيمنح الحزب وسائر القوى الديمقراطية فرصًا وأمثلة قوية لكيفية دفع العمل الجبهوي على المستوى الوطني.
(11) من الحقائق الحيوية لأي ثورة أن تتجدد دماؤها، خاصة على المستوى القيادي، بالشباب الثوري. لكن ليس معنى هذا بالطبع الاستسلام للفكرة الخبيثة والرجعية التي تحاول شق صفوف المناضلين بزعم ثورية أو إصلاحية أو خيانة أجيال دون أخرى. فكل الأجيال بها كل التنوعات الطبقية ومستويات الثورية. ومع ذلك لا بد من الاعتراف بأن قطاعات واسعة من الشباب الذي دخل مجال العمل السياسي عامةً مازالت غير متكيفة مع الآليات التنظيمية الحزبية المختلفة، ومن ثم تفضل العمل في ائتلافات فضفاضة غير هرمية، وتحت شعارات جزئية أو "رومانسية". وهي الحقيقة التي ستتطلب حيزًا معقولاً من الزمن والتجربة. ومن ثم يكون العمل الجبهوي مع تلك الائتلافات والجماعات بالغ الأهمية، وعلى الحزب أن يتمتع بالمرونة والمبدئية معًا في التعاون معها.
(12) منذ عصر الاستعمار التقليدي، وفي عصر الإمبريالية وعولمة الليبرالية الجديدة، لم يعد ممكنًا لشعب أن يخوض ثورته بمعزل عن التضامن مع القضايا العادلة للشعوب الأخرى. وقد أدرك كل من اشترك في الثورات المصرية المتتالية أهمية هذا التضامن. ولذا لا بد من أن يبادر الحزب بطرح مشروع لجبهة الأحزاب اليسارية العربية، وفتح آفاق التعاون والحوار مع كافة القوى التقدمية والديمقراطية العالمية على أساس الندية الكاملة ومبادئ الحرية والعدل والتقدم.
(13) في الختام نؤكد مرة أخرى على تعدد مستويات وأشكال العمل الجبهوي. وتظل الأجندة الثورية بمحاورها الأربعة سابقة الذكر هي أداتنا الأساسية في التخطيط والتقييم لأي مشروع جبهوي. كما نؤكد أن الضامن الأول لنجاح العمل الجبهوي هو العمل على بناء حزب قوي منضبط تنظيميًا ومزدهر بديمقراطيته الداخلية وذي رؤية ثورية جذرية استراتيجيًا، ومرنة تكتيكيًا.