هذا من ذاك: عندما يدهس الرجل خلق الله في لندن

إلهام مانع
2017 / 3 / 24

أصمت أم اكتب؟
ما رأيكما عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ؟

أقول ما أفكر به؟
أم ابتلع لِساني، وأغصُ بصمتي؟

لكن الصمت ليس خياراً. أليس كذلك؟
قلتها من قبل. وسأقولها كل مرة حتى تّملان من سماعها.
الصمتُ لم يعد خياراً.
إما أن نفكر ونحيا، ونقول الكلمة كما هي، كما تَنطقُ بها عقولنا، أو نُدفن أحياءا، ونعيشُ موتى، على هامش التاريخ.

سأقول إذن وأمري لله.

يوم أمس، الأربعاء، كنت اتابع ما حدث في لندن.
رجل في الخمسين من عمره. يقود سيارة يدهس بها خلق الله على جسر الويستمينيستر.
بشر من عشرة جنسيات. يمشون على جسر، في آمان الله، وهو يدهسهم، كأنه رسولٌ للكراهية. يحمل رسالة موت. يريد أن يقتل. يمحق بشراً ويكتم الحياة في أرواحهم.
لا لشيء إلا لأنه يعتقد أنه يجاهد في سبيل الله.
يدهسهم ولعله كان يهلل، الله اكبر.
ثم يِصطدم بجسر ويهرول جارياً ممسكا بسكين ليطعن به عباد الله.
ويفعل ذلك وهو يثق أنه سيدخل الجنة بفعله ذلك.
يؤمن فعلاً إن الله سيجزيه ثواباً لأنه يدهس ويسحل ويقتل ثم يطعن.
أليس هذا غريباً؟
يقتل وهو يعتقد انه يجاهد في سبيل الله.
يسحل وهو مؤمن إن ما يفعله سيفتح أبواب الجنة أمامه، ومعها سَبعين حورية عذراء(إشمعنى عذراء يعني) تنتظره على أحر من الجمر.

ستقولين لي عزيزتي القارئة هذا فعل فردي. لا يمثل رسالة السلام في ديننا.
وستقول لي عزيزي القارئ هذا نتيجة خطاب التطرف الذي تتبناه أقلية منحرفة من المسلمين وهم لا يَمتّون إلى الإسلام بصلة.

وسأرد عَليكما بأننا عندما نقول ما تقوَلانه ندفن رؤوسنا في الرمال. كالنعام، متعامية. نرفض أن ننظر إلى ما يحدث على أرض الواقع.
وأعرف والله أن الإنسان هو الذي يحول الدين إلى خطاب محبة أو رسالة كراهية وقتل.
لكني أصر عليكما أن تفتحا قناة دينية سلفية وتَستمعا إلى مايقوله شيوخها فيها.
ثم اعرج بِكما على أي مسجد قريب في ناصِيتكما، في بلداننا العربية أو داخل مجتمعاتنا المسلمة في أوروبا، واهمس لكما أسمعا ما يقوله الخطيب الإمام يوم الجمعة،
ثم ادور معكما على مدارس القرآن في أحيائنا وانظر معكما فيما تدسه في عقول أطفالنا.
وحبذا لو فتحتما مناهجنا الدينية وقرأتما ما نقول فيها.

هذا من ذاك.
هذا من ذاك.

قتلٌ وسحلٌ، ودعوةٌ للجهاد، لم تخرج من فراغ.
أسست لها قناعات دينية نحشو بها عقولنا منذ الطفولة.
كم منا يجرؤ أن يقول أن الجهاد دعوة إلى العنف؟
كم منا يجرؤ أن يسمى خطاب الفكر الديني بأنواعه المتفشية اليوم بأسمه، أعني خطاب كراهية؟
هل سمعتما خطاباً دينيا في مساجدنا يقول لكما إن الإنسان محبة، وأن علينا أن نقبل بالآخر كما هو/هي؟
إنسان.
بوذي، هندوسي، ملحد، يهودي، مسيحي بهائي، أحمدي، أيزيدي، …. نقبل به/ا كما هو؟ كما هي؟
نرفض الآخر سواء ان كان شيعيا أو سنياً، ونلوي شفاهنا ونحن نتحدث عن ذلك الآخر.
هل سمعتما إماماً أو خطيباً لايقول لكما إن العالم يريد أن يدمر الإسلام؟ لأنه دين عظيم!
واننا مضطهدون مساكين؟ بسبب ديننا الحنيف؟
حالة بارانويا جماعية، يسمونها بالفصحى جنون شك واضطهاد، حطت على عقولنا، تسكن فيها، وتزن عليها إن الجميع يكرهنا.

هل سمعتما خطاباً يقول لكما إن القتلَ حرامٌ في كل الأحوال.
في كل الأحوال.
لا يصنف الجهاد انواعاً.
لأن خطابنا “الكلاسيكي المداهن” يقول لكما لا نقتل إلا دفاعاً.
لا نقتل إلا دفاعا. هذا ما يقوله. ثم يلوي لسانه ويهمس لكما من وراء ستار: وهل نقف ساكتين عندما يكرهنا العالم؟

ولذا، فإن ذاك الإرهابي، الذي كان يدهس عباد الله على جسر، كان يفعل ذلك وهو مصر انه يدافع عن دين الله؟
أي دين يدافع عنه بالله عَليكما؟
الجهاد عنف.
وهو عنف غير مقبول.
ويجب أن نزيله وخطابه من قاموسنا الديني.
ليحل محله خطاب المحبة. والقبول بالأخر بلا شروط.
بلاشروط.
أقبل بك كما أنت.
وأحبك ايضاً.
نزيل الجهاد وجنون الإضطهاد من قاموسنا الديني، ليحل محلهما احترام للنفس ومقدرة على تحمل مسؤوليتها.
عندما ندرك أننا مسؤولون عن اقدارنا، سنكف عن لوم العالم على فشلنا.

إذن هذا من ذاك.
من فَّجر نفسه، وذاك الذي سحل بسيارته، لم يستيقظ يوماً ليقرر فجأة أنه سيقتل خلق الله.
بل فعل ذلك بعد أن تشرب بِخطابنا الديني.
خطاب لم يحط علينا من القمر.
لم تبتكره الولايات المتحدة وإسرائيل في مختبرات كيميائية.
صناعة محلية.
بالدمغة.
نحن من صنعناها.

هذا من ذاك.
الكراهية لا تفرخ إلا كراهية.
وتعاليم الجهاد لا تنتج إلا القتل.

إذن، يوم أمس كنت اتابع ما حدث في لندن.
رجل في الخمسين من عمره. يقود سيارة يدهس بها خلق الله على جسر الويستمينيستر.
يقتل خلق الله.
ووجدت نفسي اسألكما، أصمت أم اكتب؟
أقول ما أفكر به؟
أم ابتلع لِساني، وأغصُ بصمتي؟
ثم عدت أقول، إن صمتنا سيكون قبولا بجريمة ذاك الرجل.
لأن هذا من ذاك الذي نعرفه ونسكت عنه.
ولذا دونت بالقلم ما فكرت به.
وأمري لله.