الحقيقة والوهم في غياب المحليات المصرية

طارق المهدوي
2017 / 3 / 23

الحقيقة والوهم في غياب المحليات المصرية
طارق المهدوي
كانت خريطة المحليات المصرية تضم حوالي ألفين من مجالس الأحياء والقرى والمدن والمراكز والمحافظات بعضوية تتراوح بين عشرة وأربعة وعشرين عضواً لكل مجلس حسب مساحة دائرته وعدد سكانها، أي بإجمالي عددي في عموم جمهورية مصر العربية يقارب خمسة وخمسين ألف نائب محلي مسؤولين افتراضياً عن الرقابة الشعبية المباشرة أولاً بأول في مختلف المواقع الجماهيرية على الأداء الميداني لجهاز الدولة التنفيذي، وقد تم إجراء آخر انتخابات للمحليات المصرية في شهر إبريل عام 2008 وفق القانون رقم 43 لسنة 1979 بتعديلاته المتتالية التي تمثلت آخرها في القانون رقم 84 لسنة 1996، والذي كانت مادته رقم 75 قد نصت بوضوح على منع أفراد الجيش والشرطة والقضاء من الترشح لعضوية المجالس المحلية، وحسب القانون المذكور فقد كان من المنتظر استمرار انعقاد تلك الدورة النيابية المحلية لمدة أربعة أعوام تنتهي عند إجراء انتخابات المحليات التالية في عام 2012، لولا أن المجلس العسكري الحاكم حينذاك أصدر في شهر سبتمبر عام 2011 القانون رقم 116 لسنة 2011 بحل جميع المجالس المحلية المنتخبة وتشكيل مجالس مؤقتة يعينها جهاز الدولة التنفيذي إلى حين إجراء الانتخابات المحلية التالية، وهو ما لم يتم حتى اليوم بسبب تعطيله في حينه من قبل لجنة إعداد الدستور التي قررت خلال شهر أغسطس عام 2012 إلغاء القانون رقم 43 لسنة 1979 المنظم لانتخابات المحليات مع كل تعديلاته، بتبرير معلن حول ضرورة وضع قانون جديد للإدارة المحلية ينسجم مع دستور البلاد الجديد وهو تبرير مقبول نظرياً لولا أن المجلس العسكري أراد به باطلاً عملياً يتمثل في منع إجراء الانتخابات المحلية التالية، حيث مرت إلى يومنا هذا خمسة أعوام أخرى دون إجراء تلك الانتخابات المحلية المنتظرة بحجة ضعيفة هي عدم وضع ذلك القانون الموعود بحجة أخرى أضعف هي استمرار الخلافات حول بنوده بين أعضاء مجلس النواب، وفي الحقيقة فقد أصبح واضحاً لكل ذي عينين أن إجراء الانتخابات المحلية التالية إذا تم أصلاً فإنه لن يتم قبل الانتهاء من انتخابات رئاسة الجمهورية القادمة والمقررة خلال النصف الثاني لعام 2018، لتكمل انتخابات المحليات المصرية عشرة أعوام من غياب يفيد نظام الحكم العسكري الحالي على عدة محاور تشمل فيما تشمله ضمان غياب الرقابة الشعبية عن فساد جهاز الدولة التنفيذي التابع له، إلى جانب ضمان قيام توابعه المعينين من قبله في عضوية المجالس المحلية المؤقتة بتزوير كافة الاستحقاقات الانتخابية التي يشرفون عليها وفي مقدمتها انتخابات رئاسة الجمهورية المقرر إجراؤها العام القادم، بالإضافة إلى استمرار حيازة الحكم العسكري بعدم إجراء الانتخابات المحلية لجزرة إغراء يغوي بها الغافلين من النخب السياسية والمجتمعية، سواء كانت نخب مؤيدة تطمع في الحصول على إرث فلول الحزب الوطني من مقاعد المحليات أو كانت نخب معارضة تطمع في الحصول على إرث فلول الإخوان المسلمين من مقاعد المحليات، حتى يستنزف الحكم العسكري آخر قطرات النفاق النفعي الانتهازي في دم هؤلاء وأولئك قبل إدراكهم لحقيقة إنه لا يبيع لهم سوى الوهم!!.
طارق المهدوي