المقهى والبقالة.. والمال السّهل.. لماذا؟

السيد شبل
2017 / 3 / 21

لو كان لدى بلد عالمثالي كمصر خطة اقتصادية (جمعيّة) لتوظيف الرساميل الداخلية، والأيادي العاملة، والطموح الفردي.. في مشاريع تصنيعية صغيرة، تقوم فيها الدولة (بنفسها أو حتى عبر توظيف بيوت خبرة محليّة) بدور الحاضنة (يعني: تضع الخطة، تحدد المنتجات المطلوب تصنيعها، والمناطق الجغرافية المؤهلة لهذا الدور، تقدم تسهيلات، ترسم خطوات العمل، تمنح التراخيص على حسب الحاجة التسويقية في الداخل أو للتصدير، تراقب قوانين وعقود العمل والتأمين للعاملين...)، لما كنت رأيت مقهى بين كل مقهيين، وبقالة بين كل بقالتين.

الناس عندما تملك من 50 إلى 100 ألف جنيه، أو حتى أضعاف هذا الرقم (بالمشاركة)، لا تعرف، بالضبط، فيما تستثمر؟، وكل إنتاج محلي يتم طحنه عبر المستورد أو وكلاء الأجنبي، وهذا يجعلها تبحث عن المال السّهل (ولا يمكن لومها)، فيكون المخرج بفتح مقهى أو محل بقالة أو مأكولات خفيفة أو محل ألعاب إليكترونية، أو خدمات محمول.. وإلخ (بما يعني، في المحصلة،تراجع حاد في التصنيع، وتحوّل جميع الناشطين في المجال الاستثماري إلى مستوردين، أو بائعي السلع المستوردة -أو المُصنّعة محليًا بالوكالة عن الأجنبي، انتهاءا بتركيم الربح في بنوك بلاده الأصلية-، وهذا أقل ما ينتج عنه انخفاض حاد لقيمة العملة الوطنية لأن الاستيراد وتحويل المستثمر الأجنبي أرباحه إلى دولار استعدادًا لنزحها، يرفعان الطلب على العملة الأجنبية، وفي النهابة تتحوّل البلد إلى عالة، لا تملك إنتاجها، وهشّة سياسيًا لا تملك قرارها..).

انخفاض الرساميل في الداخل، لا يمكن أن يصنع إنتاجًا ضخمًا إلا عبر (تجميعها) سواء عبر الاكتتاب أو توظيف المدخرات، حينها يقوم القطاع العام بالنهوض بالمشروع ككل، أو باحتضان وتوظيف أصحاب تلك الأموال، وتوجيههم لمشاريع تصنيعية صغيرة، للحصول على منتج نهائي اشترك في تصنيع كل جزئية فيه أو تربيط أجزاءه، وحدة إنتاجية مختلفة (مثلا: كما يحدث في إنتاج الأثاث بدمياط، الذي يتم توريد قدر معتبر منه للخارج).

الشارع المصري، لا يزال يُقدّر -على المستوى الاجتماعي- الصانع (صاحب المصنع)، والزارع (مالك مزرعة شرط استخدام وسائل حديثة لا بدائية)، أكثر من التاجر (بكافة أشكاله)، أو صاحب النشاط الخدمي، لماذا لا يتم الاستفادة من ذلك؟، وعليه لو سألت أي صاحب مقهى أو محل وجبات سريعة لوجدت لديه استعداد للتصنيع، شرط أن يعرف ماذا يُصنّع؟، وفي أي اتجاه يسير بمنتجه؟. لا ننادي هنا بتحمّل (الخطة العامة) نسبة المخاطرة كاملة نيابة عن الصانع (عليها أن تجتهد لتقليل النسبة)، لكنها بالحقيقة ستبقى في كل الأحوال، ولو محدودة، لكنه سيتحملها، لأنه بالطبيعة هناك نسبة مخاطرة في تجارته (وكما أن الآلة يمكنها أن تخرب أو يفسد منتجها، فبالبضاعة المُتاجر فيها يمكنها أن تفسد وتركد..)، كما أن العائد النفسي الذي يوفره "التصنيع" أو "الزراعة الحديثة" سيجعله أكثر صبرًا (وتحمل نسبة المخاطرة الأعلى في التصنيع عن التجارة)، خاصة لو تم ربط ما هو فردي بما هو جمعي، وأن التصنيع والتقليل من الوارد، وسد حاجات السوق المحلي، والسير نحو التصدير، ينعكس إيجابا على المجتمع ككل، بما فيه أسرة الصانع نفسها، والبيئة القريبة المحيطة به.

لكن الرأسمال العاملي لا يريد بلاد الجنوب إلا #سوق لبيع منتجاته، أو #يد_عاملة رخيصة في مصانعه، ومصدر لـ #المواد_الخام (في ضوء هذا تعمل السلطات المحلية).. لذا تكون المشاريع في الدول التابعة اقتصاديًا، التي يدور فيها الاقتصاد لخدمة أقلية، دومًا تجارية، أو خدمية
وجه آخر للأزمة

من جهة أخرى، فبحسب عقلية الإدارة المحلية قصيرة النظر، فإنه (يريحها) كثيرًا، عندما يتحول قطاع معتبر من المواطنين إلى مالكي وسائل وأصول إنتاجية صغيرة (كشك بقالة، توكتوك، مقهى، ورشة إصلاح، خدمات محمول..)، فهي، أولًا: تدير عجلة الرأسمال العالمي، والسلطة في هذه الحالة مُشكّلة أساسا من وكلاء لهذا الرأسماليات، كما أنها تحظى بالرضا السياسي "الدولي"؛ ثانيًا، تُلهي أصحاب تلك الأنشطة عن مطالبة الدولة بشيء، فالكل يرفع الأسعار على الكل، ويعوّض انهيار قيمة العملة الوطنية على حساب "الزبون"، كما أنه يعزز "الأنانية"، ويبارك فكرة موهومة تتعلق بـ"الخلاص الفردي"، على العكس من البيئة العمّالية (سواء بمعناها الأصلي والأكثر جدّية في المصانع الضخمة، أو العاملين بأجر مُحدّد -لا فقط محدود-، الذين يتأثرون بارتفاع الأسعار، ولا يمكنهم مجاراتها، وواقع معاشهم يُرسخ فيهم فكرة أن الخلاص لا يكون إلا جمعيًا)، كما أن البرجوازية الصغيرة ترضى بأن تتهمش اجتماعيًا وتنعزل في مناطق أقل حضارة وخدماتًا وأناقة، على العكس من العامل بأجر، بداية من الطبيب -الذي لا يملك مركزًا طبيًا أو عيادة-، ومرورا بالصيدلي -العامل بالحكومة أو في صيدلية الغير- إلى سائق النقل العام والموظف الجالس خلف مكتب، فهو أكثر طموحًا لحياة نظيفة (نظيفة لا طبقية)، ولا يتقبل فكرة التهميش الاجتماعي، ويريد أن يتقاضى أجرًا مقابل عرقه، وحياة ليس منبوذًا فيها، داخل عشوائيات وأحياء فقيرة، يتم دفعه إليها وحصره فيها من قبل ساكني "الكمبوندات"، ويرجع هذا إلى أن الموظف أو العامل ضمن منشآه كبيرة، أقوى نفسيًا (بسبب الاستقرار، والإحساس بالانتماء إلى كيان، وشعوره بقيمة ما درسه، ووزن الشهادة الحاصل عليها -أيا ما كانت-) من البرجوزاي الصغير، ولديه إحساس أقوى بسواسية البشر (وأن العلم والجهد، لا المال، هي معيار التميّز)، كما أن لديه متسع من الوقت (يعمل 8 ساعات) للاطلاع والمشاهدة والتفكير في حاله وبيئته ويقارنها بغيره، على العكس من البرجوازي الصغير، الذي لا يترك لنفسه هامشًا من الوقت للتفكير، فهو مشغول بمراكمة الربح (لا البيئة التي يراكم فيها الربح)، والربح عنده مرتبط عنده بتكثيف ساعات العمل، أو توظيف عمال معاونين، والمنافسة عنده لا تكون في تحسين البيئة، وإنما في التميز ضمن أقرانه، داخلها (أيا ما كان مستواها الحضاري المتدني)

وعليه تتحالف إرادة السلطة العالمية، والمحلية، بهدف "تكسيح" البلد، من أي صناعة ضخمة، بالإضافة إلى تحويل مواطنها إلى ترس في خدمة الخارج.