بالتصوف الذى نشر الخنوع : إحتكر الحاكم الظلم ومارسه كشعيرة دينية

أحمد صبحى منصور
2017 / 3 / 20

بالتصوف الذى نشر الخنوع : إحتكر الحاكم الظلم ومارسه كشعيرة دينية
كتاب : نشأة وتطور أديان المسلمين الأرضية
الباب الأول : الأرضية التاريخية عن نشأة وتطور أديان المحمديين الأرضية
الفصل السابع : الارهاب الوهابى وقلب المعادلة فى أواخر العصر العثمانى

بين (التصوف المملوكي) (والظلم المملوكي)
1 ـ يلفت النظر ما يلاحظه الباحث في العصر المملوكي من ازدهار مضطرد لظاهرتين هما التصوف والظلم ، ويلفت النظر أيضاً انعدام الثورة المصرية على ذلك العسف المملوكي الذي يتزايد بتزايد الوقت وبازدياد عدد الداخلين في التصوف مما يجعل أصابع الاتهام تشير إلى رجالات التصوف المملوكي بحكم نفوذهم على المظلومين وتعاونهم مع الظالمين .. العصر المملوكي قد مر بدون ثورة تستحق الذكر مع ما تحمله المصريون من عسف تلك الطبقة المملوكية الغريبة ، فالمنطق يحتم أن يكون الدين في هذا العصر مؤثراً في ذلك السكوت المريب على الظلم. وقد كان التصوف زبدة الشعور الديني السائد في ذلك العصر. ولكن التصوف شيء والإسلام شيء آخر؛ فالإسلام حرم الظلم والرضي به والاستكانة له مع القدرة على مواجهته .
2 ـ ولكن أولياء التصوف طبقوا دينهم الصوفى ، فقاموا بدور خطير في إخماد الثورات المصرية ببث الخنوع والنفاق في نفسية الشعب ، واستخدموا الدين نفسه في إخضاع الرقاب للظلمة، ولماذا يثور الناس وهم يعتقدون أن ظلم الحكام هو كله من عند الله وأن الحاكم هو مجرد سوط يعذب به الله الناس ، كما علمهم صوفية ذلك العصر ..!.
الظلم في العصر المملوكي : ــ
1 ـ والظلم في العصر المملوكي نتيجة واقعية لحكم عسكري غريب عن الشعب ومتحكم فيه اعتماداً على طائفة صوفية استحوذت على اعتقاد الشعب وتقديسه ــ وهذا في حد ذاته غريب عن عقائد الإسلام ــ فجني الفريقان ـ المماليك والصوفية ـ الغُنم ودفع الشعب الغُرم في الدنيا والآخرة معاً..
2- وقد تفنن المؤرخون للعصر المملوكي في وصف أنواع الظلم وطوائف الظلمة .
فالأمير أرغون شاه وصفه أبو المحاسن بأنه من (الظلمة الغشمة الفسقة عارف بفنون المباشرة وتنويع المظالم ) ، أتى أنه خلط بين المباشرة والمظالم ووصف الأمير المملوكي بالخبرة في الظلم. ومع ذلك فإن المؤرخ أبا المحاسن وهو مؤرخ من أصل مملوكي يدافع عن السلطان المؤيد شيخ بأن للسلطان أن يقتل من اختار قتله ،
أما ابن إياس وقد كان رشيق الثقافة فقد مدح السلطان أينال بأنه لم يسفك دماً قط في أيام سلطنته " بغير وجه شرعي " وقال (وهذه من النوادر الغريبة ) ، وقوله ( بدون وجه شرعى ) مضحك ، لأن الشرع الشائع وقتها يجعل من حق السلطان قتل من يشاء . هذا علاوة على قيام السلاطين بتسخير القضاة لمآربهم وإعدام خصومهم .
3- ولا تكاد تخلو ترجمة لمملوك من الإشارة لظلمه وقسوته. ويكفى أن يراجع المرء بضع ورقات من أي حولية مملوكية ليسمع أنات المظلومين . أما الجند العاديون ممن حرموا الترجمة المستقلة في كتب الحوليات فقد وجدوا في الفتن وسيلة لنهب الناس وإرتكاب الفسق بالنساء والصبيان والقتل . وليس ذلك بالشيء الهين، فالفتن المملوكية كانت مستمرة خاصة في أوقات مرض السلطان واحتضاره أو في غيبته . وابن إياس كمؤرخ شعبي خير من يمثل هذا الحال ، يقول في حوادث سنة 872 يصف الأحوال وقت احتضار خشقدم ( ... هذا كله جرى والسلطان (خشقدم) في التلف والإشاعة قائمة بموته والقاهرة في اضطراب ليلاً ونهاراً .. والمشاعلية تنادى بطول الليل بالأمان والاطمئنان وأن أحداً لا يخرج من داره من بعد العشاء ، وكان كل من رآه يمشى من بعد العشاء تقطع أذنيه ومنخاره أو يضربه بالمقارع، فاستمر الحال على ذلك نحو من عشرين يوماً والناس في اضطراب) . وعد ابن إياس (من جملة ألطاف الله تعالى أن في غيبة السلطان (قايتباي في الشام 882 ) لم يقع الخلاف بين الأمراء بل كان الأمان والاطمئنان في القاهرة وجميع ضواحيها حتى عد ذلك من النوادر) .
4- والمصادرات من أبرز مظاهر الظلم يقول المقريزي في حوادث سنة 814 (وفيه شنعت المصادرات بالقاهرة وفحُش أخذ الأموال من الناس ، حتى خاف البريء وتوقع كل أحد أن يحل به البلاء) وأصبحت المصادرات حقاً عرفياً للسلطان يعاقب به من يشاء، فصادر برقوق ميراث أحد التجار وحرم الورثة منه ( فكان هذا أول شيء حدث من المظالم العظيمة من برقوق، واستمر يفتح من أبواب المظالم شيئاً بعد شيء) . وقُبض على ناظر الخاص ابن البقري وهو واقف في الخدمة لأن نساءه اجتمعن في داره لفرح وعليهن من اللؤلؤ والجواهر والذهب والحرير ما يجل قيمته فصادر برقوق ذلك كله فبلغ نحواً من مائتي ألف دينار .. وضرب ابن البقري بالمقارع وأخذ منه ما يقارن الثلثمائة دينار .
ويقول ابن إياس عن حوادث سنة 875 (وفيه وقعت فيه نادرة غريبة وهي أن السلطان (قايتباي) أعاد إلى جماعة ما كان أخذه منهم من المال ما صادرهم) وقال ( ولكن فعل بعد ذلك بالمصادرات وأخذ الأموال ما يعجز عنه الواصفون). وعدّ ابن إياس من النوادر أيضاً أن قايتباي أعطى ورثة نجار فقير مائة دينار لأنه سقط فمات أثناء عمله بالقلعة وأن السلطان شمَّت كاتب السر حين عطس .ومع ذلك فإن قايتباي كان من خيرة السلاطين المماليك .
5 ـ والظلم مؤذن بالخراب وقد بلغ عدد الحائكين في عهد برسباي ثمانمائة بالإسكندرية بعد أن كانوا أربعة عشر ألفاً. يقول أبو المحاسن ( فانظر إلى هذا التفاوت في هذه السنين القليلة ، وذلك لظلم ولاة الأمور وسوء سيرتهم وعدم معرفتهم كونهم يطعمون في النزر اليسير بالظلم فيفوتهم أموال كثيرة مع العدل .والفرق بين العامر والخراب ظاهر) . وبعد أن ذكر المقريزي أنواع المكوس والمظالم في عهده قال: ( ولعمري لقد سمعت عجائز أهلنا وأنا صغير يقلن: أنه ليأتي على الناس زمان يترحمون فيه على فرعون)(ولقد وقع ما أنذرنا به من قبل ولله عاقبة الأمور) ..
6 ـ والظلم في القرى كان أشد إيلاماً ولكن قلما تتعرض له المصادر التاريخية التى تركز على السلطان وحاشيته والقاهرة . وتردد في كتاب( هز القحوف) قصص عن خوف الفلاحين من انكسار مال السلطان . وفي حوادث سنة 817 (أظهر الأستادار المظالم في البلاد حتى شتت الفلاحين وأخرب البلاد وجبى الأموال بالعسف وسار به للسلطان) .
7 ــ وبسبب ذلك الظلم الفادح كان الكثير من الفلاحين يهربون من قُراهم . وسُنَّت لذلك عقوبات صارمة توقع على الهاربين ، ومع ذلك فإن كثيراً منهم نجح في الهرب وصار من الصوفية فاستفاد بهم التصوف وضم كثيراً منهم ، ففي مناقب الحنفي أخبارهم ومعاناتهم في القرى قبل تصوفهم . ووجد آخرون في أروقة القاهرة وحاراتها ملجأ للهرب حتى أنه نودي في القاهرة بخروجهم إلى بلادهم (فلم يعمل بذلك) .
8 ـ والأمثال الشعبية في العصر المملوكي تصور يأس الشعب من كل حاكم مهما أعلن عن عزمه على العدل فسينحو نحو من سبقه . وفي المستظرف(لا تفرح عمن يروح حتى تنظر من يجئ) .!!
وفي الأمثال اللاحقة للعصر المملوكي تفصيلات أكثر عن الظلم : ( اضرب البريء لما يقر المتهوم) (حاميها حراميها) (سيف السلطنة طويل). وترسب في الضمير معنى لكلمة (الستر) (واللي سترها في الأول يسترها في التاني) .ولا تزال الأم الريفية تدعو لابنها (الله يكفيك شر الحاكم الظالم).

دور أولياء التصوف في إرساء الظلم:

وضح هذا الدور في الكتابات الصوفية في الدولة البرجية حيث عم التصوف المملوكي والظلم معا إلى درجة صرحت معها المصادر الصوفية بما يصح وصفه بسياسة الصوفية في مساندة الظلم والظلمة .ويمكن أن تتبين ملامح هذا التأييد في خطين متوازيين: الأول :مناصرة الظلمة ونفاقهم . الثاني: دعوة المظلومين للرضا والخنوع ثم دعوتهم لنفاق الظلمة وصبغ ذلك كله بالدين وهو منهم برئ ...
وسنعرض لذلك بالتفصيل : ـ
أولا : ـ مناصرة الظلمة ونفاقهم :ـ
1 ـ وقد حرص المماليك في وثائق الوقف على المؤسسات الصوفية على إلزام الصوفية المعينين فيها بالدعاء لهم والاستغفار من أجلهم ليمارسوا الظلم وهم آمنون من غضب الله حسبما يعتقدون .
2 ــ وتمتعوا مع ذلك برضا أعوانهم من أولياء التصوف وحمايتهم في الدنيا والآخرة بزعمهم. وقد صرح أحدهم بالمغفرة للوالي مع ظلمه واعتاد آخرون أكل طعام الظلمة ، واجتهد الشعراني في تلمس الأعذار لهم وعدم الاعتراض عليهم .
وتطوع المتبولي بصحبة الولاة(والأخذ بأيديهم في الشدائد دون مقابل)كما يروى الشعراني الذي يذكر أن العهود أخذت عليه بأن(نحوط جميع الولاة على اختلاف مراتبهم صباحا ومساءاً.. حتى لا ينزل عليهم بلاء) وافتخر بأنه موضع سر الولاة وأنه(لا يفشي سر من صحبه من الولاة إذا قربه وشاوره في أموره) وافتخر بمولاته (لمن والى الإمام الأعظم) .
3 ــ واستند الظلمة من ناحيتهم لمشاهير الصوفية المملوكيين فورد في مناقب الحنفي أن "ابن التمار هو من الظلمة المباشرين كان مستندا للفقراء البسطامية ولهم شيخ مبارك يعرف بالبسطامي)
4 ـ واتخذ الظلمة من هذا التحالف ذريعة لزيادة الظلم واعترف الشعراني بهذا فيقول(أكثر الحكام يظلم وينهب ويجور ويبلص ويهلك الحرث والنسل ويقول ما دام الشيخ طيباً علىَّ ما أخاف) .
وهكذا تقربوا لأولئك الأولياء (ولسان حالهم يقول ما دام سيدي الشيخ يدعو لنا وهو حامل حملتنا لا نبالي ولو ظلمنا العباد والبلاد) .
5 ـ ومن الطبيعي أن ينجو حلفاء الظالمين من ظلم الحكام ، فالشعراني نفسه الذي شهدنا رفقه بولاة الأمور وموالاته لهم يفخر ( بحماية أوقاف زاويته من الظلمة) في وقت اشتد فيه الظلم على كاهل الآخرين .
6 ـ وهكذا لم ير الظلمة من المماليك تعارضاً بين الظلم والدين، حيث أن ممثلي الدين في نظرهم يباركون ظلمهم للناس ، فلم يعد غريباً أن نقرأ في ترجمة الأمير تمراز أنه كان (يظهر التدين ويقرأ القرآن وبه بطش وظلم وجبروت وكان يعاقب العقوبة الشديدة المؤلمة على الذنب الصغير)
أما يلبغا السالمي فكان يضرب المظلوم (..ثم يصلي ثمان ركعات مع إطالة ركوعها وسجودها ولا يجسر أحد أن يترك الضرب دون فراغه)
ويصور الشاعر الحراتي هذه الحالة الفريدة في أبياته
قد بلينا بأمير ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فينا يذكر الله ويذبح
وتقول الأمثال الشعبية في العصر المملوكي (فم يسبح وقلب يدبح)
7 ـ (ا ) ومن ناحية أخرى قام بعضهم بنفاق الظلمة فالبوصيري الشاعر الصوفي المشهور تغالي في مدح المماليك وهجاء العرب ومدح الشجاعي أحد مشاهير الظلمة .
( ب) وتأثر مؤرخو العصر بالتصوف السائد ودانوا به فألفوا كتبا ملأوها نفاقا للسلاطين مثل الروض الزاهر للعيني والدر الفاخر لابن أيبك وتاريخ قايتباي للسيوطي وسيرة قلاوون والألطاف الخفية وغيرها .
( ج) ووضع أولياء التصوف لأنفسهم قواعد لنفاق الظلمة . فالخواص مثلاً كان إذا بلغه أن أمير عزم على زيارته يبادر بالذهاب للأمير ليخفف عنه المشقة ،ويلوم الخواص المظلومين وينافق الظلمة حين يقول (والله لو تولى الخضر عليه السلام أو القطب شيئاً من ولايات هذا الزمان لما قدر أن يفعل مع الناس إلا ما يستحقونه بأعمالهم ... إنما هي أعمالكم ترد عليكم) وكفى بهذا تحريضاً على الظلم . وأمر الشعراني الصوفية إذا اجتمعوا بسلطان أو أمير أو كبير:(أن نسأله أن يدعو لنا ولو كان غير صالح فإن الله تعالى يستحي أن يرد دعاء هؤلاء الأكابر بين قومهم ورعيتهم) وعد من المنن تأدبه مع الأمير الذي للشعراني عليه أيادي (فإنه أتم نظر منه ولذلك ولاه الله البلاد والرقاب) وإذا دخل على أمير لا يذكر له حديث الأمير الذي كان قبله بخير خوفاً من إثارة نفسه حيث يكره أصدقاء الأمير السابق وإن من المنن حسن سياسته للأمراء ويكتب لهم الكلام الحسن ويؤول ذلك في نفسه يقول (وهذا دأبي دائماً في سياسة الولاة إذا علمت أن أحداً منهم ظلم إنساناً لا أجعل ذلك الظلم على علمه وإنما أقول بلغنا أن جماعتك ظلموا فلاناً من غير علمك . وكثيراً ما أقول السلام على الأخ العزيز العبد الصالح فلان ، وأقصد بذلك صلاحه لأحد الدارين الجنة أو النار) .. ونفاق الشعراني للسلطان وأولى الأمر وصل إلى درجة ادعائه المرض وامتناعه عن الأكل والنوم والضحك والجماع إذا ألمّ عارض بالظلمة مواساة لهم ، وقد كان هذا شان شيوخه .
ثانياً : التأثير على المظلومين للرضا بالظلم :
ومن ناحية أخرى حرص الصوفية على دعوة المظلومين للرضا بالظلم والخنوع بل ونفاق المظلومين للظلمة :
1ـ إما بالتخويف : ـ
فأوجب المتبولي على كل من لا يقدر على حماية نفسه من ظلم الولاة ألا يتعرض لإزالة منكراتهم خوفاً من إيذائهم . وأسهب الشعراني في بيان العقوبات التي واجهها من حاول إزالة ظلم الولاة .
2ـ وإما باستغلال الوازع الديني والمنطق المعكوس : ـ
فالشعراني جعل من أخلاق السلف الصالح كثرة الصبر على جور الحكام لأنهم يعتقدون استحقاقهم الظلم نظير ما ارتكبوه من ذنوب ،ويجب أن يتأسى الآخرون بهم (ومن استحق أن يحرق بالنار فصولح بالرماد لا ينبغي له أن يتكدر وأيضاً فإن الظالمين ما ظلمونا حتى ظلمنا أنفسنا أو غيرنا ومن تأمل حال الظالمين في هذه الدار وجدهم من حيث الأداة كزبانية جهنم) وقال الخواص (الحاكم ظل والرعية شاخص فإن كان الشاخص أعوج كان ظله أعوج... فكل من شكا لنا من عوج أميره عرفنا عوجه هو) ،بل إن السلطان الجائر ـ في رأى الخواص ـ (يدخل ضمن قول الرسول عليه السلام: لا تنازعوا الأمر أهله إذ لولا استحقاق الخلق له ما ولاه الحق عليهم). وأوصي الخواص الشعراني ألا يعترض على( من ولاه الله على الناس فإن المولِي له هو الله وألا يتكلم في حق الولاة الظالمين لأن ذلك يسقط أجر الصبر علي ظلمهم) .
3 ـ وأكد الصوفية على تحاشي الدعاء على الظلمة لأن جورهم لم يصدر حقيقة عنهم وإنما صدر عن المظلوم إذ لا يصح أن المظلوم يظلِم حتى يُظلم والحكام إنما مسلطون بحسب الأعمال .
4 ـ فالظالم حكمه حكم السوط الذي يضرب به ومع أن الحق تعالى يقول( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم.. النساء 148) إلا أن الشعراني جعل من الآداب عدم سب الولاة الظالمين وإن جاروا .
5 ـ بل ومنعوا اغتياب الظلمة : ـ (بعدم الجلوس في مجالس القيل و القال والطعن فيمن ولاه الولاة)( وعدم ذكر مساوئ أكابر الدولة في المجالس واحتمال آذاهم )( وألا يكثروا من اللغو وجرّ قوافي الولاة وغيرهم) .. إلى هذا الحد لم يسمحوا للمظلوم بأي متنفس ..
6ـ وفي الوقت نفسه أوجبوا على المظلومين طاعة الظلمة بما يفرضون عليهم من مظالم ، فالمتبولي كان يوصي التجار بإعطاء(جباة الظلم)(عاداتهم وإلا حصل لكم الضرر أشد ما بخلتم به عليهم) (وكان يقول للتجار الذين يجيئون من الشام إلى مصر أعطوا الظلمة عادتهم) ،وقد أخذت العهود على الشعراني بالمبادرة إلى إعطاء المغارم للظلمة وعدم التشفع في ردها لأن ذلك حماية من الله وسترة للمظلوم. ويقول :( وكان هذا خلق على الخواص الذي كان يزن المغارم كآحاد الناس ويقول إن الله يكره العبد المتميز عن أخيه) ، وتلك دعوة ليتأسى بها المظلومون.
7 ـ ثم أوجبوا تعظيم الظَلَمة وتكريمهم : ـ (أدباً مع الله الذي ولّاهم وحكمّهم فينا) بل أوجبوا تقبيل أيديهم وأرجلهم والقيام لهم في الطريق (إعطاء للمراتب حقها أو دفعاً لشرهم)، وكان الخواص يقول مراراً ( مذهبي القيام للأمراء) . وقد قبّل الخواص قدم المحتسب (أدباً مع الله الذي ولاه) رغم إنكار بعض الفقهاء عليه ذلك . ولنا وقفة مع الفقهاء فيما بعد ..
8 ـ ثم دعا الشعراني المظلومين إلى نفاق الظَلمة وقعّد لذلك القواعد وربطها بالدين الصوفى كعادته .
أ) فيقول :"أخذ علينا العهود أن ندور مع أهل زماننا ونخدع لهم .. ونتلون لهم كما يتلونون لنا .. وأن نأمر إخواننا بأن يدوروا مع الزمان وأهله كيف داروا ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم ولو في أمور الدنيا وولايتها كل ذلك أدباً مع الله عز وجل الذي رفعهم فإنه ما يرفع أحداً إلا لحكمة ."
ب) (ولا ترفع الشفاعة لحاكم إذا كان منحرف المزاج من المشفوع له ولا يقام مولد في أيام نكد السلطان إلا أن يقصد صاحب المولد الدعاء للسلطان بالنصر وإهدائه ما يقرأ في المولد من قرآن .
ج) وألا يمكن أحداً من الأكابر حضور الموالد للأولياء ( فإن ذلك من سوء الأدب ومن أين لأمثالنا من الضعفاء أن يستحق مشي الأكابر إلى داره) .
د) وإذا حبس صديق أو قريب فتؤمر جماعته وإخوانه بعدم كثرة زيارته في الحبس وعدم كثرة إرسال الأطعمة له بل منعهم من ذلك أصلا إن أمكن (وذلك لأن المحبوس كلما ضاقت عليه كلما قصرت مدة حبسه) وليس ذلك في حاجة لتعليق..
هـ)وأخيراً فإن هذا النفاق للحاكم مقصور على أيام حكمه، فإن عزل من ولايته فلا تعظيم ولا نفاق
(لأن التعظيم حقيقة إنما هو للرتب لا للذوات، فمن عظّم أميراً أو صاحب جهة في أيام عزله كما كان أيام ولايته أخطأ وجه الحكمة ونقص مقامه بقدر ما رفع ذلك المعزول) ...
ومع الأسف فإن البيئة الشعبية انقادت لهذه التعليمات بحكم اعتقاها في أولئك الصوفية . وقد ترددت أمثال شعبية في العصر المملوكي تعبر عن هذه الروح الوضيعة التي يأباها الله ودينه ومع ذلك فقد صبغت بمنطق معكوس يسير على النهج السابق لأولئك الصوفية المملوكيين .. ومن تلك الأمثال(الخضوع عند الحاجة رجولية)(الناس أتباع لمن غلب) (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم) .
وبعد العصر المملوكي حكيت أمثال أخرى على نفس النمط ( ضرب الحاكم شرف) (علقة تفوت ولا حد يموت)(طاطي لما تفوت)(ما حد يقول يا جندي غطي دقنك).
وكل ذلك للحفاظ على حياة ذليلة ، فإن خسر تلك الحياة ظلماً ـ وكثيرا ما يحدث هذا ـ يقول له المثل حينئذ ـ (المخوزق يشتم السلطان) . وألفاظ الملق والنفاق كثيرة في اللغة الشعبية يلمح فيها أثر الصوفية مثل (در مع الأيام إذا دارت)(إن دخلت بلد تعبد عجل حش وأطعمه)(اللي ما تقدر تواقعه نافقه) (اللي ما تقدر عليه فارقه وإلا بوس أيديه)( الأيد اللي ما تقدر تقطعها بوسها)( بوس الأيادي ضحك على الدقون)(إن كان لك عند الكلب حاجة قول له يا سِيد) ..
وأغلب تلك الأمثلة متأثرة كما يبدو بكتابات الشعراني إلا أن بعضها خرج عن تعليماته بالمثل القائل (السلطان مع هيبته ينشتم في غيبته) فقد منع الشعراني من شتم الظَلَمة واغتيابهم ..