الدفاع عن المحاصصة الطائفية صراحة - 2من 2 -

علاء اللامي
2017 / 3 / 15

المثال الإسرائيلي والمحاصصة الطائفية: في الحقيقة فإن الكاتب عامر بدر حسون لا يأتي بجديد حين يكتب (البرلمان يتكون من الفائزين في الانتخابات، وعددهم عندنا يزيد على 320 نائبا، ومن غالبية هؤلاء النواب تتشكل الحكومة وتحصل على موافقتهم أولا! لا يوجد في العراق حزب يمكن ان يفوز بالأكثرية المطلقة في الانتخابات (50+1) حتى يستطيع تشكيل الحكومة لوحده وتحويل الاخرين الى معارضة برلمانية.. ولن توجد هذه الامكانية حتى وقت غير قصير. فما العمل؟) إن تساؤل الكاتب "ما العمل؟ " لا يعني البحث عن حل أو بديل على طريقة عنوان كتاب مؤسس الاتحاد السوفيتي فلاديمر لينين " ما العمل ؟" بل هو يشي بأن قائله لا يريد بديلا بل هو يعتبر البديل تخريبا وكارثة وها هو الواقع أمامه و ما عليه سوى الاعتراف به وتكريسه ولتسويقه للآخرين كقدر مقدور ومحتم لا راد له. لنذكر عرضا ان حسون حين يكتب (لا يوجد في العراق حزب يمكن ان يفوز بالأكثرية المطلقة في الانتخابات (50+1) حتى يستطيع تشكيل الحكومة لوحده وتحويل الاخرين الى معارضة برلمانية) لا يتعب نفسه فيسأل عن سبب عدم وجود هذا الحزب والذي يكمن في ان النظام هو نظام طائفي في دولة مكونات لا دولة مواطنة لدرجة أن أعرق الأحزاب السياسية الوطنية البرنامج والتكوين كالحزب الشيوعي العراقي تم اعتبار ممثليه في مجلس الحكم الذي أسسه الاحتلال الأميركي و بموافقة مجموعة حميد مجيد وفخري كريم ومفيد الجزائري التي تقوده بطريقة أشبه بالاختطاف ، تم اعتبارها جزءا من الحصة الشيعية في الكعكة السلطوية!
الغريب أن حسون يعود إلى الأسطوانية المشروخة التي شغَّلها حسن العلوي وسلفت الإشارة إليها، ولكنه عوضا عن ضرب الأمثلة من بريطانيا و الولايات المتحدة، يلجأ الى مثال عزيز على قلوب الطائفيين والمدافعين عن الاحتلال وإفرازاته هو مثال "دولة إسرائيل"، و تحديدا شخص مجرمة الحرب الممنوعة من دخول عدد من الدول الأوربية تسيفي ليفني، لنقرأ ما كتب حسون بهذا الصدد ( لسنا فتحا جديدا في هذه السياسة.. فغالبية من الدول مرت وتمر بهذه الحالة.. وقبل سنوات فازت تسيفني ليفي في الانتخابات الاسرائيلية وكلفت بتشكيل الحكومة.. وكانت بحاجة لصوت واحد في الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) حتى تعلن حكومتها.. لكن الحزب (الذي كان يملك صوتا واحدا في البرلمان) طلب ثمنا غاليا مقابل دعمه فرفضت تقديمه له وهكذا ذهبت رئاسة الحكومة لنتنياهو! لم يهتف احد هناك ضد المحاصصة..) في الواقع – وسأقوم هنا بدور محامي الشيطان مضطرا- فإن دولة الكيان الصهيوني النووية والمجرمة بحق شعوب المنطقة القائمة على اغتصاب أرض شعب آخر والمحمية من الغرب الإمبريالي وزعيمته صانعة حكم المحاصصة الطائفية في العراق ، هذه " الإسرائيل" بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب لأنها لا تقوم على أساس "المحاصصة الطائفية" بل تتصرف دولتها الاستيطانية العنصرية حسب آليات اللعبة اللبرالية الانتخابية في مجتمعات مندمجة، مع انها أصلا دولة لمجتمع من المهاجرين وشذاذ الآفاق وليسوا من المواطنين الأصليين. والانتخابات فيها، وبالتالي تشكيل الحكومات، لا يقوم على التحاصص بين زاعمي تمثيل الطوائف والعرقيات بل بين أحزاب إسرائيلية مدنية في دولة تفصل – وإن بشكل مضحك – بين الدين والدولة! وقلت بشكل مضحك لأن إسرائيل وزعماءها في الوقت نفسه الذي تتبجح فيه بعلمانيتها فهي تطالب العالم وبخاصة السكان الأصليين الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية خاصة باليهود .
إذن فالمثال الصهيوني الذي ضربه حسون محاولا أن يجعله مثله الديموقراطي المحاصصاتي الأعلى لم يكن موفقا البتة بل هو محض تهريج بائس، وقد يعتبره البعض ترويجا مشبوها للصهيونية ودولتها.
حسون والبدائل والاحتمالات "خوجه علي مُلا علي": يصعد حسون في خطابه درجة أخرى وها هو يحرض ضد ، أو يسفه أية محاولة من داخل النظام للخروج من المحاصصة ومحاصرتها أو التخفيف من حدتها ومن خنقها للدولة والمجتمع مع أن محاولات إصلاح النظام من داخله باتت عمليا مضحة و شبه مستحيلة ، ولكنه يقف ضدها لأسباب مختلفة ولا علاقة لها بالبديل الوطني الديموقراطي بل بالحفاظ على الواقع الفاسد والمنخور القائم، فيكتب ( لكن ماذا سيحصل لو استطاعت الاحزاب الشيعية "شراء" نواب سنّة او كرد او من الاقليات لاكمال العدد المطلوب لتشكيل الحكومة؟ سنحصل على كارثة متكاملة اسمها الحكومة الشيعية التي تحكم الكرد والسنة.. واين؟ في بلد خرج للتو من حرب طائفية ما زالت اثارها تتحكم بالكثير!) نمر على عبارة الكاتب المهينة وذات الدلالات "شراء نواب"، ونسجل انه يتخيل إمكانية تشكيل حكومة من الشيعة فقط، وهذا شبه محال، ولم يفكر فيه أعتى الطائفيين الشيعة، ولكننا نشم هنا تحديدا رائحة الفزع والذعر الذي عبرت عنه القيادات الكردية وخصوصا مسعود البارزاني حين ظهرت إمكانية تشكيل حكومة أغلبية سياسية بين تحالفي المالكي وعلاوي ذات مرة بعد الانتخابات التشريعية وحينها قامت قيامة الاتحاد الكردستاني ولم تقعد إلا بعد بفشل المحاولة وتخريبها بتآمر من المشبوه طارق الهاشمي وقيادته آنذاك كما انكشف لاحقا.
ثم يمضي حسون ليتخيل احتمالات أخرى منها تشكيل حكومة من ممثلي الشيعة والسنة فقط وهنا كما يعلن سيتحقق (الخراب النهائي في العلاقة مع والكرد) ثم يكتب تخيلا آخر ( لكن ماذا سيحصل لو اتفق الشيعة والكرد وطردوا السنة من المشاركة في الحكومة؟! ستكون هناك حكومة شيعية كردية موجهة علنا ضد السنّة وهي الكارثة المحققة دون شك!). وحسون ينسى وربما يتناسى أن الحكم القائم في العراق يتشكل جوهريا على أساس تحالف شيعي كردي وليس للعرب السنة سوى خيار المشاركة أو العدم ، وبعد كل هذه التخيلات الأقرب إلى الكوابيس ها نحن في موقف يذكرنا بجدنا الفاتح طارق بن زياد فالمحاصصة من ورائنا و من أمامنا وليس لنا و الله إلا المحاصصة ثم المحاصصة فالمحاصصة! فيا لبؤس المسعى وخراب التدبير!
بصراحة، ومع الاحترام لشخص وبشرية الكاتب، فإن ما يقوله هنا لا يستحق الرد والتعليق فهو كلام متهافت وتحريضي لا يستند إلى وعي سياسي أو حتى نباهة صحافية مهما كانت بسيطة. أما قوله أن ( هناك حل طبيعي لكنه بطيء ويتمثل في تطور وعي الناخبين وانتخاب قوى عابرة للطوائف والقوميات.. وهذه القوى يمكنها ان تحدث التغيير المطلوب) فهو مجرد كيشلة لذر الرماد في العيون كما يبدو وإلا لكان توقف عند هذه الفكرة وطورها لتكون طريقه إلى بديل معقول وقابل للنقاش لا أن يطلقها كتهويمة صغيرة وشاحبة في سماء الاحتمالات العامة أو كما يقول العراقيون ( كلمة إل تنقال ) .
إن الكاتب مأخوذ بشبح و واقع المحاصصة معا، وهو لا يتخيل أي بديل فعلي وملموس أو حل جذري وعملي لتناقضاتها حتى من داخلها – الاحتمال الذي لا أرجحه ولا اميل إليه – . وهو بالتالي ينفي ويشطب على أي تفكير نقدي ومتفائل يمكن أن يستشرف إنهاء الأزمة الوطنية الشاملة التي يتخبط بها العراق منذ سنة الغزو 2003 وحتى اليوم، ولا يمكن بالتالي مناقشة هذه التخيلات والتفسيرات والحجج لأنها تنتمي وتستند وتحتج بالواقع القائم المرفوض وطنيا وإنسانيا وبالتالي فرفض هذه الرؤية نقديا يجب ان يكون جزء من رفض هذا الواقع و الانحياز للبديل الوطني الديموقراطي القائم على إنهاء نظام المحاصصة وإعادة كتابة الدستور من قبل خبراء دستوريين متخصصين ومستقلين حزبيا، وإقرار قانون انتخابات جديد و ديموقراطي يفصل بين الأحزاب الطائفية الدينية الصريحة فكرا وتكوينا والتي يجب تحريمها وبين الأحزاب السياسية الأخرى اليسارية واليمينية بما فيها الأحزاب ذات الخلفيات الثقافية الدينية العامة والقريبة من نمازج الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا أو الأحزاب الديموقراطية الإسلامية في تركيا وتونس والمغرب.