ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (25)

طلال الربيعي
2017 / 3 / 15

عند معالجتهم موضوعة الديالكتيك, يتخبط البعض ويظهر املاقا فكريا لا نظير له وقصر نظر معرفي وعدم المام علمي, حتى بحده الادنى, بالنظريات الفلسفية, حتى الكلاسيكية منها, او باحدث التطورات والنظريات في مجالات العلوم والمعرفة. وهم, في معالجتهم لموضوعة الديالكتيك, يحلوا لهم ان يحلقوا بعيدا في خيالاتهم وان يستخدموا ما لذ لهم وطاب من لغة مبتسرة ومشتقة فقط من فكر منكفئ على نفسه ومن ميكانيكية عقيمة ومناقضة لروح الديالكتيك ومعناه عبر مراحل مختلفة من تاريخ التطور البشري او حسب المستجدات الملازمة في علوم ومعارف متنوعة, كما سنرى لاحقا. ان هؤلاء المُبسطين باختزال وفجاجة لموضوعة الديالكتيك يرتكبون خطيئة بعد الاخرى دون ان يرف لهم جفن وبدون وخز ضمير. فحقدهم على الماركسية قد سمم عقولهم, ان كان لهم منها شئيا, واعطب ارواحهم وافسد افكارهم كل الافساد. انهم رسل الرجعية واعداء العلم والانسان. فهؤلاء يخلطون المفاهبم ببعضها, عمدا او جهلا. فمثلا, يخلطون بين استقلال الطبيعة عن الوعي البشري, من جهة, وموضوعة التداخل بين ما هو حي وما هو غير حي, من جهة اخرى. وحال هؤلاء مشابه لحال سكان الكهف في مجازية الفيلسوف افلاطون, التي مضمونها ان كل شخص في كهف هو سجين مقيد بالسلاسل, و يرى السجناء فقط الظلال ويعتبرونها حقيقة واقعة, و يهرب احد المساجين, ويغادر الكهف, ويرى العالم الحقيقي, ثم يعود الى الكهف, ولكنه الآن مُزغلِل الرؤية بسبب نور الشمس, و يبدو أكثر غباء من قبل. فهؤلاء يبدون ايضا اكثر غباء عند مواجهتهم بمستحدثات العلم وتطورات المعرفة.

فلنلقي في البداية نظرة تاريخية سريعة على مفهوم الديالكتيك ونراجع تطوره التاريخي عبر العصور. ان فكرة الديالكتيك هي ليست فكرة من بنات خيال هيغل او ماركس وانجلز. فالفيسوف اليوناني في عصر ما قبل سقراط, هرقليطس Heraclitus, قال
Panta cwrei, oudei menei. Everything flows and nothing stays
"كل شئ في حركة ولا يتوقف."
وسقراط نفسه اشتهر باستخدامه المنهج الديالكتيكي في الفلسفة والتحري. وقد شرح هيغل في كتاباته قوانين الديالكتيك بالتفصيل، إلا أن شرحه لها كان يتميز بالكثير من التجريد والمثالية. وكان ماركس وإنجلز هما اللذان قدما لأول مرة ديالكتيكا علميا، أي ديالكتيكا بأساس مادي. كتب هيغل افكاره قبل داروين, ولكن الثورة الفرنسية اعطت زخما قويا لهيغل, وبفضلها استطاع التكهن بمفهوم الحركة في العلم, كما سيرد شرحه ادناه. وهذا المفهوم ذو اهمية بالغة جدا عندما, مثلا, يزعم بعض المثاليين ان النفس البشرية ذات تركيبة انانية سرمدية متأصلة في دواخلها كل الوقت, ولذا يستنتج هؤلاء المثاليون ان الشيوعية معادية للطبيعة البشرية, متناسين ان لا وجود سرمدي لطبيعة انسانية واحدة, وان النفس البشرية تُساهم في تشكيلها جملة هائلة ومتداخلة ومعقدة كل التعقيد من ظروف اجتماعية, اقتصادية, سياسية, آيديولوجية, تاريخية, بيبولوجية وغيرها. وحتى ان الحديث عن انانية الجينات, كما اوضحت من قبل, باعتباره عامل بيولوجي معرقل للشيوعية, هو كلام لا علمي وخال من الصحة, لان الجينات هي تركيبة عضوية خاضعة هي الاخرى, وانسجاما مع الديالكتيك ومبدأ الصيرورة العلائقية لوايتهيد, وبحدود تزيد او تقل, الى تفاعلها المتنوع والمتغاير مع الظروف البيئية للمحيط الخارجي التي ساشرحها لاحقا بشكل اكثر تفصيلا وبما يتفق مع احدث النظريات العلمية السائدة في هذا المجال. ولكن بالرغم من عبقرية هيغل, كان تكهنه مثاليا. فقد تعامل هيغل مع الظلال الآيديولوجية للواقع في نهاية المطاف. واستطاع ماركس أثبات أن حركة هذه الظلال الأيديولوجية لم تعكس شيئا سوى حركة الاجسام. في كتابات هيغل, هناك العديد من الأمثلة البارزة لقوانين الديالكتيك المستمدة من التاريخ والطبيعة. ولكن مثالية هيغل منحت, بالضرورة, الديالكتيك سمة مجردة للغاية، اضافة الى كونها تعسفية. ومن أجل تسخير الديالكتيك في خدمة الفكرة المطلقة, اضطر هيغل لفرض مخططه على الطبيعة والمجتمع، وفي تناقض واضح مع المنهج الديالكتيكي نفسه، الذي يتطلب أن نستمد قوانين ظاهرة معينة من خلال البحث الموضوعي بدقة للمادة قيد الدرس, وكما فعل ماركس هذا في كتابه رأس المال. ان هيغل ارتكب خطئية كبرى, وهي الخطيئة التي يسميها وايتهيد fallacy of misplaced concreteness , والتي تعني, كما اشرت مرارا الى ذلك من قبل, الخلط بين المجرد والملموس واعتبار المجرد صنوا للملموس (1). وهكذا، بعيدا عن كونها مجرد اجترار لديالكتيكية هيغل المثالية التي تفرض نفسها بقسرية وتعسفية على التاريخ والمجتمع, وعلى عكس ما يزعم غالبا مننقدو ماركس, كانت طريقة ماركس هي العكس تماما.
ان طريقة ماركس الديالكتيكية ليست فقط تختلف عن الهيغلية، ولكن هي نقيضها المباشر. وحسب ماركس, ان هيغل قد جعل من العملية الحياتية للدماغ البشري، أي عملية التفكير, تحت تسمية الفكرة, موضوعا مستقلا. ان هيغل, بتعبير ماركس, هو ديماغوغي العالم الحقيقي، والعالم الحقيقي, حسب هيغل, هو فقط شكل الظاهرة الخارجي للفكرة. يكتب ماركس "بالنسبة لي, على العكس من ذلك، فإن المثال هو ليس شيئا آخرا غير العالم المادي منعكسا في العقل البشري وترجمة هذا الانعكاس إلى افكار" (2). بالطبع لا يعني هذا الفهم الميكانيكي الذي يعني ان الدماغ يعمل كالمرآة في عكسه للواقع او ان هنالك ترجمة واحدة للواقع. العمليتان كلاهما, الانعكاس و الترجمة, يخضعان هما ايضا بطبيعة الحال الى صيرورة علائقية ديالكتيكية وتختلف بالملموس من شخص لآخر.

عندما ننظر للعالم من حولنا، لا يمكن الا ان تتملكنا الدهشة. فنحن نرى سلسلة هائلة ومعقدة بشكل هائل للظواهر، وشبكة مذهلة من التغيرات اللامتناهية, وسبب ونتيجة، وفعل ورد الفعل. الا ان القوة الدافعة للبحث العلمي هي الرغبة في الحصول على نظرة عقلانية لمتاهات محيرة, وكلك فهم هذه المتاهات من اجل التفاعل معها بكفائة وفعالية. نحن نبحث عن القوانين التي تمكننا ان نفصل العام من الخاص, والعرضي من الالزامي, وتمكننا من فهم القوى التي تتحكم في الظواهر التي تواجهنا. فعلى حد تعبير عالم الفيزياء والفيلسوف الإنجليزي ديفيد بوم David Bohm :
-ليس هنالك في الطبيعة شيء ثابت. كل شيء في حالة دائمة من التحول، والحركة، والتغير. مع ذلك، نكتشف أن لا شيء يحدث من لا شيء وبدون سوابق موجودة من قبل. وبالمثل، لا شيء يختفي دون أن يترك أثرا او ان يؤدي إلى شيء آخر في أوقات لاحقة. هذه السمة العامة في العالم يمكن أن يعرب عنها المبدأ الذي يلخص مجالا هائلا من أنواع مختلفة من التجارب (يذكرنا هذا بشكل جلي باهمية التجربة لدى وايتهيد. ط. ا)، ولم يحدث قط حتى الآن ان يناقض هذا المبدء أية مشاهدة أو تجربة، علمية او خلافها؛ ولذا ان كل شيء يأتي من أشياء أخرى ويؤدي ايضا الى اشياء اخرى" (3).

الافتراض الأساسي للديالكتيك هو أن كل شيء في عملية مستمرة للتغير والحركة والتطور. حتى عندما يبدو لنا أن لا شيء يحدث، في الواقع هنالك تغير دائم. الجزيئات والذرات والجسيمات دون الذرية تغير باستمرار مكانها, وهذا ما ينسجم ايضا مع مبدأ وايتهيد بعدم وجود مكانية بسيطة او ثابتة. يفسر الديالكتيك ديناميكيا الظواهر والعمليات التي تحدث في جميع المستويات من المواد العضوية وغير العضوية على حد سواء - وهذا موضوع ساعالجه بتفصيل لاحقا. فكما يؤكد الفيزيائي الأمريكي فايمان Feynman "بالنسبة الى أعيننا المجردة، يبدو انه لا شيء يتغير, ولكن إذا تمكنا تكبير رؤية الجسم مليار مرة، فإننا نرى تغيرا دائما: جزيئات تغادر السطح، وجزيئات ترجع اليه, في حركة مستمرة" (4).

وهذا هو فكرة الديالكتيك لدى ماركس وإنجلز. ان الحركة سمة اساسية من سمات المادة. كما هو الحال في الكثير من الحالات، كانت هذه الفكرة الديالكتيكية قد تنبأ بها أرسطو (5)، الذي كتب: "لذلك ... المعنى الأساسي والسليم للطبيعة هو جوهر الأشياء في حد ذاتها ... مبدأ الحركة" motion". وهذا هو ليس مفهوما ميكانيكيا للحركة كانتقال شيء ذو قصور ذاتي تحت تأثير قوة خارجية, ولكنه امر مختلف تماما. ان هذا هو الحركة الذاتية self-moving. المفهوم الديالكتيكي للحركة يعتبر المادة والحركة (الطاقة) نفس الشيء ,او بالاحرى طريقتان للتعبير عن نفس الفكرة. وقد أكدت هذا ببراعة نظرية أينشتاين في تكافؤ الكتلة والطاقة. وهذا هي الطريقة التي عبر فيها إنجلز عن ذلك:
"الحركة, بالمعنى الأكثر عمومية، هي حالة وجود وسمة ملازمة للمادة، وهي فهم شامل لكل التغيرات والعمليات التي تحدث في الكون، من مجرد التغير البسيط في المكان وصولا إلى عملية التفكير. ولذا ان البحث في طبيعة الحركة يقتضي بالطبع البدء من الأدنى ومن أبسط أشكال الحركة وتعلم فهم هذه قبل أن نبحث أي شيء في الامور الأعلى والأكثر تعقيدا" (6).

يتبع
............
المصادر
1. Whitehead s Science and Modern World
https://www.youtube.com/watch?v=x1IwCOx1dlw
2. 1961,Marx, Capital, Vol. 1 , Moscow
p. 19
3. David Bohm, Causality and Chance in Modern Physics. p. 1
4. R. P. Feynman, Lectures on Physics, chapter 1, p. 8
5. Aristotle, Metaphysics, London, 1961, p. 9
6. ,Engels
Dialectics of Nature, Moscow, 1954, p. 92