التظاهرات بين الشرق والغرب

فاروق عطية
2017 / 3 / 14

في الدول الإشتراكية والشيوعية الشمولية ودول شرقنا الأوسخ أي الدول العربية والإسلامية المحكومة شموليا وعلي رأسها مصرنا المحروسة، تنظر الدولة للتظاهرات بنظرة تختلف عن نظرة دول الغرب الأوروبية وكندا والولايات المتحدة التي تحكم حكما علمانيا ديمقراطيا. عندنا يُسمح بالتظاهرات التي ترحب بولي الأمر (سيان رئيسا أو ملكا) وتهلل له وتمجده كزعيم أوحد عبقري ملهم لا ينطق عن الهوي لأن الله اصطفاه وحده بالحكمة وأعطاه المقدرة علي حل أعقد المواقف السياسية والاقتصادية وأن دول العالم تتسابق في الحصول علي مشورته، ويثاب المهللون المزمرون ويعتبرون مواطنون وطنيون لهم الولاء للدولة، وتُمنع أي تظاهرات مضادة أو معارضة للنظام بالقانون الذي يجرّمها ويعتبر القائمين بها مواطنين عملاء خائنين للوطن ومخربين، ويقبض عليهم ويوضعون في غياهب السجون، وللشرطة حق فض التظاهرات من هذا النوع حتي لو أدي الأمر لاستخدام الزخيرة الحية.
أما في الدول الديموقراطية العلمانية هم لا يعرفون ولا يجيزون غير التظاهرات المعارضة والتي تطالب بالعدل وإنهاء الظلم إذا شعرت أو أحست فئة أو جماعة بتجاهل الدولة لأي حق من حقوقهم الدستورية. فحق الاعتراض والتظاهر حق دستوري يكفله الدستور والقانون، وهومباح وغير محظور، لكن له ضوبط يعرفها المتظاهرون ويلتزمون بها، كتحديد اليوم والوقت ومكان التظاهر والإعلان عنه بوقت كاف وتحديد قادة هذه التظاهرات وأخذ الموافقة بها بعد تعهد قادة المتظاهرين باحترام الملكية الخاصة والعامة وعدم تعريضها للانتهاك، وتقوم الشرطة بحماية المتظاهرين والتحقق من التزامهم المسار المحدد والوقت المعلن عنه مسبقا بحيث لا تتعطل المصالح ولا وسائل المواصلات ولا تخرج المظاهرة عن إطارها القانوني والأخلاقي.
في هذه الدول المتقدمة الراقية لا يعرفون مظاهرات التأييد والتمجيد والتهليل لولي الأمر ويعتبرون هذا النوع من التظاهرات شيئ غير مقبول ونوع من أنواع الفوضى والتهريج الذي يخالف القانزن وسمة من سمات الحكم الشمولي المتخلف الغير مقبول. ولكننا درجنا لجهلنا بعادات تلك الدول وقوانينها أن نحشد جالياتنا للترحيب والتهليل لولي أمر بلادنا عندما يزور دولة من هذه الدول. يقوم سفراؤنا الأفاضل قبل حضور الزعيم بشهور ببذل المساعي للحصول علي الموافقة بالتظاهرات، تعطي الوافقة بعد الإلحاح المسنمر وتجنيد كل من له دلال أو صفوة، وتقوم الشرطة بحماية المهللين المغيبين، بين دهشة مواطني هذه الدولة الذين يخرجون ليتفرجوا علي ما نقوم به من هبل وتخلف، كما لو كانوا يتفرجون علي فلم للدينصورات المنقرضة.
أحببت أن أوضح هذا الأمر خاصة بعد أن طال الجدل حول محاولة الكنيسة الأرثوذكسة وعلي رأسها قداسة البابا تواضرس الثاني تكليف كنائس المهجر الأرثوذكسية بالولايات المتحدة وكندا بحشد رعايا كنائسهم لاستقبال الرئيس السيسي عند زيارته المرتقبة للولايات المتحدة الأمريكية بناء علي دعوة من الرئيس الجديد دونالد ترمب، لتعزبز العلاقات بين البلدين، والتي أُعلن أنها ستكون في النصف الأول من شهر مارس الحالي.
تري الكنيسة أن الخروج للترحيب بالرئيس واجب وطني، علينا أن نقوم به ليكون مضادا لتظاهرات الشجب التي يرتب لها الإخوان الخونة للتنديد بقائد الانقلاب ضد دولتهم. والكثير من الأقباط المسيحيين في المهجر يرون ذلك "كما أوضحت" مجرد تهريج غير قانوني في البلاد المتقدمة هذا من ناحية، ومن ناحية أخري لماذا يكون عبء الترحيب مقصور عليهم وحدهم خاصة ولم نسمع أن شيخ الأزهر أو وزير الأوقاف قد جيش الأقباط المسلمين في المهجر لهذا الأمر ؟
السؤال المحير والذي لا نجد له إجابة: ما هو وضع الأقباط المسيحيين في المهجر بالنسبة للدولة؟ المُحيّر أن الدولة تنظر لهم بمنظورين مختلفين حسب احتياجها لهم، عندما تحتاج أصواتهم في الانتخابات، أو عندما يزور الرئيس دولة المهجر ويقومون بالترحيب والتهليل له، يصنفون كوطنيين مخلصين تطنطن وسائل الميديا المصرية الموجهة بوطنيتهم وإخلاصهم للوطن، وعندما يتذمرون مما يرونه وما يذاع في جميع وسائل الميديا العالمية من تمييز لأهاليهم في المناصب، واضطهاد ممنهج للتخلص من زويهم في الوطن بالقتل والتهجير وحرق الممتلكات والكنائس، أوعندما يعلنون عدم الخروج للترحيب بالرئيس الزائر، يصنفون كخونة مارقين مأجورين من القوي الصهيوأمريكية وتطنطن وسائل الميديا المصرية الموجهة بعمالتهم وخيانتهم للوطن.
نفس السؤال الحائر حول النظرة للأقباط المسيحيين في الداخل، عندما احتشدوا في 30 يونيو لتأييد وزير الدفاع للتخلص من الفاشية الدينية سمعنا أن المسيحيين كانوا أغلبية المتظاهرين أي أن تعدادهم يربو علي 20%، وعندما يطالبون بحقهم في المناصب وأن تكون الترقيات حسب الكفاءة وليس العقيدة، نجابه بأن تعدادهم أقل من 5%. وقس علي ذلك الكثير، نسمع من الرئيس كلام معسول عن المواطنة ودولة القانون وأن الوطن للجميع بلا تمييز والقانون يطبق علي الجميع، نري ما يطبّق عكس ذلك، أحزاب دينية لا يُعترف بقيامها دستوريا لكنها تمارس العمل الحزبي جهارا نهارا، الوهابية تنمو وتزدهر وتتغول وتمارس كل أساليب القهر والاضطهاد وحين تحدث التعديات من قتل أو حرق أو تدمير تقام الجلسات العرفية تحت اشراف الأمن وبيت العائلة الطائفي ويثاب المُعتدِي ويقهر المُعتدَي عليه ويهجّر قسريا من قريته ويدفع الجزية ويتواري القانون خجلا.
نريد أن نذكر قداسة البابا تواضرس الثاني أنه الأب الروحي مسؤلياته الدينية والروحية هي جُل اهتمامه وله كل الاحترام والطاعة في ذلك، أما الناحية السياسية فهو واحد من الشعب قد تكون له توجهات سياسية، لكن لا يحق لقداسته دستوريا ولا أخلاقيا أن يفرضها علي شعب الكنيسة ولا طاعة له في ذلك. نرجو من قداسته أن يكف ويربأ بنفسه ومنصبه المقدس ويبتعد عن السياسة لأن العمل الديني والروحي طاهر مقدس والعمل السياسي ملتوي مدنس وقداسته بالقطع يعلم ذلك. لا داعي لأجبار الكنائس لحشد أبنائها بالخروج للتهليل والتطبيل فقد سئمنا ذلك ولن نقبله بعد الآن، ومن يريد أن يخرج دون ضغوط فليفعل ومن لا يريد فلا حرج عليه.
نريد أن نذكر السيد الرئيس أننا نحبه ونحترمه كرأس الدولة ونصلي من أجل أن يكون عادلا منصفا، وأن يكون فعله مطابقا لقوله، فقد سئمنا الازدواجية التي عشناها أكثر من خمسين عاما، سئمنا حل المشاكل المزمنة حلا أمنيا، سئمنا أن نسمع كلما نطلب العدل أن نجابه بجملة "أصل الوقت مش مناسب"ومشاكل الدولة الأمنية والاقتصادية غير مواتية. سئمنا أن نظل للأبد تحد تهديد مطرقة الفاشية الدينية وصندال الفاشية العسكرية. نريد تفعيل دولة المواطنة وتحقيق مقولة الدين لله والوطن للجميع. نريد تفعيل الدستور الذي أقسمت أن تحترمه وتطبق قوانينه. هذا الدسنور يحرّم وجود الأحزاب الديمية، والأحزاب الدينية موجودة وتمارس أعمالها التخريبية ضد الوطن، وعلي رأسها حزب النور شريك حكمك، وهي الداعم المعنوي والمالي للإرهاب الذي يغتال أبناؤنا من أفراد الجيش والشرطة في سيناء ويتربص بالدولة حتي يحين الأوان لهم. في السابق حين أتيت إلينا في موطننا الجديد خرجنا بكل حب وتقدير للترحيب بكم حتي يعلم العالم أن الشعب هو الذي قام بالثورة ضد الفاشية الدينية وحكمكم ليس انقلابا. أما الآن فقد استتب الأمر لكم والعالم أجمع لا يعترف بالانقلاب، وأنت لست في حاجة الآن للتهليل والتطبيل، ونستميحك عذرا ألا نخرج، وحينها ستري جماعات الفاشية الدينية وهم يستقبلونكم بالهتافات المستنكرة والمنددة والمشينة، حتي تعلم مغبّة تركك لهم يمرحون بلا حساب ولا عقاب ينفثون سمومهم في الوطن، وهذا هو السبب المباشر الذي يقوض حب الناس لكم ويقلص من شعبيتكم.