عن امتيازات المواطن الأوروبي!

السيد شبل
2017 / 3 / 14

سأخبرك أمرًا جيدًا، هل أنت معجب بالامتيازات الاجتماعية التي يحظى بها المواطن الأوروبي، وأن علاجًا مجانيا، ومعاشًا اجتماعيا (ضد البطالة)، وحد أدنى للاجور (يصل في المتوسط إلى +9 يورو في ساعة العمل.. هذا يعني أكثر من ألفين يورو، وحتى بعد شطب الضرائب، يبقى ضخما!)، وقوانين عمل تقنن العمل بـ 48 ساعة أسبوعيًا، مع أجازات مكفولة الأجر.

هل أنت كناشط #فيس_بوكي مُستلطف كل ماسبق؟

يسعدني أخبرك، بأربعة أمور فقط (وهي لن ترضيك مبدأيًا)، قد تكون بعض الأسباب التي تقف خلف ذلك، وهي بلا ترتيب:

1- الأحزاب الاشتراكية الأوروبية (نعم: الاشتراكية)، ذلك اليسار الأوروبي، الذي يعتبره اليسار المبدأي مائعًا، ومتعاون بشكل مرفوض مع اقتصاديات السوق، كما أنه لا يملك موقف رافض -بجذرية، وعلى الدوام- للسلوك (التوسعي، الناهب) للدول التي ينتمي إليها، لدرجة أنه قد ينازع في أحقيته بوصف اشتراكي (لكن هذه قضية تعني معسكر اليسار، لا شأن لك بها صديقي #الفيس_بوكي)، ما يعينك، وما يصح لفت نظرك إليه، أن فرنسا يقودها حزب "اشتراكي"، وأن العمال البريطاني "الاشتراكي" أقوى أحزاب بريطانيا، وكذلك في أسبانيا ضمن توليفة أحزب اشتراكية، آخرها تجمع "البوديموس"، وبالمثل في ألمانيا بحزب التجمع الديمقراطي الاجتماعي "الاشتراكي".. ماذا تفعل هذه الأحزاب "الاشتراكية"؟، الحقيقة أنها تهادن السوق الحر بنسبة ما، خاصة النسخة "البليرية: نسبة إلى توني بلير، وتيار الاشتراكية الأخلاقية، الذي لقي معارضة من داخل حزب العمال نفسه"، ومواقفها "الأممية: الخاصة بالأمم الأخرى" مضببة، وأحيانًا مضرّة. لكن -تخيل!-، وهذا ما يعنينا في هذه المحاججة، أن هذه الأحزاب في داخل بلادها، تدافع عن التعليم "المجاني"، والصحة "المجانية"، وضرورة التزام "الحكومات" بتوفير الوظائف، وضمان بدل للبطالة، وتكافح من أجل فرض ضرائب أكبر على الشركات الكبرى (التي تنزح الربح من دول العالم الثالث إلى المركز هناك، أو تستفيد من حاصل بيع منتجاتها في السوق العالمثالي التابع)، وتطالب بتخفيض الضرائب على العاملين بأجر، وتضغط لتحسين قوانين العمل، وتثير الزوابع في حالة عمل أفراد بلا عقود، وتطالب بتأميم الصناعات والمصالح الاستراتيجية، وتؤكد على دور أكبر للحكومات في الاقتصاد وتسعير الخدمات.. وإلخ، وتطالب بتصدي أكبر لـ"الفردانية المحبّة للتملك"، وتناهض الاستهلاك.. وهذا الصنف من الأحزاب، بتنويعاته من يسار إلى يسار وسط، أو تنويعات قياداته من بلير المتماهي أكثر مع السوق الحر والبيت الأبيض إلى جيرمي كروبين الأكثر جدية ومبدأية، هو السبب في معيشة أفضل للأوروبي، الذي يفتنك حاله، وتبهرك حجم الامتيازات التي يحصل عليها.

2- أن الشعوب هناك أكثر "دنيوية" من مثيلاتها، ولا تُسقى نصائح "الصبر" و"الترحيل" في الصباح والمساء، ولو جاعت فهي على استعداد لاعتلاء مراكب أجدادها القراصنة، والقيام بعمليات قرصنة صريحة لكل من "تظن" أنه سبب في أزمتها أو أنه يتعامي عن حلها، ويتمتع بـ"أنانيته" (أدعوك للبحث عن مظاهرات سائقي التاكسي في فرنسا ضد #أوبر، وإشعال النيران بالشوارع، ومقاومة السلطات، وشل الطريق إلى مطار شارل ديجول.. حتى تدخلت الحكومة الفرنسية لحمية سوق النقل المحلي، كما أدعوك للبحث عن مظاهرات العمال في باريس، كذلك، ضد قوانين العمل في 2016).

الشعوب هناك (قطاع واسع منها، وطبعا ليس كلها) ليست مثالية (بالمعنى السلبي للكلمة)، كما "الدنيا" هنا، الشعوب هناك فيها شيء من البداوة العربية المشاعية القديمة (والتي بقيت آثارا لها)، القادرة على تحدي السلطة في أي وقت وفرض إرادتها بـ"القوة"، ودون اعتبار شيء سوى مصلحتها "المادية"، وهذا يخوّف السلطة السياسية والمالية، بالطبع، ويجعلها تتنازل عن فائض ما حققته من نهب موارد وثروات العالم الثالث، وتدمير احتمالات نموها كقوى منافسة، لصالح هذه (الجماعة) الشعبية لتسكينها، وتبريد أعصابها، وربط المصالح ببعضها، وحتى لو لم يحقق ذلك العدالة الاجتماعية، وأبقى على فوارق طبقية ضخمة جدًا، ومشردين، وجوعى.. وإلخ، فإن "الأوروبي" (اليميني منه، واليساري، إلا نوادر) عندما يهبط إلى شرم الشيخ، ويعرف أنه قادر على قضاء نحو 40 ليلة (بما يتضمن الوجبات) هو وزوجته في أي فندق 3 نجوم، بما قيمته ألف دولار أي نصف راتبه المممنوح إليه بالحد الأدنى، يتأكد لديه أنه يتمتع بنفوذ عالمي، يجعله "سوبر" إنسان على هذه الأرض، أو بالأصح كائن فضائي، يهبط على أراضي البشر وبقوة عملته "يتلذذ" بما يريد، وقوة عملته تلك تحققت بسبب تدمير مشاريع التنمية في العالم الثالث، وتأبيد تخلفها، مما حوّلها إلى بلاد مستوردة لكل شيء، ثم اغتصبها بالاستثمار الأجنبي، وأجندات البنك الدولي، و"تحرر" الصرف وسعره، فارتفع الطلب على الدولار، وانهارت العملة الوطنية (#بالمناسبة إقامة الأجانب في شرم الشيخ بهذه الأسعار، ليست محض تصوّرات، إنما واقع رصدته بنفسي، ويمكنك متابعة إعلانات الرحلات التي تملأ مواقع التواصل، وحساب كم يتكلف قضاء 40 ليلة؟، لن تجده أزيد من 20 ألف جينه بما يساوي ألف دولار أو أكثر قليلا، للـ 3 نجوم، هذا حتى بدون احستاب الخصومات).

3- أن دولة الرعاية التي تحققت في دول غرب أوروبا، وفي الولايات المتحدة (بنسبة ما)، والسعي لتوظيف الناس وتشغيلهم والتأمين عليهم، تكونت تحت ضغط من نموذج الاتحاد السوفيتي حتى العام 90، وقبل أن يطعن جوربوتوشف التجربة كلها في ظهرها. كان على هذه السلطات الغربية، وأيا ما كان حجم جشعها وأنانيتها، أن تتخلى عن بعض مكاسبها لصالح الطبقات الأفقر، حتى تتجنب تأثير السوفييت ودعايتهم على هؤلاء، وحتى تتمكن دعايتها المضادة لتلطيخ سمعة منافسيهم العالميين، وشيطنتهم، من أن تؤتي ثمارها. وعليه فالطبقات المتوسطة والفقيرة بأوروبا، مدينة من حيث لا تدري للروس (1917-1990) ومسارهم الاقتصادي!.

4- وقد تم تضمينها في رقم (1)، وهي، لوشئنا الترتيب فهي تسبق النقط كلها، وهي المتعلقة بأن حصيلة الثروة التي تتهادى في شوارع أوروبا، هي حاصل إعادة تدوير ثروات العالم الثالث في زمن الاحتلال، وما بعد الاحتلال. "رينو" تحقق أرباحًا في فرنسا، لأن دول العالم الثالث، تحوّل عملتها الوطنية إلى عملة أجنبية، وتستورد سياراتها، وأي محاولة لوقف استيراد السيارات، والبحث عن تنصيعها داخليًا (على الأقل البدء بنسبة مكوّن محلي.. والتطوّر)، سيُقابل بعواصف سياسية غربية، قد تصل إلى شن حروب (مصر في الخمسينات، كوبا، كوريا الشمالية، إيران إلى اليوم...)، مع حملات إعلامية لـ شيطنة" التجربة، والتضخيم في أي خطأ إجرائي أو طبيعي بهدف شطبها تمامًا، مع الانفاق السخى على المعارضين، فقط، لأن هذه الدولة تبنت خيار التنمية المستقلة، وقررت أن لا تكون مجرد سوق لشيكولاتة "جالاكسي، وفلوتس، وكيت كات..."، وعليه، فتدمير تجارب التنمية المستقلة، والتحديث، والعصرنة بدول العالم الثالث، هو أحد أهم أسباب الرخاء الاقتصادي في الشارع الأوروبي، هذا، ونحن لم نفصّل الذكر عن مسألة نزح الثروات المباشرة، كما جرى مع حقول النفط العراقية، وشركات البترول (هالبيرتون - شيفرون)، وهما شركتان ساهم في مجالس إداراتهما، ديك تشيني، وكوندليزا رايس (من قادة مشروع احتلال العراق).

سنكون موضوعيين أكثر إن تحدثنا عن طبيعة المجتمع الأوروبي، الذي تخلص من عبء العيش بالماضي (استعاب ما هو إيجابي منه دون تسلّف أو استيعاب مضاد)، والوثنية، وبدأ يتعاطى مع العصر، ويناقش كل شيء بعقل بارد، واستعداد للأخد والرد، ويجذّر لـ"العلمية" و"الأنسنة" و"المصلحة"، ويتخلص، ولو خطوة خطوة من عبء "الشعاراتية" و"النفاق" عند الكتابة والتعبير عن الرأي.. هذا الجانب هو المشرق في الحضارة الغربية، وهو كما وصفه ياسين الحافظ: بـ"السر" أو "الطفل بعد أن تطهره من وسخه".. وما "وسخه" إلا استعداده للنهب والتوسع!.