ماذا تعرف عن السماكيه-اعرف بلدك-الكرك-الاردن

جهاد علاونه
2017 / 3 / 14

طوال عمري وأنا أقرأ عن الرجال الصالحين والقديسين والقديسات وكان كل فكري أنهم ماتوا منذ أن مات(دون كيشوت) وانتهى عصر الفرسان وأخلاق الفرسان وانقطعت أخبار أولئك الشجعان وأصبحوا يعيشون فقط في ذاكرة القصص الخيالية والفانتازية حين نحكي للأطفال عن الماضي ليتحسروا على الزمن الجميل, لأول مرة في حياتي أشاهد ملح الأرض على أرض الواقع فلطالما كنت أحن لتذوق طعمه الذي فعلا يختلف عن ملح مائدة الطعام, لأول مرة ألامس القديسين والقديسات كما تلامس الغيوم سطح الأرض ولكن هذه المرة بدون ضباب ولا غبار المنخفضات الجوية الخماسينية, رأيتهم بأم عيني في قرية السماكية في محافظة الكرك, وطوال عمري وأنا أسمع عن رجال محبين للثقافة وللأدب وعاداتهم وتقاليدهم أوروبية حتى شاهدت(عيد بوالصه)-(أبومايكل), حين تختلط بهذا الرجل تشعر أولا بفجوة كبيرة بينك وبين هذا الرجل ومن ثم تُؤمن بصدق نواياه وتشعر بأن هنالك شيء في العالم اسمه النظام والترتيب والأتيكيت الذي تطيق عنه صبرا لسبب وجيه وهو أننا جميعا نكره النظام والترتيب ليس لأننا فوضويين ولكن لأننا نشعر بأن النظام والترتيب جزء من السلطة التي نحب التخلص منها, طبعا سمعت كثيرا عن الأتيكيت ولكنني لم أشاهده ولم أتعلمه إلا من عيد بوالصه أبو مايكل, وكلمة أتعلمه فيها كثير من المبالغة فأنا في أغلب المواقع فوضوي ولكن ليس بزيادة عن اللزوم وإنما بحياتي فوضه ولا أستطيع تعلم الترتيب في يوم ويومين, الأتكيت عنده يبدأ من عتبة باب المنزل حتى طريقة وضع بيض الدجاج في المقلاة حتى قصة شعر رأسه وطريقة تنظيف أسنانه وغرفة النوم, أبو مايكل رجل مهذب كل شيء يفعله بوقته ولكل شيء وقته ولا يخلط المفاهيم ببعضها ولا المصطلحات, النظام جزء من حياته في البيت إلى درجة أنه يشعرك وكأنك في سجن صغير من كثرة الأبواب والأقفال فأينما وجهت وجهك تجد بابا وقفلا, رجل لا يحب أن يطلع الناس على خصوصياته بشكل كبير, وحين يغادر منزله يأخذ معه أتيكيته إلى الشوارع وبيوت الجيران.. كل شيء له أنيق ومرتب وحسب الأصول, كل شيء له نظام وترتيب وساعة وقت ولو تحدثت عن منزله المكون من طابقين لساعتين فلن أستطيع أن أصف كل ما شعرت به, ولكن يكفيني أنني شاهدت النظام والترتيب والأتيكيت لأول مرة بحياتي لدرجة إحساسي بالخوف. يعني بصراحه برستيجه فوق طاقتي لدرجة أنني شعرتُ بالتعب,وفي بعض المواقع مشيت على رؤوس أصابع قدمي لكي لا أتسبب بشيء يخربط برستيج هذا الرجل أو أن أفعل شيئا مخالفا للأنظمة واللوائح والإرشادات والتعليمات.
وهذه أيضا أول مرة لي بحياتي أدخل فيها مدينة الكرك في جنوب الأردن, وأيضا هذه أول مرة لي بحياتي أشاهد فيها أخلاق الفرسان منذ أن انقطعت أخبارهم في أواخر القرون الوسطى, السماكية قرية أردنية في الكرك صغيرة جدا ولكن فيها المحبة بما يكفي مدينة كبيرة مثل بكين الصينية أو واشنطون الأمريكية, قرية فيها 5 خمسة شوارع وقلوب محبة تتسع لأربع أو خمس جمهوريات في العالم, ولكن كيف عرفتُ ذلك؟: لنعد إلى حيث بدأنا من القديسين ..الطريقة سهلة جدا, قبل أن أرى أبونا (أيهم زيادين) عرفت أنه ينفق دخله بالكامل على إطعام الفقراء واللاجئين السوريين والعراقيين والفقراء الأردنيين, لدرجة أنه يستدين من الدكاكين ويعطي الفقراء والمشحرين والكادحين, إنه شاب بمقتبل العمر من المفترض به أن يتمتع هو وزوجته القديسة برواتبهم الشهرية ويذهبوا في سفريات خارجية سياحية ليشاهدوا العالم, من المفترض بهم أن يهتموا بأنفسهم وأن يحلموا بالسياحة يعني بعبارة أخرى(لازم يعيشوا حياتهم) حتى سن الشيخوخة وبعد ذلك يصبحوا قديسين, بعد أن يشبعوا من الكيف والانبساط, من المفترض به أن يضع رجلا على رجل في شوارع باريس ويستمتع وهو يشاهد خيوط الدخان تنبعثُ من فمه العطر وأن يشرب ويستلذ بشبابه ولكنهم بدل أن يشاهدوا هو وزوجته ملذات الحياة يأتيهم العالم الفقير إلى باب منزلهم فلا يسمح لهم الفقراء في نهاية الشهر بأن يستمتعوا برواتبهم في خليج العقبة أو فنادق البحر الميت فيمنحونهم من رواتبهم الشهرية غير مبالين بحياتهم وشبابهم, أناس بجد لم أرَ مثلهم, وحقيقة أنني سمعت عن القديسين وقرأت عنهم ولكن هذه أول مرة لي بحياتي أشاهد فيها القديسين وأصافحهم يدا بيد, ومن المعروف جيدا أن ظاهرة القديسين تأتي على الأغلب بعد سن متأخرة حين تذهب الصحة ويذهب معها الشباب, ولكن هنا شيء مختلف تماما, في السماكية القديسون بعمر ال25-26- سنة وهذه ظاهرة مهمة, الشباب دوما لديهم الرغبة الجامحة بإنفاق المال على الملذات والمشروبات وحب السفر ومشاهدة العالم الآخر, وأقصد هنا السفريات الخارجية نحو بلدان أخرى مثل مصر والأهرامات, فأبونا أيهم هوايته إنفاق راتبه الشهري على العطشى والثكلى والأرامل وثقيلي الأحمال, تشعر حينما تلامس يدك يده بأنك تريد أن تضع اصابع يديك في فمك لتتذوق طعم ملح الأرض..تشعر وكأنك تلامس تلاميذ المسيح الذي قال: تعالوا إلي يا ثقيلي الأحمال وأنا أريحكم, وهذا ما يحصل حينما يأتي آخر الشهر ويتجمع الفقراء حول الكنيسة لينفق عليهم أبونا راتبه الشهري هو والقس الإيطالي الآخر والذي تقع كنيسته بجوار الكنيسة التي يقيم فيها أبونا أيهم زيادين.
ومن بداية وصولي التقيت بعادل نصراوين أبو علاء الذي فرح جدا بمشاهدتي وجها لوجه وأخذني في جولة عبر القرية لرؤية كافة معالمها واستمتعت معه بالإفطار بمنزله الجميل على أطراف القرية, بعد ذلك اتصل بي الأستاذ (بشير العوابده) الذي أكد لي أنه أعد وليمة خاصة تليق بمقامي في منزله, كنت أظنُ حقيقة أنني ذاهب إلى تناول الطعام, ولكن فوجئت بعد الطعام بجلسة ممتعة لم أجلس مثلها منذ ربع قرنٍ على الأقل, تجمع الأهل وبدأنا نتحدث عن هموم العالم العربي والعادات والتقاليد والشعر وكافة الفنون الأدبية, وشعرت أنني في صالون ثقافي وليس بمنزلٍ أتناول به المنسف الكركي لأول مرة بحياتي, جلسنا لساعتين جلسة لن أنساها ما حييت وسأبقى عاجزا عن تقديم الشكر للأستاذ بشير ولأمه وأبيه وزوجة أخيه وأخيه وأخواته, شعرت أثناء الجلسة أنني اعرفهم ويعرفونني منذ عشرات السنين.
حين دخلت القرية شعرتُ وكأني أدخل عاصمة أوروبية, كل شيء مختلف عن ما شاهدته في القرى الأردنية