نحو جهد وطني فاعل في مواجهة مشاريع التصفية

غازي الصوراني
2017 / 3 / 14




بالنظر إلى طبيعة المرحلة الراهنة والمخاطر التي تتعرض لها قضيتنا الوطنية التي يبدو أنها تنتقل من الأزمة إلى المأزق وصولاً إلى محاولات التصفية من قبل التحالف الامبريالي / الصهيوني وحلفاؤه على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي، وذلك عبر ترسيخ الانقسام بكل أبعاده السياسية والمجتمعية بين الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل تفاقم الصراع بين حركتي فتح وحماس، بما أدى إلى مراكمة المزيد من عوامل اليأس والإحباط في صفوف شعبنا حيث بات التوصل إلى مصالحة وطنية أمراً معقداً أو قريباً من الاستحالة، ما يعني اسدال الستار على حق شعبنا في الحرية وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة ومن ثم انتشار وتداول الحديث عن ما يسمى بـدُويلة غزة والدعم الأمريكي الإسرائيلي لهذه الفكرة، إلى جانب تكريس الهيمنة الصهيونية على الضفة الغربية المحتلة وضم ومصادرة مزيد من الأراضي وإقامة المستوطنات الصهيونية عليها، ومن ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن حكم ذاتي أو دويلة ناقصة السيادة بإشراف صهيوني من الناحية الأمنية عليها أو بالتقاسم الوظيفي مع الأردن .
بناءً على ما تقدم فإنني أدعو إلى لقاء عاجل، يضم كافة الأخوة والرفاق من القوى والفصائل الوطنية والإسلامية والشخصيات والفعاليات الوطنية والمجتمعية، آملاً أن يكون هذا اللقاء الحواري ، خطوة جادة ومسئولة، يتحدد من خلالها سُبل وإمكانات مجابهة هذا المخطط الهادف إلى تصفية قضيتنا الوطنية وتفكيك أواصر شعبنا ومجتمعنا الفلسطيني، وتقديم المقترحات أو الخطوات التي تعزز فكرة وآليات المجابهة المطلوبة ، مع العلم أن المنطلقات أو العناوين الرئيسية المقترحة منا هي:
أولاً: إن اللحظة الراهنة تشكل خطراً شديداً غير مسبوق على راهن ومستقبل قضيتنا الوطنية ، الامر الذي يستدعي ضرورة انطلاقنا من رؤية وطنية توحيدية وديمقراطية لمجابهة الخطر المحدق، تمكننا من مجابهة المخطط المرسوم في ظل سياسات نتنياهو والرئيس الأمريكي الجديد من جهة وفي ظل تفاقم وتزايد دور اليمين العنصري الصهيوني (الديني والعلماني) ضد اهداف شعبنا الوطنية في الحرية والاستقلال والعودة، على ان تنطلق تلك الرؤية الوطنية التوحيدية من نصوص الوثائق التي تم اتفاق الفصائل الوطنية والإسلامية عليها وصولاً إلى صياغة برنامج سياسي وطني وديمقراطي جامع مستوحى من الأسس والمبادئ الرئيسية لاتفاقات المصالحة، التي حازت على إجماع كافة القوى السياسية الفلسطينية، والتي نلخصها –بصورة مكثفة- فيما يلي:
(1) اتفاق القاهرة 17/3/2005 الذي نص على التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية دون أي تفريط، إلى جانب الاتفاق على استكمال الاصلاحات الشاملة في كافة المجالات، ودعم العملية الديمقراطية، والاتفاق على تفعيل وتطوير م.ت.ف.
(2) وثيقة الأسرى / وثيقة الوفاق الوطني التي نصت على صيانة وحماية الوحدة الوطنية ووحدة شعبنا في الوطن والمنافي، كما نصت على ضرورة انجاز كل ما تم الاتفاق عليه في القاهرة مارس 2005، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بمختلف الوسائل، إلى جانب العمل السياسي والتفاوضي والدبلوماسي والاستمرار في المقاومة الشعبية الجماهيرية ضد الاحتلال، وتوحيد الخطاب السياسي الفلسطيني على أساس "برنامج الاجماع الوطني الفلسطيني والشرعية العربية وقرارات الشرعية الدولية المنصفة لشعبنا تمثلها منظمة التحرير والسلطة الوطنية رئيسا وحكومة، والفصائل الوطنية والإسلامية، ومنظمات المجتمع المدني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس يضمن مشاركة كافة الكتل البرلمانية، والعمل على تشكيل جبهة مقاومة موحدة بإسم "جبهة المقاومة الفلسطينية"، لقيادة وخوض المقاومة ضد الاحتلال، و التمسك بالنهج الديمقراطي وبإجراء انتخابات عامة ودورية حرة ونزيهة وديمقراطية طبقاً للقانون، للرئيس والتشريعي وللمجالس المحلية والبلدية، واحترام مبدأ التداول السلمي للسلطة ، و نبذ كل مظاهر الفرقة والانقسام وما يقود إلى الفتنة وإدانة استخدام السلاح مهما كانت المبررات لفض النزاعات الداخلية وتحريم استخدام السلاح بين أبناء الشعب الواحد"، والتأكيد على حرمة الدم الفلسطيني والإلتزام بالحوار أسلوباً وحيداً لحل الخلافات والتعبير عن الرأي بكافة الوسائل بما في ذلك معارضة السلطة وقراراتها.
(3) اتفاق المصالحة بالقاهرة (مايو 2011) ، حيث تم اتفاق الجميع على التوجه الحقيقي نحو الوفاق والمصالحة، والتغلب على المعوقات التي تحول دون إعادة وحدة الوطن والشعب، وكذلك الاتفاق على تفعيل وتطوير م.ت.ف، وعقد الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، إلى جانب الاتفاق على قضايا الأمن ومعايير وأسس إعادة بناء الأجهزة الأمنية ومهامها ، وتوحيد مؤسسات السلطة الوطنية في الضفة والقطاع .. إلخ وفق آليات تفصيلية محددة وردت في الاتفاق المذكور.
(4) وثيقة القاهرة 20/12/2011 بين حركتي فتح وحماس التي لم تخرج في نصوصها عما ورد في اتفاق القاهرة ايار/مايو 2011.
(5) اتفاق المصالحة "الشاطئ" 23/4/2014 الذي أسفر عن الاتفاق على انهاء الانقسام وتشكيل حكومة وحدة وطنية .. إلخ.
ثانياً: أدعو إلى طرح فكرة المطالبة بالإعداد الفوري لانتخاب (أو الاتفاق على تشكيل) مجلس وطني جديد بمشاركة كافة القوى يعزز وحدة منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد لشعبنا، والإعداد للانتخابات التشريعية ، وانتخابات الرئاسة بإشراف دولي وعربي ومحلي لإنهاء الانقسام من ناحية، ومن ثم تشكيل حكومة السلطة في إطار نظام سياسي وطني تحرري وديمقراطي فلسطيني تعددي يضمن تكريس وحدة شعبنا وتعدديته في الوطن والشتات.
ثالثاً: تلتزم القيادة المنتخبة الجديدة بإعداد برنامج الصمود والمقاومة بكل اشكالها الكفاحية والشعبية لمواصلة النضال الوطني ، التحرري والديمقراطي، وفق نصوص وثيقة الوفاق الوطني واتفاقات المصالحة خاصة اتفاق القاهرة مايو 2011.
الأخوة والرفاق الاعزاء .. لاشك أننا نتفق في الجوهر، على أن استمرار الانقسام أدى إلى فقدان الأغلبية الساحقة من ابناء شعبنا الفلسطيني بوصلتهم وقدرتهم على فرض رؤيتهم ومسارهم الوطني من أجل الحرية والاستقلال والعودة، في ظل تفاقم حالة القلق والإحباط من ناحية وفي ظل الممارسات العدوانية العنصرية الصهيونية وحليفها الأمريكي من ناحية ثانية، إلى جانب المتغيرات والمواقف العربية والإقليمية الداعية إلى الاعتراف والتطبيع مع دولة العدو الصهيوني.
وفي مثل هذه الحالة من انسداد الأفق، في ظل تغول مخططات التحالف الامبريالي الصهيوني وحلفاؤه ، يبدو أن عنوان المرحلة الراهنة هو : الانتقال من التسوية الى التصفية للقضية الفلسطينية.
إن هذا الوضع الكارثي الذي يحيق بقضيتنا الوطنية، وبمجمل الأهداف التي ضحى مئات الالاف من ابناء شعبنا من اجلها ، يفرض إعادة نظر جذرية بالنسبة لطبيعة القوى العربية والفلسطينية التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة ، لأن يأسها أو مصالحها الخاصة وتبعيتها وخضوعها لشروط التحالف الامبريالي هو الذي بات يحركها وليس القضية الوطنية والقومية، ما يؤكد على ان مسلسل التنازلات والمخططات بات اليوم بمثابة بئرٍ بلا قرار، وإن المآل الذي وصلته قضيتنا الوطنية، يشير إلى وهم الحصول على دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفق شروط العدو الصهيوني، بينما دولته تسرق الزمن من أجل فرض شروطها في ظل المأزق والتفكك والانقسام الفلسطيني الراهن... دون الغاء وتجاوز الحديث أو التخطيط لإقامة دويلة ممسوخة في قطاع غزة تتوسع في سيناء.
لذلك لا بد من المجابهة لإنهاء وتجاوز الانقسام لكي نستعيد وحدتنا الوطنية التعددية على قاعدة الالتزام العميق بالثوابت والأهداف الوطنية ومواصلة النضال التحرري والديمقراطي بكل اشكاله من اجل الحرية والاستقلال والعودة وفق برنامج الحد الأدنى الذي يجب ان يتضمن جوهر المبادئ والأسس التي تم الاتفاق عليها، ومن ثم البدء الفوري في بناء النظام السياسي الوطني التحرري الديمقراطي الفلسطيني، فلا سبيل أمامنا سوى الحوار الوطني الديمقراطي الشامل بمشاركة كافة القوى والشرائح المجتمعية لإنهاء الانقسام والاتفاق على البرنامج السياسي الوطني الجامع، الكفيل بإنهاء حالة اليأس الراهنة، وتجدد روح الأمل والتفاؤل والثقة في أوساط شعبنا بالقوى والفصائل الوطنية بمختلف اطيافها، بما يوفر إزاحة عوامل الإحباط واليأس ، ويعزز مسيرة النضال الوطني من أجل إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ، فإما الحوار الوطني الفلسطيني الشامل والاتفاق على إنهاء وتجاوز الانقسام ومخططات التصفية الراهنة أو أن نتحول جميعا إلى مضطهدين في بلادنا بعد أن نخسرها ونخسر أنفسنا وقضيتنا ، و أعتقد أننا في اللحظة الراهنة على هذا الطريق طالما ظل الانقسام ، وطالما ظل العدو الأمريكي الإسرائيلي متحكماً في مقدرات شعبنا و طالما بقي الملف السياسي الفلسطيني ملفاً إسرائيليا بلا قيود، و في مثل هذه الأحوال يضيع الحاضر و تنغلق أبواب المستقبل ويحق علينا قول محمود درويش "أيها المستقبل : لا تسألنا من أنتم ؟ وماذا تريدون مني ؟ فنحن أيضاً لا نعرف !!".