مجانين دوت كوم

طارق المهدوي
2017 / 3 / 13


يقع الجنون على عدة مراحل متداخلة فيما بينها تبدأ عندما يغيب عن العقل البشري وعيه الافتراضي سواء كان كلياً أو جزئياً بمفردات الواقع الذاتي أو الموضوعي المحسوس والقائم على النحو الحقيقي لدى صاحبه أو حوله، لتحل محل الوعي الغائب ظنون خاطئة تختلف بوضوح من النواحي الكمية أو الكيفية عن حقائق المفردات الواقعية بحيث يؤمن ذلك العقل البشري الغائب عن الوعي بتلك الظنون الوهمية الزائفة إلى درجة خضوعه المطلق لها، ثم يقوم العقل تحت الضغوط الإيمانية بتوجيه صاحبه نحو إتيان ما يقتضيه إيمانه من أفعال موجبة أو سالبة مخالفة لما يقتضيه واقعه، وهي أفعال تضر النفس أو الغير القريب أو البعيد على أحد أو بعض أو جميع المحاور الحياتية كالسلامة والعدالة والسعادة والمصالح المشروعة وما شابه، ورغم إمكانية تبيان وقوع الجنون من عدمه بوضوح علمي استناداً إلى مدى توافر المعيارين المحددين المذكورين أعلاه وهما الخطأ والضرر ورغم أن تكرار حالات الجنون ينقلها من خانة المرض إلى خانة الوباء، فإن علماء النفس والاجتماع في مجتمعاتنا العربية المعاصرة لا يزالون يتواطئون بشكل إجرامي مع حالات الجنون الجماعي لأسباب ترجع إلى تبعيتهم غير العلمية لسلطات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية التي تنافق الرأي العام وفي الوقت ذاته تتلاعب به، حيث يرى علماء النفس العرب المعاصرين أن اتفاق جماعة ما في زمان ما ومكان ما على شيء ما حتى لو كان خاطئاً وضاراً يعني أنهم أصحاء عقلياً ونفسياً، بل أن الذي يخالفهم فيما اتفقوا عليه يكون مجنوناً لعجزه عن التأقلم معهم باعتبارهم المحيطين به حتى لو كان هذا الشخص المخالف هو الأبعد عن معياري الخطأ والضرر، بينما يرى علماء الاجتماع العرب المعاصرين أن اتفاق جماعة ما في زمان ما ومكان ما على شيء ما حتى لو كان خاطئاً وضاراً يعني نشوء ظاهرة سلوكية تستدعي الفحص والدراسة وليس التصدي والمواجهة، لذلك فقد انتصر المجانين العرب المتجمعين معاً بسهولة على كافة المجتمعات العربية المعاصرة ليفرضوا عليها ما يؤمنون به من ظنون تسود عقولهم الغائبة عن الوعي سواء كانت تلك الظنون مستمدة من أوهام السحر أو الشعوذة أو الأساطير أو الغيبيات، وبالتالي نجحوا في دفع هذه المجتمعات نحو أولويات سلوكية زائفة بعيدة كل البعد عن الاحتياجات والتحديات التي يقتضيها واقعها الحقيقي سواء كانت تلك الأولويات مترجمة في أفعال احتيالية أو إقصائية أو استبدادية أو إرهابية!!.
طارق المهدوي