المصالحة مع الموت عند العراقيين ..

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 3 / 11

المصالحة مع الموت عند العراقيين ....
كان من اهم انجازات الحضارة الغربية والتنوير الاوربي الحديث هو قيام المصالحة مع الموت او تجميل الموت وتحسين صورته القاتمة والمظلمة , ونجد تجليات هذه المصالحة ظاهرا في الادب والافلام والاعلام الاوربي واستقباله برحابة صدرواعتدال , وبتالي انعدام الفجيعة او المصيبة سواء اكان عند المتلقي للخبر من الاصدقاء او الاقارب والاحباب من جانب , او الشخص المقبل عليه الموت الحتمي او المتوقع كالمرض او الاعدام او غيره من جانب اخر . فكلنا يعلم ان البشرية على مدى تاريخها الطويل والمستديم اعتبرت الموت هو (الخوف الاعظم ) وانه لحظة مصيرية غامضة ومرعبة في كينونة الانسان , ومن اجل ذلك شكل الموت نوعا من الفجيعة والمصيبة التي تتصاغر امامها جميع المصائب , وفصلا من اسوء فصول التراجيديا المركبة , وهذا يرجع الى اسباب عدة اهمها :
1 . غموض المصير او المصير المجهول الذي سيؤدي بالانسان بعد الموت , والخوف من ان هناك عالم اخر مرعب ومظلم ينتظره , فيه كائنات اسطورية واشباح مخيفة تتربص به الدوائر, تقوم بالنيل منه وتعذيبه , ويظهر مصداق هذا لافتا عند صورة العراقيين القدامى لما بعد الموت , حيث تخيلوا (عالم اللارجعة) مظلما مخيفا وموحشا تحت الارض له سبع بوابات يحرسها الهة معينة , ينزل الميت الى هناك ويبقى ابد الدهر لايستطيع الخروج الا بعد تقديم بديل عنه ( فيندثر المعدن الثمين تحت تراب العالم الاسفل ) وان النازل الى هذا العالم الاسفل لايجب عليه ارتداء الملابس النظيفة او استعمال العطور , والا فان (صرخة العالم الاسفل سوف تحتضنه) وان الموتى يحاكمون من قبل الالة( اوتو) وهو اله العدل والقوانين, ويبدو ان الاديان اللاحقة قد استقصت فكرة الحساب والالة القاضي من العراقيون القدامى :
اتيت قاصدا ابي
باحثا عن الحياة ....
ابي الذي دخل في مجمع الالهة .....
جئت اساله عن لغز الحياة والموت .....
(كلكامش – الملحمة)
تدفقت الحياة كالربيع عبر القرون .. انه عيد سعيد خالد لابناء السماء وسكان الارض .... ولكن خاطرا وحلما مخيفا اقترب من الموائد السعيدة ... والقى الاضطراب العنيف في النفوس ... وكان ذلك هو الموت ..(نوفاليس )
2 . الحساب العسير والعقاب القاسي الذي ينتظر الانسان بعد الموت الذي ذكرته الاديان السماوية والتوحيدية في حالة قيامه بالاعمال السلبية او اقترافه الاخطاء او المعصية والتجديف والتجاوز على الذات الالهية , وادراج صور مخيفة من العذاب الشديد تباينت من الحرق بالنيران اوالضرب بالسياط والسحب بالسلاسل اوالالقاء الى الحيوانات المتضخمة وغيرها .
واستمرت الصورة النمطية و المرعبة الموت (طبعا في اوربا كمركز للعالم الحديث) حتى القرن السابع عشر (قرن التنوير الاوربي) عندما عدلت النظرة الى الموت من خلال تغيير الصورة التقليدية للدين او العلاقة مع الله وتحويلها كما ذكرنا في مقالة سابقة من نمط العبودية والخوف الى نمط الصداقة والمحبة , ادت في المحصلة النهائية الى المصالحة الى الموت او تجميل الموت , على اعتبار ان المصير سوف لاينتهي عند اله غاضب ومتكبر وحساس يعتمد الحساب العسير والدقيق كما هو شائع في الديانات التوحيدية , وانما عند اله متفهم وبشوش ورحيم , تبلورت صورته من خلال التنوير المسيحي البروتستاني والعقلنة التي صاحبته بعد عصر النهضة والاصلاح الديني الذي نتج عنه ترسيخ النزعة الانسانية في الدين واعتبار الانسان هو محور الدين والعناية الالهية وليس الله .
لقد تجلت تلك النظرة المعدلة الى الموت من خلال اراء وعبارات زعماء التنوير والعقلانية من جهة ومن خلال القصائد والمسرحيات والرويات والاعمال الادبية والفنية الاخرى التي ظهرت خلال تلك الفترة الرومانتيكية , فمن اهم عبارات زعماء وفلاسفة التنوير والعقلانية نجد عبارة سبينوزا ( ان اخر شي يفكر به الرجل الحر هو الموت) بعد ترسيخ مفهوم (وحدة الوجود) وتماهي الانسان مع الالهة وترويج نمط الحرية الشخصية والتسامي عن العبودية التي تتوافق دائما مع الخوف (فالعيش بالخوف هو العيش بالعبودية) , وعبارات هيغل الخالده التي عكست قمة المصالحة مع الموت والتعايش معه ( فالموت هو تصالح الروح مع ذاتها ....وان الخلود صفة حاضرة في الروح وليس واقعة او حدثا مستقبلا )(ان الموت هو الحب ذاته , ففي الموت ينكشف الحب المطلق , انه وحدة مابين ماهو الهي مع ماهو انساني , وان الله متوحد مع ذاته في الانسان , في المتناهي .... عبر الموت .. صالح الله العالم .. ويصالح ذاته للابد مع ذاته ) , وفي كتابه (محاضرات في فلسفة الدين ) يفسر هيغل الموت مرارا وتكرارا باعتباره (احتضار الرب)وهذا الموت هو اسمى اعمال المحبة (المحبة على وجة الدقة , هذه الوحدة بين ماهو الهي وماهو انساني , وهذا التدني بالوعي الى التناهي يدفع الى اقصاه - اي الى الموت - وهكذا فان حدس التوحد في مرحلته المطلقة هو اسمى حدس للحب ) . كما اكد هيغل( ان فكرة الحياة بعد الموت هى في الاصل من ابداع الشرقيين ولعلها الفكرة الاعظم لديهم , والفكرة الاسمى في ميتافيزيقياتهم) . فيما عد شوبنهاور الموت (هو الهدف الحق للحياة , وان قصر الحياة الذي يثير الاسى بلا انتهاء قد يكون افضل صفاتها)( وان الموت هو العبقرية الحقة الملهمة او ملهم الفلسفة , فقد عرف سقراط الفلسفة بانها معرفة الموت ) . واما فيورباخ فقد اكد( ان الحياة ينبغي ان تعاش بكامل امتلائها رغم الموت ) واستعار لغة استاذه هيغل حول علاقة الموت بالحب والحرية وكيف انه تحقيق للخلود (فالانسان لايموت الا لانه كائن حر ومفكر واع , والقول بان الموت قانون طبيعي هو قول سطحي , لانه حيثما لاتوجد روح ولاحرية لايوجد موت , فالموت يفترض الروح مقدما ) .
اتنشدون الحياة من الموت
حرى بكم ان تناضلوا للوصول الى الهدف
المتمثل في ان الانسانية مستقبلا
ستذكركم بالحب ......
فيما تجلت المصالحة مع الموت واضفاء الطابع الرومانتيكي عليه في قصائد ومسرحيات لاتحصى وابيات خالدة من الوصف البهي, فالموت هو ليس نهاية الرحلة فحسب , بل هو بداية الرحلة الجميلة والبهية للروح للانطلاق نحو عوالم
مبهجة من السمو (فهناك الوان من الفجر لم يقدر لها ان تظهر بعد ) :
لقد توحد مع الطبيعة ...
وتناهى صوته في موسيقاها ....
من انين الرعد ...
الى شدو الطائر المغرد .(شلي)
الى الداخل يمضي الطريق الغامض ...
وليس في اي موضع اخر ...
يكمن الازل ....(نوفاليس)
ان تغيير النظرة التراجيدية للموت لاتحصل الا من خلال تغيير نمط العلاقة مع الله من العبودية والخوف الى نمط الصداقة والمحبة , وهذا التحول لايكون ايضا الا من خلال تغيير صورة الله المرعبة والمخيفة الى صورة الله المتفهم والحنون والرحيم , وتغيير صورة الله المرعبة ايضا لاتكون الا من خلال تنوير الدين وعقلنته وتطويره الى مديات افضل من الانسنة والعقلانية والثقة , وتطوير الدين وتنويره لاتكون ايضا الا من خلال طريق واحد وفريد وهو التنوير الاوربي الحديث والاصلاح وفق الشروط العقلانية والعلمية وترسيخ النزعة الانسانية .
واما اكثر المجتمعات المعنية بهذه المصالحة فهو المجتمع العراقي الذي يشكل الموت عنده تراجيديا مركبة وماساة مزمنة وفجيعة اسطورية من الحزن والبكاء واللطم , وهذه الفجائع تشكلت كانماط عليا - بلغة يونغ - من تراثه الرافديني والحضاري القديم ابتداء بالسومريين وانتهاء بالاراميين المسيحيين و الشيعة الامامية , فالعراقيون القدامى تخيلوا ان العالم الاخر هو عالم مظلم وموحش لاماء فيه او طعام او ملبس , وان الذاهب اليه لاعودة له او راحة او امان – كما ذكرنا سابقا - فشكل الموت فجيعة كبرى للراحلين والاحباء المقربين على حد سواء تجلت في قصائد لاتحصى من الاسى والحنين والشجن . ولكن هذا لايمنع من وجود اسباب عاطفية تتعلق بالحنين والم الفراق والشعور بالاسى على فقدان الاحبة , وربما كانت المعاناة الدنيوية التي تترتب على فقدان المعيل او صاحب العائلة او الاب والزوج والاخ والابن وغيرها من اسباب التطرف في الفجيعة عند العراقيين . وقد صور الموروث الشعبي تلك المعاناة في قصائد شعبية عديدة منها هذه الابيات المؤلمة على لسان ارملة تنعي زوجها شراد :
واعدني بيه المواعيد ............
واعدني بيه وانكتل شراد ....
وراح الفصل خرجية للاجواد ...
وقول احدهن :
الليل كله عيب انام ...
وحرمة او صرت مابين ظلام ...
جنت بفرح والفرح مادام ....
وقد تميز المجتمع العراقي بوجود نوعين من البكاء على الميت وهو النعي واللطم وهى ظاهرة انفرد بها عن باقي المجتمعات . والنعي هو رثاء الميت من قبل امراة ذات صوت شجي , وذكر محاسنه وصفاته , والالم الذي يصاحب فراقه من خلال استخدام الصور الشعرية المؤلمة , مثل نعي احدى النساء لابنها :
ردت الصبي العازتي
او ردته يشيل جنازتي
وايحط الجفن بوسادتي ....
او نعي احداهن ايضا :
ردتك لاردت دنيا ولامال
ردتك ياوليدي لو الحمل مال
بعد مال مال حملي ياوليدي وخنت بيه ......
او : يمكبرة شبيج من اهلنة ...
بيج النويني وبيج المحنة
وبيج تخاف الزلم منه .......
او : درب النجف لوفات لوفات ...
لو ظلم وكتنا عدمن نبات ...
نبات عد اصحاب المروات ........
واللطم على الميت يتخذ شكل الهوسة , حيث تجتمع النساء على شكل حلقة دائرية , وتقوم الناعية او الشاعرة او الكوالة (الملاية) بذكر قصائدها الشعرية وهن يقمن برد المقطع معين ورائها تختاره الناعية لهن , مع الدبك على الارض واللطم على الصدور , والتي في الاغلب تاخذ المستل – مستل القصيدة - من المراة (التلاجي) (وهى المراة المعنية بالميت كان تكون زوجته او امه ) مع انفعالات وافعال اخرى متطرفة كشق الجيب ( اي شق الملابس من اعلى الصدر وحتى الاسفل ) او نفش الشعر و قطع القصيبة او تشوية الوجة بالاظافر واخراج الدم منه او ضرب الراس بالحائط او اللطم على الوجة والكلى , مع ممارسات اخرى تلتزم بها المراة لاحقا كارتداء الملابس السوداء سنين طويلة والمشي فترة من الزمن حافية القدمين , وعدم النوم على فراش ابدا , ووضع عصابة سوداء على جبهة الراس وغيرها من الصور التراجيدية الي انفردت بها المراة العراقية عن باقي النساء في العالم .
ومن تلك اللطميات :
يالشالع طبكة من ضلوعي ...
او : معرس ليش ؟ مودين للكبور ..
او : راحن حبايبنه النودهن ....... ونسكت المفطوم عدهن ..
وقد رويت المصنفات الدينية الشيعية عبارة او قول للامام الصادق يطلب فيه من احد الناعيين على الامام الحسين ان يقوم بذلك على طريقة العراقيين , ويبدو ان ظاهرة النعي المتطرف والشجن كانت معروفة في تلك الازمان الغابرة , حتى قيل في الامثال الدارجة (حزن معدان ) عبر عنه البيت الدارمي الاتي :
لحزن حزن معدان وارخي العصابة ...
متعنية للعباس وي هالطلابة .......
بل ان المفارقة ان تلك الظاهرة انتقلت حتى لليهود الذين استوطنوا العراق بعد السبي البابلي , فقد روت احدى المزامير وصف ان بعض اليهود جلسوا على ضفة نهر الفرات وتذكروا ارض صهيون فاخذوا البكاء الشديد (على انهار بابل هناك جلسنا , بكينا ايضا عندما تذكرنا صهيون ), فيما انتقد حزقيال تقليد اليهود للعراقيين في البكاء على تموز في المعابد( فجاء بي الى مدخل باب بيت الرب الذي من جهة الشمال واذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز ).
واما المصالحة مع الموت والسبل الكفيلة بذاك فهو شبية بالطريق او السبيل الذي ذكرناه سابقا , وهو تعديل العلاقة مع الدين او الله من نمط العبودية والخوف الى نمط الصداقة والالفة والثقة , وهذا الطريق او التعديل لايكون بالطبع من خلال النصائح والاقتراحات المجانية , وانما من خلال التنوير الاوربي الحديث والاندماج بركب الحداثة الاصلاح الشامل .وسبق ان ذكر الدكتور علي الوردي ان اي طريق للاصلاح يجب ان يتم من خلال تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتربوي والديني وليس من خلال المواعظ والنصائح والارشادات التي يقوم بها الخطباء او المثقفون والمتعلمون التي في غالب الاحيان لايكون لها تاثير ملموس وحقيقي على المجتمع .