ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (24)

طلال الربيعي
2017 / 3 / 10

حسب ماركس وإنجلز, ان الطبيعة مستقلة تماما عن الوعي البشري. ولكن هذا لا يعني مع ذلك أن البشر لا يشكلون جزءا من الطبيعة, اي انهما لم يكونا من اتباع الفيلسوف ديكارت الذي يفصل العقل عن الجسم, وكما يزعم كذلك سرا اتباع الماركسية المبتذلة او دعاة الشيوعية العِلمانية, او كما زعم جهرا فيلسوف العلم كارل بوبر (1), الذي يعتقد بوجود علاقة ميكانيكية بين الانسان والطبيعة, وليس علاقة ديالكتيكية كما لدى ماركس او وايتهيد. وهناك العديد من الأدلة العلمية التي تبثت صحة رأي ماركس وانجلز بوجود وشائج لا تنفصم بين الانسان والطبيعة. واني اختار هنا فقط الدلائل المستقاة من الايثولوجي Ethology, او علم سلوك الحيوان. وهذا لا يعني ابدا عدم اهمية الدلائل المستقاة من مصادر علمية اخرى قد اتوفر على معالجتها لاحقا.

قبل ان اسرد الادلة, اود ان اعرّج على مفهوم الله ونقيضه الشيطان لدى وايتهيد. فاغلب الناس تتحدث عن الشيطان بدلالات دينية- مثل رجم الشيطان اثناء مراسيم الحج لدى المسلمين. ومفهوم الله لدى وايتهيد (كمفهومه للشيطان) يتميز ببعض التعقيد ويختلف تماما عن معناه التفليدي والمتعارف عليه, وخصوصا لدى اتباع الديانات التوحيدية. فالله, بعرف وايتهيد, هو ايضا صنو للجمال والتناسق والابتكار. اما الشيطان فهو نقيض كل هذا.

على افتراض أننا نتمسك بالتعريف غير الديني والاوسع للشيطان باعتباره كل ما ينطوي على التصرف بطريقة خبيثة - فمن المعقول أن نسأل لماذا ظهر الشيطان إلى حيز الوجود. ونحن نعلم أن البشر والقردة تطوروا من اصل واحد وفي نهاية المطاف من حيوانات أبسط من ذلك بكثير. وهذا يعني أننا قد اكتسبنا العديد من سلوكياتنا من أسلافنا من الحيوانات الدنيا. ولكن هل يشمل هذا ايضا السلوكيات الشريرة او الشيطانية؟ وإذا كان الامر كذلك، فهل هذا بسبب كون ان الشر مفيد في بعض الحالات؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكننا تتبع تطور الشيطان من وجهة نظر بايولوجية تطورية؟

هناك العديد من التعاريف المختلفة بخصوص طبيعة الشيطان, ولكن يمكن ان نزعم ان الشيطان هو تجسيد للأفعال التي تسبب المعاناة عن قصد أو تدمير أو إتلاف في الطرف B لصالح الطرف A. ولاستكشاف المزيد، يمكن تقسيم هذه الافعال المتعمدة إلى اربعة فئات أساسية, والتي يمكن ان نطلق عليها تسمية "رباعية الشيطان", وكان اول من تكلم عن "ثلاثية الشيطان" هم مجموعة من علماء النفس في جامعة كولومبيا البريطانية، قبل نحو 15 عاما (2), والتي تضمنت الميكيافيلية (التلاعب والخداع)، السايكوباثية (معاداة المجتمع، القسوة، وعدم الشعور بالندم) والنرجسية (التكلف، الافتخار بالذات, والافتقار إلى العواطف). في وقت لاحق, وسعت الثلاثية الى رباعية لتشمل ايضا السادية (التمتع بالقسوة) (3)- ونحن نعلم ان السادية والمازوخية هما وجهان لعملة واحدة, وهما, حسب اعتقاد المحلل النفسي الماركسي Erich Fromm, يمهدان الارض الخصبة لنشوء الفاشية (4). ولكن لماذا توجد هذه السلوكيات الشيطانية في البشر؟ وهل يمكن وجود نظيراتها في الحيوانات؟

الميكيافيلية
تنطوي الميكيافيلية على استخدام استراتيجية ذكية وماكرة للوصول إلى السلطة والتغلب على المنافس.وهي جزء طبيعي من الحياة السياسية، وبطبيعة الحال- حتى لو كان الأفراد من ممارسي السياسة ليسوا بشرا. فيبدو انه حتى القردة لديها القدرة على ممارسة السلوك الميكيافيلي. فقد وجد Dario Maestripieri من جامعة شيكاغو, في دراسة مثيرة للاهتمام، ان السلوكيات الميكيافيلية موجودة في مجتمعات القرد الهندي الصغير, وذلك اثناء دراسته لها طوال أكثر من 20 عاما. الدراسة اظهرت, مثلا, ان الذكور المهيمنين (ألفا) تشارك في سلوك تهديدي وتكتيكات عنيفة لحماية مسافات النوم، الإناث, والمواد الغذائية. وكذلك ان القرود المهيمنة تستخدم سلوكيات عدوانية مباغتة لا يمكن التنبؤ بها للتحكم بالمرؤوسين. ويتم تشكيل تحالفات تلجأ فيها إناث القرود للحفاظ على بناتهن عن طريق التزاوج مع الذكور المهيمنين او الألفا - لكنهن يتزاوجن أيضا مع ذكور آخرين من وراء ظهر القرد المهيمن لضمان حمايتهن اذا مات الذكر المهيمن أو خلع. في الواقع، يبدو ان كل قرد لديه القدرة على ممارسة السلوك الميكيافيلي. ان الميكيافيلية جزء من تكوين هذا الحيوان, ولكن افراده لا يفعلون هذا في كل وقت، فهم, تماما مثل البشر, لا يسلكون سلوكا ميكيافيليا طوال الوقت.

السايكوباثية
قد يبدو مرا مستغريا القول ان الحيوانات (العليا), حالها حال البشر, يمكنها التصرف باسلوب سايكوباثي, ولكن هنالك العديد من الدلائل التي تشير الى ان بعض الحيوانات هي فعلا شخصيات غير لطيفة. درست العالمة الشهيرة Jane Goodall, في الوقت نفسه، أم وابنتها من الشمبانزي, اللتان التهمتا بشكل منهجي ثمانية أطفال الشمبانزي على مدى أربع سنوات. ولكن هل هذه الحيوانات مريضة نفسية فعلا؟ للاجابة على هذا السؤال, قام عالما النفس Peter Buirski و Robert Plutchik في عام 1991 باستخدام اختبار نفسي لقياس العواطف, Emotions Profile Index, مع بعض افراد الشمبانزي, ويشمل الاختبار مؤشرات "الخداع، القسوة والعدوانية، وغياب العلاقات العاطفية، وعدم الخوف". ويظهر الاختبار ان بعض افراد الشمبانزي تعاني فعلا من السايكوباثية حالها حال البشر, ولكن بالطبع قد تكون هذه السلوكيات احيانا تعبيرا عن الصراع من اجل البقاء والتأقلم.

السادية
في رباعية الشيطان، يتم تعريف السادية بكونها التمتع بالقسوة. ونحن اذا نظرنا الى الحيوانات التي تلعب مع ضحاياها، فهم يعذبون القنيصة ولا يقتلونها. ولذلك, لربما ان تعلّم الحيوان ان يكون حيوانا بالغا هو عن طريق اللعب اولا, وفي مكان ما بين اللعب وان يصبح حيوانا بالغا يتحتم عليه القتل, هنالك خط فاصل. وقد تستمر مرحلة التلذذ باللعب بالقنيصة، او السادية, في الحيوان البالغ دون ان يستطيع تخطيها. ولذلك ان السادية قد تعني توقفا في تطور الفرد بيولوجيا-نفسيا.

النرجسية
ان شرح الأنانية المتطرفة بارتباطها بالنرجسية قد يكون أسهل إذا اخذنا ما كتبه عالم التطور البيولوجي Richard Dawkins عن أنانية الجينات بنظرالاعتبار- وهو امر تطرقت اليه من قبل. ويمكن القول ان "هدف" انانية الجين هو إدامة الحيوان والحيلولة دون انفراضه جيلا بعد جيل، ولا يهم أن ان كان ذلك يأتي نجاحه على حساب العواقب الجينية الأخرى او على حساب الكائنات الحية المتواجدة في محيط الحيوان. بينما لدى البشر القدرة, جزئيا, في التحكم بالأنانية الأصلية وقد حرروا انفسهم, الى حد معين, من عتق الانانية الجينية بسبب التأثير الثقافي او الحضاري, الا ان جميع ألكائنات الحية المتبقية هي "ماكنات" للابقاء على جيناتها. وبدرجة معينة يمكن أن يساعدنا هذا في تفسير ليس فقط تطور وبقاء النرجسية على قيد الحياة، ولكن أيضا بقاء المكونات الأخرى من رباعية الشيطان والحيلولة دون انقراضها.

ان الدلائل العلمية الواردة اعلاه وغيرها تدحض بشكل قاطع المزاعم بوجود انفصام بين الانسان والطبيعة, وتثبت ان قوانين الديالكتيك تنطبق على الطبيعة وعلى الانسان على حد سواء.
يتبع
.........
المصادر
1. The Poverty of Historicism
https://books.google.at/books/about/The_Poverty_of_Historicism.html?id=6jd2mfbD3BUC&re---------------------dir---------------------_esc=y

2. The Dark Triad of personality: Narcissism, Machiavellianism, and psychopathy
http://www.science-------dir-------ect.com/science/article/pii/S0092656602005056

3. Behavioral Confirmation of Everyday Sadism
http://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0956797613490749

4. Erich Fromm
Mechanisms of Escape from Freedom
https://www.panarchy.org/fromm/escapefreedom.html