أبكار السقاف-رائدة الحداثة والتنوير

عبدالجواد سيد
2017 / 3 / 10

أبكار السقاف - رائدة الحداثة والتنوير
أبكار السقاف ، هذه السيدة الأرستقراطية الجميلة من القرن العشرين ، 1913-1989 ، صاحبة الصورة الوحيدة بنظارة سوداء وسيجارة ، صورة وحيدة لكنها تؤسرك فتظل تفكر فيها ولاتستطيع التحرر منها، كأنها لغز، صوت من الماضى ، ورسالة ، هذه الرسالة التى إكتشفها الباحث المصرى، مهدى مصطفى ، الجندى المجهول ، الذى بحث عن تراث أبكار، وأعاده إلى الحياة.
تتساءل أبكار فى مقدمة موسوعتها الخالدة (نحو آفاق أوسع- المراحل التطورية للإنسان ) ، والمتاحة على النت الآن ، فما الوجود ، وما الألوهية ، بل مالصرح الذى قام على الوجود والألوهية ----- مالدين؟ كلا بل ماتاريخ الإنسان ، ونفس الإنسان ، وعقل الإنسان. هذه هى إذن الرسالة الى حملتها لنا أبكار، وشاء القدر أن يتأخر الكشف عنها حتى بدايات القرن الحادى والعشرين حين قامت دار الإنتشار العربى ببيروت بنشر الأجزاء الأربعة كاملة سنة 2004 بعد رحلة طويلة من الغياب. الدين فى مصر والعصور القديمة وعند العبريين ، الدين فى الهند والصين وإيران ، الدين عند الإغريق والرومان والمسيحين ، الدين فى شبه الجزيرة العربية. عناوين الأجزاء الأربعة للموسوعة الإنسانية الكبيرة التى حملت عنواناً كبيراً واحداً ، نحو آفاق اوسع - المراحل التطورية للإنسان. ميراث أبكار الخالد. رحلة فى عقل الإنسان.
كان زمن أبكار زمن الأدب والسياسة ، زمن روزا اليوسف ومى زيادة ، ولذا لم تحقق الشهرة التى تستحقها رغم إختلاطها الكبير بالوسط الثقافى المصرى بكل رموزه من عباس العقاد حتى أحمد الصاوى محمد و نجيب محفوظ ، لم يكن زمن التحدى الكبير فى مقارنة الأديان قد وصل بعد على يد سيد القمنى وفراس السواح ، سبقت أبكار عصرها ، وخاضت ذلك المجال الأنثربولوجى الشاق فى البحث فى عقل الإنسان فى كل فضاء العالم ، وليس فى الشرق الأوسط فقط ، وذلك بما إمتلكت من ثقافة موسوعية وإجادة للغات الأجنبية ، وفرتها لها ظروف النشأة فى حضن أسرة ميسورة ، فقد كان أباها محمد سعيد السقاف ، سياسياً يمنياً من حضرموت ، وحليفاً للشريف حسين قائد الثورة العربية ضد العثمانيين فى الحجاز ، فسبقت الجميع وتصدت لذلك المجال الذى مازال حتى اليوم صعباً على الرجال ، وتركت لنا ذلك النتاج الفكرى الضخم ، الذى نحتاجه اليوم أشد الإحتياج ، يساعدنا فى إدراك غريزتنا الدينية فى البحث عن سر الحياة ، فى سياقها الطبيعى ، كمجرد فكرة فى عقل الإنسان ، ثقافة متطورة مع تطور الحياة.
تركت أبكار أعمالاً أخرى عدا موسوعتها الكبيرة ، فقد نشرت كتباً عن الحلاج وعن إسرائيل والقضية الفلسطينية وبعض أشعار، كما تركت سيرة ذاتية بعنوان أصداء متفرقة أتمتها سنة 1962 ، وهى السنة التى صادرت فيها السلطات المصرية نسخ الأجزاء الأولى من موسوعة نحو آفاق أوسع بعد أن أقدمت مكتبة الأنجلو المصرية على نشرها ، ولعلها شعرت حينئذ أن هذه هى النهاية فأتمت سيرتها عند هذه السنة ، رغم أن محاولاتها لنشر أعمالها قد إستمرت بعد ذلك، كما تركت أيضاً ،مشكلة حدودية كبيرة ، بين اليمنيين والمصريين ، رغم بعد المسافات ، فقد كانت من أب يمنى وأم تركية ، لكنها مصرية المولد والنشأة ، لذا فقد كان من الطبيعى أن لا يتخلى اليمنيون عن نسبتها إليهم ، كما كان من الطبيعى أن لايتنازل المصريون عن حقهم فيها أيضاً. فى اليوم العالمى للمراة ، تحية لذكرى أبكار السقاف، وهيا بنا نقرأ ، نحو آفاق أوسع.