فرط اليسار

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 3 / 6

لا أنوي إطلاق مواعظ ، أو إصدار مناشدات عاطفية لليساريين المصريين الذين يفضلون البقاء على وضعيتهم الفردية والابتعاد عن عضوية أي من المنظمات والأحزاب اليسارية القائمة.. فلم يُجدِ هذا الأسلوب من قبل.. لأن الأسباب وراء هذا الموقف أقوى فيما يبدو من أي مواعظ أو مناشدات..

لا شك أننا أمام ظاهرة عالمية وليست مصرية أو عربية فقط.. فكل الأحزاب اليسارية في العالم تعاني من الانفراط والعضوية الدوارة وتفضيل النشاط الفردي أو النوعي والتنظيمات الأفقية غير الإلزامية..الخ. وبطبيعة الحال يمكن إرجاع هذه الظاهرة اإلى الأزمة التاريخية والفكرية التي صاحبت انهيار النموذج الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي السابق وأوربا الشرقية.. ولا أنوي الاستطراد هنا في هذا الموضوع المقتول بحثًا.. كما لا يمكن أن ننكر ظاهرة العولمة وانتشار الفكر الليبرالي وتطبيقاته "التنظيمية"، وكذلك تحول الكثير من الأنشطة الإنسانية إلى الواقع الافتراضي والإعلام الإلكتروني..

هذان العاملان كان لهما تأثير أعم على الكثير من الكوادر الاشتراكية المخضرمة بتوليد إحباط عام، خاصة بسبب أزمة تاريخية أخرى نتجت عن خضوع الأحزاب اليسارية للنمذجة والنصية وعدم القدرة- من ثم- على "توطين" الفكر والتنظيم الاشتراكي في بلدانها. ولا شك أن النتيجة الطبيعية كانت المزيد من التشوش والتقلب والانكشاف أمام الموضات الفكرية الغربية في الفكر والسياسة والتنظيم وأساليب النضال (وإن لم تكن تخلو من تجديد وإبداع طبعًا)..

كما لا يمكن إهمال عامل خطير في مصر أسهمت به التجارب الحزبية اليسارية الفاشلة والمجهضة في موجتيها التاريخيتين الثانية والثالثة، والتي تمثلت في خطوط سياسية خاطئة أسهمت مع طموح الزعامات في صراعات تناحرية بددت الجهود والفرص، والخلط بين المواقف الأيديولوجية والسياسية، وبين الاستراتيجية والتكتيك.. ناهيك عن تفاوت وتنافر الخبرات التنظيمية لدى اليساريين: بين ستالينية خانقة وفوضوية ليبرالية.. وهكذا حتى بعدما تفككت تلك الأحزاب والمنظمات ظل الوضع الانقسامي قائمًا- وياللغرابة- بين اليساريين المنفرطين.. أي انتقلنا من أنقسام منظمات إلى تذرر فردي!

إذن لا بد لنا من البحث عن عامل آخر يفسر لنا كل هذا.. أتجرأ وأقول إنه العامل الخاص بطغيان الطابع الطبقي للبرجوازية الصغيرة على صفوف اليساريين.. ولسنا في حاجة إلى تفصيل الصفات اللصيقة بالوضعية الاجتماعية لهذه الفئات: من قلق دائم، ودوران حول الذات وإعجاب بها، ورغبة عارمة في التحرر من كل التزام..الخ. ولا مراء في أن هذا التركيب الطبقي لليسار المصري كان أمرًا عاديًا مثل كل المجتمعات، لكن انفراط المنظمات لم يسمح بتطوير التواجد العمالي والفلاحي والشعبي عمومًا في صفوف اليسار، بل إن التجارب السلبية تسببت للأسف في إحباط أو حتى "برجزة" الكوادر الشعبية التي انتظمت في السابق في تلك المنظمات، وأقحمت الكوادر الجماهيرية منها في ممارسات وصراعات داخلية عقيمة..

وأغامر بزعم آخر.. وهو أن الأحزاب اليسارية السابقة كانت متهوسة بالخوف من الاختراق الأمني (ومعظمها كانت سرية) مثلما كانت تتخوف من الانحراف السياسي وحتى "التلوث" الفكري، فمالت للانكفاء ولم تكن مهمومة بالقدر الكافي بجمهرة نفوذها وتوسيع عضويتها..

كانت النتيجة، بعد تفكك الأحزاب، وفي ظل الحصار الخانق والبوليسي للمجال العام في عهد مبارك أن ذهبت كوادر كثيرة إلى ظلال الانزواء في المشاريع الفردية، بالسفر للعمل بالخارج أو التركيز على النجاح المهني (وإن عادت غالبيتهم للنشاط بعد انتفاضة يناير 2011).. بينما عوض آخرون انتهاء نشاطهم الحزبي بالانغماس في الأنشطة النقابية أو الحقوقية أو الثقافية أو الصحفية.. وهو واقع موضوعي غرس فيهم المزيد من روح العمل الفردي أو الجماعاتي المصغر، والقبول بتجزئة القضايا النضالية دون تأطيرها في استراتيجية وتكتيك جامعين..

كما حاول آخرون الاجتهاد لإعادة بناء اليسار أو توحيده، سواء قبل انتفاضة يناير أو بعدها، لكنهم كانوا ينطلقون غالبًا من فكرة "البناء من نقطة الصفر"، أو التركيز على "التبشير" النظري المجرد، ناهيك عن التأثيرات السلبية الغائرة للتجارب السابقة..

وبالطبع تسهم هذه الحالة بمجملها في تدعيم منطق الاكتفاء (مؤقتًا كما هو مزعوم) بالنشاط الفردي أو النوعي..الخ. وسأحاول هنا مناقشة منطق الوضع الفردي، ببعض النقاط المتفرقة

= لا شك أن الانقسامية كظاهرة مرضية تاريخية كانت ولا تزال من أسباب الانفراط، لكن الانفراط نفسه يُصعِّب بالمقابل توحيد القوى اليسارية، ولا يشكل ضغطًا كافيًا عليها للمضي في هذا الطريق..

= كما يتسبب الوضع الفردي في إهدار الكثير من الجهود التي من الممكن أن تحقق نتائج أفضل بكثير لو كانت تتم من خلال أحزاب كبيرة.. وبالطبع أقصد الحجم المؤثر، لأن المقصود ليس الجمع الكمي فحسب (1 +1 هنا تعني أكثر من 2 طبعًا)..

= المناضل المنفرد يحلل الأوضاع السياسية والطبقية بنفسه ولنفسه، وهو بالطبع ليس مؤسسة متكاملة، فهذا جهد كبير حتى على الأحزاب نفسها.. وبافتراض أن اليساري المنفرد يمكن أن يتوصل إلى تحليلات واستنتاجات سليمة في موضوع واحد (ولا نتكلم عن نضال عام شامل) فمن سينفذ هذا الخط الصحيح المفترض، وما هي الآلية التي سيلتزم بها قريبون منه في مسار تنفيذ المطلوب؟ من المؤكد أن العمل الجمعي هو أفضل سبيل لبناء الرؤى ووضع الخطط وكسب الجماهيرية والنفوذ.

= إن النظام القائم لن يهزه عشرات الآلاف ممن يغردون في الواقع الافتراضي، أو يتحدثون في الفعاليات والندوات المحاصرة..الخ.. وإنما يهزه جدًا لو وُجد حزب يساري تبلغ عضويته عشرة آلاف مثلاً..

= استدامة أي تيار وإعادة إنتاجه (بإبداع) هي مسألة حياة أو موت بالنسبة له.. ومن المؤكد أن مسألة "التجنيد السياسي" لا تشغل المناضل الفرد كثيرًا.. وأين هي الفضاءات التي ستكوّن وتبلور القيادات اليسارية الجديدة في ظل استمرار هذه الحال.. هل ستكفي المقالات والتدوينات والندوات والاحتجاجات المحدودة أو العفوية؟ ألم يكن هذا الوضع من أهم أسباب تبوأ قيادات ليبرالية ودينية وانتهازية لصدارة المشهد بعد يناير 2011؟ إن الأحزاب اليسارية في الماضي (بكل عوارها) هي من أنتجت قيادات مثل شهدي عطية وزكي مراد ونبيل الهلالي وفؤاد مرسي وخالد محيي الدين...الخ. ولسنا بحاجة إلى التأكيد على أن الوعي الشعبي عامة يفضل أن تُقدَّم له قيادات ملهِمة .

= يفضل بعض المناضلون الفرديون الدخول في الأنشطة "الجبهوية" فقط تحت مسمى الشخصيات العامة.. وهو وضع يساعد في منح أوضاع استثنائية قوية لشخصيات عامة أخرى غير يسارية.. وإذا كنا نقبل هذا التمثيل الفردي في الأنشطة الجبهوية (وهو ما يطرح معضلات في التمثيل) كمرحلة انتقالية، فعلينا أن نعمل لإنهاء هذا الوضع نسبيًا وتدريجيًا، لا أن نساعد في ترسيخه وتوسيعه.

= من أهم عيوب اليسار، والحياة الحزبية عامة، بروز طابع نخبوي منعزل موضوعيًا وسياسيًا.. بل ذهب البعض إلى اعتبار فكرة "الطليعة" نفسها نوعًا من النخبوية المتعالية على الجماهير.. فهل يعمل استمرار النضال الفردي الطاغي من أجل مكافحة النخبوية أم تدعيمها؟

= فردية النشاط تعفي صاحبه عن المساءلة وتغنيه عن النقد الذاتي إذا أخطأ.. يكفي مثلاً ما حدث من البعض حينما أقحموا بعض الشباب في تحالفات مع الإخوان والسلفيين وخاضوا مواجهات دامية لصالحهم.. كما عاصرنا نوعًا من النزعة الإرادوية والفوضوية في رفع شعارات خاطئة في طبيعتها وتوقيتاتها.. باختصار لا يمكن الاستراحة لأن يتحول كل مناضل إلى منصة لوحده أو مع جماعة صغيرة.. فهذا طريق غير مستقيم إلى هزائم وإحباط مؤكدين..

= من حق وواجب المناضل اليساري (حتى المنفرط) أن تكون له تحفظاته على الخطوط السياسية والأساليب التنظيمية والقيادات الحزبية.. فهل من المتصور أنه سيستطيع التغلب على هذه الأخطاء من الخارج أم أن المسئولية والوعي يدفعانه إلى التصحيح من الداخل، أو حتى الشروع في تكوين البديل (الجماعي).. وغير هذا سيضع المناضل في وضعية المراقب أو "المناكف" لا أكثر..

= هل فكرنا في أن الوضع المنفرط هو الوضع الأمثل الذي تفضله الإمبريالية والصهيونية والرجعية؟ وأليس جوهر الانتماء للاشتراكية هو الإيمان بدور الجماهير الشعبية وتنظيمها.. فهل سيتحقق هذا في ظل الوضع المذكور؟ وهل تحتمل أوضاع وتطورات الحالة المصرية الآن هذه "الرفاهية"؟

أخيرًا.. أليس من الأفضل أن تكون لدينا كتلتان أو ثلاث يسارية كبيرة بدلاً من وضع ينتظم فيه عُشْر اليساريين في أحزاب، والتسعة أعشار مستمرون في وضعية فردية؟؟

ولنتذكر دائمًا أن "السائر وحده" هو الذي هُزِم وأن السلطة دانت لعصبية معاوية!!