الإسلام العملي !!!

صادق إطيمش
2017 / 3 / 5

في احدى مناظراته التلفزيونية مع الإعلامي السيد احمد ملا طلال تطرق الأستاذ الكبير والمفكر العراقي الجليل والكاتب الإسلامي الدكتورغالب الشابندر إلى ضرورة تطبيق ما سماه بالإسلام العملي وذلك من خلال نزول احزاب الإسلام السياسي إلى الشارع والإحتكاك مع الجماهير على ارض الواقع ودعوة من لم يُصَّلوا إلى الصلاة ، وإكساء العريان، وإطعام الجوعان ، والتعليم بان السرقات حرام. ونادى المفكر الكبير الاستاذ الشابندر بعض الأسماء في قيادات احزاب الإسلام السياسي لتحقيق هذه المهمة ، إن كانوا صادقين فيما يدعون من تبنيهم لمبادئ الدين الإسلامي في عملهم السياسي.
لا يخفى على الجميع مكانة ومنزلة المفكر الإسلامي غالب الشابندر بين العراقيين الذين خبروا مساهماته في التوعية الدينية المتحررة وانحيازه الوطني الكامل، كل ذلك جعله في مواقف عدة تجلى فيها عداء رواد الإسلام السياسي له ولمواقفه الرافضة لتصرفاتهم اللصوصية واعمالهم المنافية لكل دين واخلاق ومبادئ وتراث.وما ارغب التطرق اليه هنا هي الفكرة التي طرقها استاذنا الكبير والتي سماها " ألإسلام العملي " ضمن المواصفات التي تفضل بطرحها والتي ذكرناها اعلاه.

اولاً وقبل كل شيئ فإنني اعتقد اعتقاداً جازماً بأن الاستاذ الشابندر حينما ذكر بعض اسماء قياديي الأحزاب الدينية ، طالباً منهم النزول إلى الشارع لتحقيق ما اسماه بالإسلام العملي، فإنه يعلم علم اليقين بان مثل هذه الأسماء لا يمكنها ان تحقق رغبته هذه، بل ان طرحها جاء من باب التهكم على مثل هذه الشخصيات التي اثبتت بُعدها عن الجماهير خلال الأربعة عشر سنة الماضية، وانها لن تستطع بعد الآن كسب اي انسان عاقل لما تطرحه من فكر ديني، حيث ان شذود تصرفاتها وانهيار اخلاقها وتفاقم ثرواتها وازدياد لصوصيتها وتعاظم اكاذيبها، وضعها في مواقف بائسة لا تستطيع معها الخروج من شرنقة كرسي الحكم التي التفَّت عليها لتحيلها إلى الموت البطيئ طال الزمن بها ام قصُر.

الأمر الثاني يتعلق بالفكرة اساساً ومدى الإمكانيات المتوفرة لتحقيقها حينما تدعو إلى الإسلام العملي ، حتى بوجود قادة اسلاميين يمكنهم العمل في هذا المجال. لتحقيق اية فكرة في المجال العملي لابد من وجود اساس نظري لهذه الفكرة. وهذا ما جرى عليه الإنشغال بكافة العلوم التي يمارس فيها الدارسون نظرياً الإحتكاك بمجالات دراستهم عملياً. وكثيراً ما يستنتج العاملون في التطبيق العملي للنظرية من وجود البون الشاسع بين النظرية والتطبيق، وهذا ما يمكن ان ينسحب على كافة العلوم. وليس الإسلام ، كعلم بكافة ما يتضمنه من فروع، بشاذ عن هذه القاعدة.

وإذا ما اردنا ربط النظرية بالتطبيق العملي للإسلام فليس امامنا إلا ان نتخذ من القرآن اساساً نظرياً لما نريد تطبيقه من هذه الأسس النظرية على الواقع العملي. وأقول القرآن بشكل اساسي لأنه يحظى باتفاق الجميع على نصه وليس على تأويله او تفسيره، بخلاف السُّنة التي تشوبها الإختلافات المذهبية والفقهية ، ناهيك عن تعريف السنة التي يجعلها البعض نبوية بحتة ، في حين يلصقها البعض الآخر بالصحابة والأولياء ايضاً.
ولنحاول وضع النقاط على الحروف ونبدأ بالدعوة للإسلام العملي من خلال وجود الداعي لممارسة هذا الإسلام من جهة والمتلقي المُخاطَب والمعني بهذه الدعوة من جهة اخرى.
جوهر المسألة لا يتعلق هنا بالدعوة إلى الصلاة او إكساء العاري او اشباع الجائع او الإرشاد إلى الحلال والحرام بقدر تعلق الأمر بوضع الأسس السليمة للسلام الإجتماعي الذي سينعكس تأثيره على المجتمع بشكل عام وليس على تارك الصلاة او العاري او الجائع فقط.، إذ ان مثل هذه الأعمال الخيرية يمكن ان يقوم بها حتى غير المتدينين. والإسلام العملي يجب ان يوفر القناعة اللازمة لدى مكونات المجتمع الواحد للمسير معاً صوب مستقبل افضل ضمن مسيرة اجتماعية تشارك بها هذه المجتمعات على اختلاف مكوناتها. وهنا يبرز السؤال الذي قد يواجه الداعية لتطبيق الإسلام العملي والمتعلق بالموقف من الجار المسيحي او الزميل الإيزيدي او الصديق الصابئي او المدرس اليهودي او بائع المخضرات اللاديني. وبكل ثبات وسعة صدر سيجيب الداعية الإسلامي : لا ضير في ذلك فالقرآن الكريم يقول " (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).( النحل 125). او (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (العنكبوت 46) . او (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.) (البقرة : 256). او (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون). البقرة/62. ويستشهد بآيات قرآنية كثيرة اخرى تدعوا إلى التسامح والإلفة والمحبة بين افراد المجتمع . إلا ان المتلقي يريد جواباً لما يواجهه من اسئلة من هذا الجار او ذاك الزميل او الصديق الذي يكرر عليه بان قرآنك يقول : :( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.... ){المائدة:72}، أو:( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ....) {المائدة:73}.أو ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
أو:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ آية 51 سورة المائدة .أو " ان الدين عند الله الإسلام وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85]. وغير ذلك من الآيات التي تتخذ مواقف عدائية واضحة من غير المسلمين الكتابِيين منهم وغير الكتابيين وتصفهم بالكفار، والكفر حسب الفقه الإسلامي امر مرفوض في ديار الإسلام ويجري التعامل معه من خلال عقوبات شديدة تشمل ضمن ما تشمل القتل الذي جاء به القرآن ايضاً. إلا ان الداعية يرد على ذلك ويقول لقد اعطى القرآن الحرية للإنسان بان يؤمن او يكفر حيث جاء فيه :( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖفَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) الكهف 29. إلا ان المتلقي لا يستطيع كتمان مخاوف صديقه وزميله وجاره او البائع الذي يلتقي به يومياً في سوق المدينة والذي يردد عليه دوماً : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَأوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَ-لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)
هنا يستبعد النص القرآني اليهود والذين اشركوا على اختلاف مناهجهم من مبدأ التسامح ومن اعتبارهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كما جاء في الآية 62 من سورة البقرة اعلاه،وجعلهم اعداءً، والأعداء يجب ان يُقاتَلون ويُقتَلون كما جاء في آيات القتال. إلا انه يعتبر النصارى بانهم اقرب مودة للمؤمنين وذلك لأن فيهم من القسيسين والرهبان الذين لا يستكبرون. اي ان النصارى هنا ليسوا باعداء، بل اصدقاء للمسلمين، وهذا ما يخالف النص القائل :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ آية 51 سورة المائدة .أو " ان الدين عند الله الإسلام وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85].

إلى جانب السلام الإجتماعي والعوائق التي تقف امام داعية الإسلام العملي لتحقيقه على ارض الواقع، هذه العوائق التي تُجيز لأي متطرف ان يحتج بها باعتبارها نصوص دينية مقدسة، تبرز مسألة السلام العائلي الذي لا يمكن تحقيقه عملياً ايضاً إذا ما التزم المتلقي بالنص القرآني الذي يجيز ضرب الزوجة مثلاً. كلنا يعلم ان مجتمعات اليوم لا يمكنها ان تستغني عن عمل المرأة في كافة مجالات الحياة، إذ لم يعد عمل البيت وتربية الأطفال المجال الوحيد لهذا العمل. وهذا يعني ان المسؤولية التي تقع على عاتق المرأة تصبح والحالة هذه مسؤولية مضاعفة ترتبط بجهد جسدي ونفسي وفكري، خاصة إذا ما كانت المرأة هي الوحيدة التي تكسب قوت العائلة. لاشك فيه ان مثل هذه المسؤولية لا تضع الزوجة في ذلك الموقع الذي تستطيع معه الإستجابة دوماً لكل متطلبات الزوج وخاصة الجنسية منها.الإسلام النظري يعطي الزوج الحق لتفسير عدم تحقيق رغبته الجنسية لأن يفسر ذلك حسب مزاجه ويعتبره نشوزاً لا يُسمح للزوجة ممارسته شرعاً، حتى وإن تُصرح الزوجة بانها لا تفكر بذلك. إذ ان المهم ان يكون الزوج مقتنعاً بنشوز زوجته. او انها تخرج من بيتها بدون إذنه، كخروجها لعمل مفاجئ في مكتبها او محل عملها او ما شابه. كل ذلك تبيحه نصوص مقدسة متفق عليها من جميع المذاهب الإسلامية، كالنص القرآني القائل : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً). ألنساء 34. فكيف سيتحقق المبدأ الديني هنا عملياً إذا اصبحت المرأة هي القيِّمة على الرجل العاطل عن العمل. وكيف سيتحقق السلام العائلي إذا حوَّل الرجل شكوكه ، مجرد شكوك ، بنشوز زوجته إلى ضرب. قد يبرر بعض المشايخ هذا الضرب بوصفه أّلّا يكون شديداً ومبرحاً. إلا ان المسألة لا تتعلق بشدة او عدم شدة الضرب ، بل بعملية الضرب اساساً كإهانة وإذلال للمرأة وحق الرجل الشرعي في ممارسة هذا الإذلال وهذه الإهانة التي سوف لن توفر المناخ العائلي السليم الذي ينشأ الأطفال فيه. وبذلك سيعاني المجتمع بكامله من الإرتباك في العلاقات العائلية التي ستنعكس حتماً بشكل سلبي على العلاقات الإجتماعية العامة.

هذه النصوص وغيرها من النصوص المتعلقة بالإرث والمساواة او تلك التي تبرر العنف والقتل والعداء التي يسحبها البعض الكثير على واقع اليوم بالرغم من علاقتها الموضوعية بظرف زمني لم يعد موجوداً الآن ، سوف لن تسهل مهمة دعاة الإسلام العملي بين جماهير القرن الحادي والعشرين اليوم. خاصة مع وجود الفئات الدينية الطفيلية التي تنتهز كل فرصة لتوظيف الدين بغية تحقيق ما ترمي اليه من نفوذ سياسي يرتبط باثراء فاحش ولصوصية خبيثة للمال العام ، كما هو عندنا اليوم في العراق الذي تنهشه الأحزاب الدينية المتسلطة على شؤونه ومقدراته والتي اوصلته إلى هذه الدرجة المتدنية من الإنحطاط على مختلف المستويات.

إن ما يمكن عمله اليوم لتلافي هذا الوضع البائس الذي يمر به وطننا، ولتحقيق فكرة الإسلام العملي الذي يقترحه الأستاذ الفاضل غالب الشابندر يتطلب التوجه صوب مخاطبة المؤسسات الإسلامية بما فيها من فقهاء ومراجع وشخصيات تسعى للحفاظ على التعاليم الدينية المعتدلة والداعية للسلام والرافضة للإكراه والعنف، وتعمل على انتشال الإسلام من تلاعب المتطرفين وتأويلات المغرضين وتفسيرات المنافقين، وان تبادر، وعلى الفور، باتخاذ الخطوات الجريئة التي يمكنهم من خلالها ان يقدموا الدين الإسلامي لشعوب العالم كدين سلام، بمراجعة جريئة لنصوص العنف الدينية، قرآناً كانت او حديثاً، والتي لا زال يعمل بها البعض حتى يومنا هذا بعد تجريدها من سياقيها التاريخي واللغوي، معللين ذلك بنفس تلك الآراء التي وظفت هذه النصوص قبل اربعة عشر قرناً من الزمن. ولا ينبغي لهذه المراجعة ان تبتعد عن تلك المراجعات التي احتفظت بقدسية بعض النصوص ونسخت العمل بمضمونها الذي انتفت مبررات توظيفه في المجتمعات الإسلامية اليوم، مثل ايقاف استحصال الجزية من غير المسلمين بعد نشوء الدولة المدنية، او الغاء حق ملك اليمين والاتجار بالبشر بعد قرار عصبة الامم، والغاء ما يسمى بحكم المرتد. وما هذه إلا مؤشرات قليلة من تلك المراجعات الكثيرة التي طالت مضامين نصوص كثيرة اخرى كحق المتعة او سهم المؤلفة قلوبهم، تلك النصوص التي توقف العمل بها في عهد الخلفاء الراشدين انفسهم، بالرغم من استمرارية وجودها كنصوص مقدسة. كل ذلك لا يمكن ان يتحقق دون وجود وعي ديني يحل محل التعصب وحق امتلاك الحقيقة المطلقة. وهذا ما يمكن العمل على تحقيقه ضمن برامج تعليمية متنورة تشكل المنطلقات الأساسية لبناء الشخصية المستقبلية للفرد في محيطيه الخاص والعام. من هنا يقع علينا كافراد ومنظمات مجتمع مدني ومنظمات دولية ان نطالب الحكومات في منع تبنى المؤسسات التعليمية الدينية الإسلامية المتطرفة والعنصرية في مجتمع ما، مناهج ومفردات تربي مشاعر الحقد والكراهية والإنهاء الجسدي، ضد الآخر المختلف دينياً او طائفياً، لأنها وبوعي منها، تعمل على إلغاء مبدأ التعايش السلمي بين الشعوب وفي المجتمع الواحد.

كما ارغب هنا بالإشارة إلى اهمية الكثير من الأطروحات المتنورة التي تفضل بها استاذنا الفاضل الدكتور غالب الشابندر والتي وضع فيها النقاط على الحروف لنهج إسلامي إصلاحي عَبَر عنه بمصطلحات عملية واغناه بفكر حضاري مطالباً بعمليات انتقاء للأحكام الشرعية التي تلاءم الحياة في مجتمعات اليوم وأكد على ضرورة ما سماه غربلة الإسلام القائم اليوم وتخليصه من كافة التشويهات التي ادخلها عليه اسلاميو السلطة في احزاب الإسلام السياسي الحاكمة. افكار لابد لها ان تشكل القاعدة المنهجية العملية التي يمكن للقوى المدنية ان تجتمع عليها للوقوف على قاعدة صلبة تجمع بين اهل الوطن الواحد في دولة مدنية ديمقراطية. إلا ان هناك نقطة اشار إليها الأستاذ الكريم الدكتور غالب والتي لا اتفق معه فيها حينما اشار إلى ما سماه " إعادة دور الأديان في العالم " ، وأورد امثلة على ذلك تتعلق بتبني بوتين الشيوعي مثلاً ، او قادة حلف الأطلسي للنهج الديني. إن ما يمكن قوله هنا ، دون ان اقصد بذلك الدفاع عن الدين المسيحي او انتقاده ، هو ان المسيحية اللاهوتية او ما يسمى علمياً " كريستولوجي " قد نجحت في جميع اطروحاتها الفكرية والمذهبية بتقديم الدين المسيحي كدين محبة وسلام وتعايش اجتماعي متخلية بذلك رسمياً عن كثير من مضامين العنف وإذلال المرأة وعدم المساواة الإجتماعية بين المواطنين التي تتضمنها كثير من مفردات ونصوص العهدين القديم والجديد ، مما جعل هؤلاء يقدمون الدين المسيحي الذي يريدون تبنيه كعامل من عوامل نشر السلام الإجتماعي. وهنا لابد لنا من ان نذكر بأن مثل هؤلاء القادة القدماء منهم سبق وإن ساروا على نفس النهج الذي يسير عليه الإسلام السياسي اليوم حينما فرضت الكنيسة تعاليمها بقوة الإقطاع على مجتمعاتها وبقوة جيوش الدول التي تسيطر عليها على المجتمعات الأخرى كما جرى في الحروب الصليبية مثلاً، هذا جانب من هذه الأطروحة. أما الجانب الآخر فإننا هنا امام تبني حكومي وليس شعبي للدين . ومثل هذا التبني له دوافع سياسية اكثر مما هي دينية، علماً بان الإنجازات الإقتصادية والثقافية والسياسية التي حققتها الدولة المدنية في المجتمعات المسيحية لم ترتكز على اية قاعدة دينية حتى وإن جاء ذكر الدين كحق شخصي بحت في بعض دساتير هذه الدول .

اما ما يخص الإسلام فإن مسلمي اليوم لا يستطيعون ان يقدموا للعالم ولا نموذجاً اسلامياً واحداً يمكن ان يوصف بانه يسعى لبناء سلام اجتماعي ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية. لا تزال كثير من المجتمعات الإسلامية تعيش في عالم التبجحات الخيالية البعيدة عن الواقع الذي يعيشه عالم القرن العشرين اليوم. كل ذلك التخلف والخراب يشجعه ويتبناه بعض الإسلاميين مبررينه بنصوص مقدسة إن لم يجدوها في القرآن ابتكروها او قدموها كسُنة، وكلها تشير الى القمع والقتال وقطع الأيدي والأرجل من خلاف والذبح وغيرها من الجرائم التي يمكن لأي مسلم ان ينفذها بحق الآخر المختلف، وهذا ما حدث ويحدث فعلا باسم الإسلام. وعلى هذا الأساس فإنني لا ارى هذه العودة للإسلام والتي يمكن التأكيد على عدم وجودها من خلال ما تفضل به الدكتور الفاضل غالب الشابندر نفسه حيث عزى انتشار الإلحاد والتنكر للدين على اوجِه في العراق وايران، اي في تلك الدول التي تتصدر فيها الأحزاب الدينية الإسلامية مواقع السلطة السياسية في اوطانها.

كل ما ارجوه ان تلقى طروحات الأستاذ الفاضل غالب الشابندر طريقها إلى عقول من وصفهم" بطلاب كرسي وليسوا طلاب حضارة " من الإسلاميين المتسلطين على شؤون وطننا اليوم وناهبي خيراته. إلا ان الأمل بذلك قليل جداً ولا خلاص لأهلنا من هذا الكابوس المظلم إلا إزاحته من ارض الوطن والإستنجاد ببنات وابناء الوطن الخيرين لإعمار ما خربته البعثفاشية المقيتة واستمرت عليه عصابات لصوص الإسلام السياسي بزخم اكثر وقساوة اشد ، ولعل الإنتخابات القادمة ستسير بوطننا على درب جديد ، درب الدولة المدنية الديمقراطية الحرة.

الدكتور صادق إطيمش