حين لا ترى الواقع.. عيون (الفيس بوكيين)!

السيد شبل
2017 / 3 / 5

عجيب للغاية جمهور مواقع التواصل (نفصل هنا بين الجمهور العادي حتى لو أسس حسابات فيس بوك بغرض مشاركة الاهتمامات العادية ولحظاته الإنسانية مع رفاقه، وبين جمهور مواقع التواصل المقصود الذي تستهويه رياضة الجري بالمكان، ويدمن فكرة الاشتباك في التعليقات، وهو مشغول عامة بإبداء الرأي لا تكوينه الذي يفترض أن يتم بالاطلاع الواسع، مع الضغط على العقل ومراجعته ليكون أكثر شمولية وموضوعية وأمانة)، ورث هذا الجمهور أسوأ ما في السياسة العربية الحديثة: المثالية، والانفصال عن الواقع المعاشي، والخضوع لأجندة شعاراتية يعتقد الواحد أنه مطالب بالدفاع عنها، ولو تتناقض مع ألف باء مصلحته وسلوكه اليومي العادي.. يعني صورة من صور النفاق والامتثالية.

مثلًا، "الفيسبوكي" في العادة متربص جدًا ضد أي دعوة لضبط الأسواق عبر تسعير السلع والخدمات وتحديد هوامش للربح (جرّب ،مثلا، أن تتحدث في منشور عن ضرورة تسعير الخدمة الطبية في العيادات الخاصة، أو بتخفيض أسعار خدمات الهاتف المحمول، أو بتأميمها، بمعنى جعل الشيء ملك الأمة، وتشغيله -لا هدمه-، مع تعويض صاحبه. على الفور ستحصل على تعليقات تنتقد الدعوة، وتدافع عن حرية المنافسة)، الغريب أن هؤلاء الناقدين هم ذواتهم، من يشتكون ارتفاع أجور ولا إنسانية الأطباء في عياداتهم، وهم أنفسهم من يمكن أن يستهلكون طنَا من المناديل الورقية يمسحون به دموعهم التي سالت على مجتمعهم المدمّر اقتصاديا، والمنهوب من الخارج (الخارج الناهب بالمناسبة، على المستويين السياسي والاقتصادي هو: فودافون، وأورانج، وكوكاكولا..)، والأغرب أنهم أنفسهم من يمكن أن تصادفهم في سيارة نقل داخلي بالأجرة يتعاركون مع السائق لعدم التزامه بالأجرة "المسعّرة"، بل ومن الممكن أن يخوضوا جدالًا مع بائع الخضار حول هامش ربحه، وإلى أي حد يملك الحق في رفع سعر "كيلو الخيار"، حتى بعد ارتفاع أسعار النقل لخفض الدعم عن المحروقات (املاءات البنك الدولي).. وهكذا. بمعنى أنهم في حياتهم الطبيعية، يقومون بدور المدافع عن التسعير الجبري، والمجادل لتحديد هامش ربح مقنع للبائع ولا يستغل المشتري، لكن على مواقع التواصل، تشبع الآذان من أصوات منافِحة عن حرية السوق، وضروة الاحتكام لمبدأ "حرية" المنافسة (بالمناسبة، الترجمة العملية للكلمة هي "حرية الاستغلال"، وفي بلد تابع اقتصاديا لا يمكن أن تحصل أساسا على منافسة حرّة، تنتهي بخفض تلقائي للأسعار، كما تزعم النظرية، لأن الوافد الأجنبي بقوته ودعايته، سيكتسح الكل في طريقه، ويحتكر السوق، وهذا ما هو حاصل فعلا، ناهيك عن أن التجار -بطبيعتهم- أعداء لكن أخوة، ولديهم الاستعداد للتحالف على الزبون، لو استشعروا أن المنافسة تحرمهم من الربح المأمول!).

خذ عندك كذلك، الكل (الكل بمعنى الكل.. فيما أعرف بالعائلة والمحيط السكني والعمل)، يبحث لنفسه عن وظيفة حكومية (لا يبتغي من ورائها الكسل، وإنما العمل الآدمي الذي لا يستنزفه بدنيا ونفسيا، مع ضمان الدخل والاستقرار والمعاش والتأمينات)، ولا يتوقف عند ذلك، بل يحشد طاقته خلف أبنائه في مراحل التعليم، بغرض واحد وأخير، وهو إما الحاقهم بكليات نقابة المهن الطبيّة (الطب، الصيدلة، وطب الأسنان)، ليس بغرض الوجاهة الاجتماعية فقط، أو ضمان مهنة يقع الناس مضطرين أسفل سكينها بسبب المرض مما يمكن مُمتهنها من استغلالهم على راحته، وإنما بهدف أنها مضمونة العمل (الحكومة ملتزمة بتشغيل الخريجين، وحتى لو حصل الواحد على أجازة، فلديه معاش مستقبلي، وتأمين، ونقابة تحميه، وينضم لها بمجرّد تخرجه، وتقدّم جملة من الامتيازات)، أو الحاق ابنه بكلية عسكرية أو شرطية (لأسباب مشابهة، سواء الوجاهة والترقي الطبقي أو ضمان الدخل الثابت والمعاش المستقبلي)، جيّد، راقب سلوك ذات الأشخاص في دنيا "الفيس بوك"، 99% منهم لا يبدون تعاطفًا مع القطاع العام، أو القطاع الحكومي عامة، ونادرًا ما تجدهم منتبهين لقضايا نضال محامين بهدف استعادة مصانع وشركات الخمسينات والستينات التي تم خصخصتها على مراحل أكثفها من تسعينيات مبارك، (كأن الوظيفة الحكومية التي يدعون بأن يبتسم لهم القدر، فينعمون بها.. ستأتي من فراغ، بلا مصانع أو شركات أو مشاريع كبرى)، ومنهم متعاطفين مع سياسة "الانفتاح"!، كذلك، هم نفس الأشخاص الذين يتملكهم السرور والشكر لانتساب نجلهم لنقابة كـ"الأطباء أو المحامين أو الصحفيين" لأنها نقابات تقدم امتيازات، وتضمن حاضنة للدفاع عن المنتسبين لها، في الوقت الذي لا يرون فيه أهمية لمصطلح كـ"العمل النقابي"، ولا يبدون تعاطفًا من أي نوع مع أشخاص بذلوا مجهودات في أزمنة سابقة بهدف إنشاء نقابات تدافع عن حقوق العاملين بأجر، وناضلوا وضغطوا للحصول على مقرّات وامتيازات وبحثوا كيفية سبل تأمين معاشات في حال بلوغ الستين أو المرض.. هم على الأغلب منقطعي الصلة عن حديث من هذا النوع، لهذا في الغالب تبقى (أو ستصير) أحلامهم معلّقة في الهواء، لأنهم، ببساطة، غير مهمومين بتحريض السلطة على امتلاك مشروع اقتصادي وطني تمكن عبره بناء ما يمكنهم التوظّف فيه (هم إما مع السلطة على طول الخط، أو ضدها على أساس برنامج لا يتضمن هذا، لأنهم في الحالتين مصابين بالسطحية وأسرى لحالة شعورية، تتعطل عقولهم ويتحاشون العمق. يبرز هنا تساؤل عن هذا النوع من البشر الذي يراهن على أن نفاقه للسلاسل الدنيا من الهرم السطوي قد يحقق له مصلحته الفردية، بغض النظر عن أي شيء؟، الحقيقة أن هذا ليس من الصنف الشعوري، بل هو عقلاني جدَا على طريقته، لكن هذا الشخص في الحقيقة ليس ناشط على صفحات الفيس بوك، في الغالب يراها استنزافا للوقت ولا تحقق له عائد، لذا ليس ضمن النماذج التي نناقشها هنا، ويتحرك وفق مؤهلاته الخاصة، وهي مؤهلات لا يمتلكها الكل، فضلا عن الحكم الأخلاقي)، نعود، لنقول، أنه مع تنامي سلطة رجال المال، ستنخفض الامتيازات النقابية (التي يطمح إليها أصحابنا لأنفسهم أو أبنائهم)، ولو بقيت الحكومة على طاعتها للبنك الدولي، فلا بد وأنها ستتخلى يومًا عن تكليف خريجي الطب والصيدلة (والذريعة موجودة: البدانة الوظيفية، بمعنى عدد كبير من الموظفين، بلا عمل.. وعليه يتقرر عدم تعيين جدد، مع التخفيض في أعداد الموجودين. ذلك خيار الكسالى المستسهلين ذوي النفس القصير وأصحاب الإرادة الرخوة، لأن البديل يتطلب جهدًا وجسارة، ويتمثل في أن تتحمل السلطة عبء خلق العمل لهؤلاء -لا تكريس للوضع الخطأ القادم، ولا علاج عبر الحقن بالهواء-، وتجتهد في سبيل ذلك، خاصة وهي على دارية، أن الملايين تتوافد على المشافي والعيادات الخاصة، وهذا معناه أن هناك ملايين المواطنين لا تكفيها المنشآت الحكومية أو لا ترضى عنها -لإهمال تحسينها، والتكاسل عن تطويرها، على مدار 40 عاما-، وعليه فتلك الملايين بحاجة لبناء وتجهيز مشافي أكثر بما يعني وظائف أكثر، كذلك هناك حاجة، أكثر من أي وقت مضى، لكل هذه الطوابير من خريجي كليات الصيدلة، ليس بهدف حشرهم في صيدليات تابعة للمشافي -يتهربون منها، أو يقسمّون العمل على أنفسهم، بالشكل الذي يسمح لهم بالعطلة أغلب أيام الأسبوع-، وإنما لتوظيفهم في معامل بحثية لإنتاج الدواء وتصنيعه من المادة الخام وحتى تعبئته، وابتكار ما هو أحدث.. لكن السلطة طبعًا، لا يشغلها ذلك، وهي راضية عن هيمنة متعددي الجنسيات على سوق الدواء؛ على العموم التخطيط القومي يعني من ضمن ما يعني ربط التعليم بإمكانية الاستفادة من المتعلّم، وحقه في العمل وخلق أثر في الحياة، وهذا يعني إدارة مسبقة للعملية التعليمية لاكتشاف الميول والمؤهلات، وصرف الطالب نحو ما يمكن أن يبرز فيه، مع توجيه عام نحو المهن التي يتطلبها المشروع الوطني في لحظة ما، لكن هذه الخطوة يجب أن يسبقها حرب جادة على مفاهيم "عنصرية"، اجتماعية ومادية، تتعلق بالمهن، حيث يتم توثين مهن وتحقير أخرى، وتقديم امتيازات لعامل في مهنة ما دون غيره، بصرف النظر عن الكفاءة، وحين تنجح هذه المهمة "الحربية"، في شطب "العنصرية المهنية" ثم، تستدعي المصلحة القومية العامة الحشد باتجاه مهنة بعينها في لحظة ما، فلن يكون هناك غضاضة في الاستجابة)، كذلك في ظل تنامي نفوذ وسلطة وحضور شركات الأمن متعددة الجنسيات في السوق المحلي، وتوليها مسؤولية تأمين بنوك وشركات وسفارات ومطارات وشخصيات عامة، فيقينا ستتراجع وجاهة الضابط الحكومي، وأعداد المقبولين بالكيات الشرطية (بالنسبة لخريجي كل عام)، ومن يدري ما مصير القوات المسلحة نفسها؟ (في كل مرة وأي مرة تعرض في وطن للاحتلال، أو خضع، أو تم حصاره بمعاهدة لتكبيله كما في معاهدة لندن مثلا 1840 في مصر كان تخفيض عدد الجيش على رأس المطالب وأول الاجراءات)، لكن، نفس الشخص الحالم بإلحاق ابنه بالكلية العسكرية لا تعنيه القضية الوطنية (من حيث ما هي على تلك الصورة)، ولم تكن تعنيه قضية التطرف والتسلط باسم "الدين" حتى وقت قريب، وربما كان يتماهى ويتعاطى مع أفكار سلفية وصائية تشيطن كل من يخالفها وتحوّل أتباعها إلى "قنابل كراهية" توشك أن تنفجر؛ اليوم هو يستيقظ على هذه العقول المتطرفة، لمصاحة خارجية، تهدد ابنه المجنّد أو الضابط!.. انظر كيف يؤدي كل شيء إلى كل شيء (ليس على سبيل الفلسفة، ولكنه الواقع).

لنضرب مثالًا جديدًا، للدلالة على التناقض والخلل لدى هذا الجمهور (المتسيّس). عندما ظهرت "أوبر" كشركة للنقل في السوق المصري المحلي، وتكالب "التويتريون" تحديدًا كـ"قطيع" دون مبالغة للدفاع عنها، تماهيا مع خطة علاقات عامة موّلتها وخططت لها الشركة، واستأجرت لها أقلامًا ونشطاء. تبدو للحظة في حاجة لمراجعة عقلك، أليس هذا هو الجمهور نفسه الذي يطالب بتحصيل جاد للضرائب من أصحاب رؤوس الأموال لسد عجز الموازنة وتحقيق العدالة الاجتماعية (شعارات يناير، بالمناسبة؟)، جميل، "أوبر" باعتبارها خاضعة لما يسمى بالاقتصاد الرقمي (كما باعتبار نشاطها غير مشروع أو مقونن/القانون يحصر استخدام السيارة الملاكي بشكل شخصي ويجرّم استخدامها في قبول ونقل الركاب)، وبتصريح قيادات مصلحة الضرائب أنفسهم، لا تسدد الضرائب كاملة، ولا توجد طريقة لمراقبة أرباحها، ومالك السيارة يدفع ضرائب مخفّضة كـ"ملاكي" عند التجديد، ليست مرتفعة كـ"سائق أجرة" (طبعا المدافع عن "أوبر" سيشتبك مع سائق التاكسي في حال لم يلتزم بالتسعيرة!)، وحتى على سبيل حماية النفس، فقد تم التغاضي عن أنه، رغم كل ما يثار عن رشاوي أو وساطات بإدارات المرور، يظل الحاصل على رخصة أجرة، أكثر مهارة، وتعرض لفحوصات أصعب وأدق من حامل الرخصة الملاكي، هنا أيضًا تتساءل، عن أهمية معلومة شراكة "ديفيد بلوفي" وهو يهودي (تبدّلت نشأته الدينية، على ويكيبديا، في 29 فبرابر 2016، إلى الكاثوليكية!)، وما يهم أنه كان أحد كبار مستشاري أوباما، وشريك في إدارة ورأس مال "أوبر" (ألا يحرّك هذا شيء في طابور المعترضين سواء على الإخوان أو السيسي أو مبارك -أو كلهم معًا-، بجريرة تبعيتهم وانسحاقهم أمام البيت الأبيض وقياداته ومستشاريه، يعني هل من الطبيعي أن تزايد بشيء، ثم تتورط في دعمه في ذات الجملة؟).. ثم، ماذا عن الحديث الرائج بخصوص الدفاع عن محدودي الدخل والطبقات الوسطي (والنشاط الوطني المحلي) أليس سائقو التاكسي ضمن هذه العيّنات؟.. (للعلم بالشيء: الحديث موجّه للثوارويين الذين يزعمون أن ثورتهم من أجل هذه الطبقات، وموجّه، كذلك، لمدمني الاستقرار الذين انتقدوا "الثورة" لاعتبارهم إياها سببًا بفوضى أضرّت بمصالح هؤلاء.. قليل من العقلانية للكل، لن يضر!)، ثم ماذا عن الإعجاب (أو الاقتداء فيما هو إيجابي) بالأجنبي، أليس الكل مجمع على هذا، بل أن البعض يتطرف حد الافتتان؟، جيّد، ما رأيك في مظاهرات أصحاب التاكسي الفرنسيين ضد أوبر إلى حد قطع الطرق المؤدي إلى مطار شارل ديجول، وإشعال النيران في الشوارع؟، ماذا عن مظاهرات لندن ومونتريال في كندا وبودابست في المجر؟، ماذا عن قرار عدد من المدن في الولايات المتحدة تجميد نشاطها؟، ماذا عن حظرها فعليا في أسبانيا بـ 2014، وعدم الاقرار بإعادتها إلا بعد توفيق أوضاعها، وحصر نطاق عملها؟، ماذا عن بلجيكا التي اعتبرت أوبر خدمة غير قانونية، وهددت بمصادرة سياراتها؟، ماذا عن قيام سائقين تابعين لأوبر بالاعتداء الجنسي على سيدات في نيودلهي الهند، وفي بوسطن بأمريكا، وفي مصر روت فتيات تعرضهن للتحرش (هذه الجرائم، تحدث من سائقي التاكسي الأبيض، ومن سائقي التوكتوك، ومن الأطباء، ومن الجميع.. لكنها فقط ملاحظة للرد على الدعاية التي صوّرت الشركة في صورة "معبود إغريقي" يركّب أجنحة ملائكية للبشر بمجرد ارتضائهم العمل عنده بسياراتهم، إلى حد أن منشورات نسائية، كانت تطالب "بخشونة ولوم" الفتيات بالجلوس في المقعد الأمامي إلى جوار السائق، حتى لا يشتبه ضابط المرور "الشرير" في كون السيارة ملاكي وتعمل بالأجرة، ويتم عقاب صاحبها وتغريمه، وكان هذا بغرض التضامن مع ملائكة أوبر!)

هنا يصح لفت النظر إلى أن الخطاب الواقعي العقلاني الملتحم فعلا بالشارع الذي ينطلق من المصحلة الفردية إلى الجمعية والعكس، لا بد أن يصطف مع تطوير قطاع النقل الخاص، وعلاج عيوبه لأنها تضر الجميع (لاحظ أن "الجميع" الذي تناقش وتجادل بخصوص أوبر، ليس مؤهل، أساسًا، من الناحية المادية، لاستخدمها -بصورة مستمرة- لكنه نوع، على ما يبدو، من الاحساس بالدونية يسوق الفرد للدفاع عن مصالح فئة أو شريحة مادية لا تخصه ولا ينتمي إليها)، عامة إصلاح حال منظومة النقل، لا يمكن أن يتأتى سوى بتطوير قطاع النقل العام والاعتماد عليه (لا أحد ينتبه إلى أنه لولا مترو الأنفاق الحكومي لانفجرت القاهرة، وإلى أن أتوبيسات النقل العام، حتى بعد رفع أجرتها، وتخفيض مسافاتها، وإلغاء الخصومات التي كانت تقدم لبعض حاملي الكارنيهات -كنوع من التكريم والدعم- في عدد منها، لا تزال تؤجّل الانفجار الاجتماعي وتسند الكادحين بمعاشهم، ولا أحد يريد أن يلتفت إلى أن سائق النقل العام على الدوام أكثر تحضرًا وطول بال ورقيًا في التعامل من سائق الميكروباص، لأنه يشعر بأهمية اجتماعية أكبر، وباستقرار نفسي/مادي أكثر -الاستقرار بالدخل أهم من حجمه، خاصة لو كانت الفوارق بسيطة، والامتيازات كالعلاج المجاني والنوادي المخصصة للعاملين، متوفّرة-، وكذلك هو يشعر بالانتماء لكيان اجتماعي واسع هو فيه فاعل وركن أساسي كصاحب وظيفة)، لكن على كل لنتابع قضية أوبر، فنقول، أن الخلاف ليس في مبدأ (الحداثة، والتطوير، والبحث عن الراحة..) الخلاف بالضبط، أن ما يحدث ليس علاجًا، وليس منطقيًا، ولن يحسّن الحال إجمالا، الخلاف ليس على مستوى خدمة "أوبر" (لا يمكن لأحد أن يلوم الناس على البحث عن الراحة والحياة الألطف..)، لكن الخلاف، أن القضية عوملت على أنها همّ جمعي وخلقت نقاشًا، بينما هي قضية أقلاوية بطبيعة اعتمادها على مستوى معين من الدخل يسمح بانتظام استخدامها، وليس لمرة أو أكثر، كذلك الخلاف في أجنبية الشركة، بما يعني أنها تقوم بمراكمة الربح من الداخل، ثم نزحه للخارج، بعد تحويله لعملة صعبة فتضر الاقتصاد، وتسيّر سيارات بدون أن يقوم السائقون بدفع ضرائب كاملة، فتخفض عوائد الموازنة، وتضيّق على قطاع من العالمين لدى أصحاب التاكسي، بالأخص، فتلقي بهم -ولو لفترة من الزمن- في دائرة البطالة والإجرام والتسوّل (هذا بالمجمل لن يخلق وطنًا جيدًا، للـ90% الذين لا يستخدمون "أوبر"، حتى بالنسبة لـلـ10%، فلن يحصلون على وطن جميل، في النهاية، صحيح ستوفر لهم "أوبر" المكيّفات، والسائق اللزج "عفوًا أقصد المهذب"، لكن الشوارع ستظل سيئة الرصف، والعاصمة محاطة بالغبار، والمتسولين في تزايد، والبطالة وحش يوشك أن ينهش الكل -إلا لو كانوا يراهنون على جنسياتهم الأجنبية، ويجهزون طائرات خاصة للهجرة لحظة الانفجار-).

هل تعرف على ما ستنتهي قصة شركة أوبر؟
الشركة بفضل حملة العلاقات العامة التي نظمتها، وبسبب أن سائقي التاكسي الأبيض لا يملكون تنظيما نقابيا قويًا قادر على الحضور الإعلامي، وفضائيات رجال الأعمال لا تتعاطف معهم، وحقوقيو ونشطاء التمويل، بالطبيعة، لن تدخل تلك القضايا إلى أجنداتهم.. ستنتهي إلى توفيق أوضاع بالشكل الذي يناسبها، بعد أن أرهبت الشرطة من التعرض لها (اليوم الحكومة تبحث في قوننة عمل أوبر وكريم، والشركة تتعزز وتزايد وترفض..)، وخلال هذا المسار وإلى أن ينتهي الوضع، سيبيع أصحاب التاكسي الأبيض الواحد تلو الآخر، سياراتهم الأجرة، ثم استبدالها بسيارات حديثة ملاكي (لخدمة سوق السيارات المستوردة!)، ثم الاندماج في أوبر، وسيشتري آخرون سيارات يهبونها لأوبر لتشغيلها، هذا معناه أن ذات النوعية من البشر التي أزعجتك أيها "الفيس بوكي، الذي لا تملك أصلا ثمن أجرة توكتوك"، لقيادتها التاكسي الأبيض، ستنتقل لـ"أوبر"، والشركة ستقبلها، لأنها تقبل كل ما يمكن أن يراكم ربحها (هي تفهم اللعبة، وكيف أن الدعاية تخلق واقعًا مختلفُا، وتركز الضوء على ما ترغب فيه، وتصرف الأنظار عن ما لا تريده.. لا أحد يتحدث عن شكاوي من طول الوقت الذي تقضيه، والزحام الذي تتعرض له في فروع فودافون، أليس كذلك؟)، فقط ما ستخسره البلد، هو ضرائب أكثر كان يسددها التاكسي الأبيض، وسيخسر السائق جزء من دخله يهبه لـ"أوبر" حتى تعتمده لديها، والتأمينات التي كان يحصل عليها بسبب رخصته الأجرة، وسيخسر الاقتصاد الوطني في عملية رفع الطلب على الدولار (سواء لشراء سيارات موديلات أحدث، أو في عملية نزح الربح.. مصر "الفقيرة" ستؤمّن شراء سيارات حديثة من أوروبا، وستقدم من لحمها دولارات للمصارف الأجنبية!)، وستتجه الشركة لشكل من أشكال احتكار سوق سيارات الأجرة، وحينها ستصير "المنافسة" معدومة.
من سيستطيع منافسة شركة بهذه الضخامة المالية والنفوذ السياسي (ترافيس كالانيك، الرئيس التنفيذي لـ"أوبر"، كان عضوًا في مجلس استشاري دونالد ترامب حتى مطلع فبراير، قبل استقالته تخوفًا من تحمل تبعات تصريحات ترامب.. المهم أنه نافذ لدرجة مرافقة رئيس البيت الأبيض في مجلس استشاري)؟، شركة استطاعت، وهي غير قانونية، فرض نفسها على السوق المحلي، وصفع أصحاب التاكسي الأبيض، وتنفيذ حملة إعلامية لشيطنتهم، والغرض من الشيطنة كان ببساطة، تحقيق الاحتكار، ودفعهم نحو الانتقال للعمل في صفوفها بـ"سياراتهم"، ودون أن تنفق ملّيما ؟!..