ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (23)

طلال الربيعي
2017 / 3 / 4

ان انهيار الاتحاد السوفيتي, وما تلاه من توقف قرع طبول الحرب الباردة, ساهم في تآكل ثورية الشيوعيات المحلية في منطقتنا او ما تبقى من هذه الثورية, لصالح توافقية طبقية في ثنائية هيغل العبد-السيد. وهذه الشيوعيات بذلك تفقد اية علاقة لها بالديالكتيك ويصبح دعاتها ليس اتباعا اذلاءا للعلم الميكانيكي فقط, بل انهم يصبحون ايضا عقبة كأداء امام اي تطور لصالح المهمشين والمقموعين, وذلك لان تخليهم عن الديالكتيك, بالفعل اكثر منه بالاسم, يعني بالضرورة ايضا تخليهم عن قانون نفي النفي الذي يستحيل بدونه التطور.

تطرقت في الحلقة السابقة الى حق الانسان (الامريكي) في السعادة لدى توماس جفرسون وكذلك الى شعار "شعب سعيد" الذي يرفعه شيوعيو "العدالة الاجتماعية". الا ان كلا الطرفين يرتكبان الخطأ المنطقي الذي يسميه وايتهيد fallacy of misplaced concreteness, اي التعامل بما هو مجرد وكأنه شيئ ملموس (1). فحسب ما يعلّمنا رائد المنطق اللاارسطي Alfred Korzybski, ان خريطة الارض ليست هي الأرض نفسها (2). فالسعادة هي مفهوم مجرد ويختلف معناها او الشعور والاحساس بها عموما, ضمن التجربة الانسانية الملموسة التي هي محور فلسفة وايتهيد, من شخص الى شخص او من وقت الى وقت. نعم, هنالك اختبارات نفسية-اجتماعية لقياس السعادة لدى الافراد والمجتمعات. مثلا, يمكن لكل شخص اجراء اختبار نفسي في الانترنيت لمعرفة, حسب مجلة Psychology Today, هو هل سعيد ام لا. والاختبار لا يستغرق اكثر من عشرين دقيقة (3). ولكن هذه الاختبارات تعاني هي الاخرى من خطأ وايتهيد المنطقي المشار اليه اعلاه. بالاضافة الى ذلك, ان مفهوم السعادة لدى ماركس ليس مفهوما ذهنيا بالحصر, بل انه مفهوم كلي holistic, وبالتالي ان مفهوم السعادة لا يمكن فصله مطلقا عن موضوعة التجربة الملموسة لدى وايتهيد, وكما يتجسد ذلك في الماركسية العضوية (4) او الجمالية التي تطرقت سابقا الى بعض خصائصها.

ولذا, انسجاما مع وايتهيد والماركسية العضوية, لا نستطيع ان نتقبل المساواة الميكانيكية التي تجعل الشيوعية صنوا للسعادة, لاننا بفعلنا هذا نرتكب عدة اخطاء. وأحد الاخطاء الذي يهمنا هنا هو احالة ما هو صيرورة الى جماد او كيان ساكن. انه انهاء للحياة, وبداهة لا معنى للسعادة دون حياة. ان تجاهل مبدأ الصيرورة او ملموسية التجربة هو ليس امرا نظريا بحتا, بل انه امر يمكن ان تترتب عليه نتائج عملية واخلاقية جسيمة الابعاد, كما يعلّمنا التاريخ. فلو تصورنا, انسجاما مع العلم الميكانيكي, مجتمعا تتحقق فيه الشيوعية, و ساوينا بين الشيوعية والسعادة , فاننا يجب علينا ان نتوفع, بسبب هذه المساواة الميكانيكية واللامنطقية, ان كل افراد المجتمع الشيوعي "ينبغي" ان يشعروا بالسعادة. وال "ينبغي" تؤدي لا محالة الى الطغيان, كما رأينا في الحلقة السابقة. اذن كيف سينسجم الطغيان مع السعادة المقترنة الزاما بالشيوعية؟ هذا اذا لم نفترض مسبقا ان افراد المجتمع الشيوعي المنشود مصابون بالمازوخية, وهو افتراض لا مسوغ له بطبيعة الحال. ويمكننا ايضا ان نتسائل: ولكن كيف سيكون واقع الافراد الذين لا يشعرون بالسعادة بالرغم من كونهم افراد في مجتمع شيوعي؟ ما الذي سيحصل عندما سيصاب احد منهم او اكثر بالكآبة؟ صديق لي اخبرني انه, عند اقامته اثناء شبابه في المانيا الديمقراطية السابقة للدراسة, شعر بالكأبة, مما دفعه لمراجعة طبيب نفسي في تلك الدولة. وعند مراجعته للطبيب النفسي, اكتشف بكل ذهول وحيرة, ان مرضه هو وهم برجوازي كما اخبره بذلك الطبيب, وكان ذلك بموجب الزعم القائل ان كل الناس في المجتمع الاشتراكي او الشيوعي ينبغي ان يشعروا بالسعادة. كما فهم صديقي لاحقا, ان كآبته عنت احد امرين او كلاهما: اما انه لم يتفاعل ايجابيا مع المجتمع الاشتراكي بسبب "ترسبات برجوازية!", او ان كآبته كانت امرا مصطنعا يهدف الى تكذيب ان الشيوعية او الاشتراكية صنو للسعادة. ولا اعتقد انه من الصعب علينا فهم ان كآبة الصديق قد تفاقمت بسبب انعدام العلاج وبسبب استحواذ القلق عليه وخوفه على مصيره ومستقبل دراسته في تلك الدولة, اضافة الى شعوره بالذنب بسبب تقبله الايحاء بانه قد اخفق فكريا وانه كان مسؤولا شخصيا عن كآبته. وكآبته عنت لا بد, حسب الفكر السائد آنذاك, انه كان شخصا معاديا للنظام, ان لم يكن قد شكل خطرا عليه. ولكن هذا الطبيب النفسي من المانيا الديمقراطية, الذي كان يتبرقع ببرقع الماركسية او الشيوعية كان, كما يبدو, من اشد اعداء المادية, وذلك لكون المادية هي نقيض الزعم بوجود نظام اخلاقي سرمدي. لقد كان هذا الطبيب, الذي جسد طبيعة النظام وقتها, من انصار العلم الميكانيكي رغم تجلببه بجلباب الديالكتيك. وهو لم يكن ماركسيا, بل انه كان , وحتى بدون درايته, احد اتباع فيلسوف العلم كارل بوبر, الذي مذهبه في التكذيب, لسخرية التاريخ والعلم, يعتبر الماركسية والتحليل النفسي علمين كاذبين, كما شرحت ذلك باسهاب من قبل. ان ذلك الطبيب النفسي في المانيا الديمقراطية لم يكن هو البوبري الوحيد. فكل, او الاغلبية الساحقة من اطباء وعلماء النفس في الاتحاد السوفيتي السابق والمعسكر الاشتراكي, كانوا من اتباع بوبر, كما النظام نفسه. وهؤلاء اعتبروا الاضطرابات النفسية كألكآبة والقلق اوهاما برجوازية وبمثابة العداء للشيوعية التي هي, بعرفهم, صنوا للسعادة او النيرفانا. ولذا فان هؤلاء "المتمارضين!" لم يكونوا في حاجة الى علاج نفسي, بل,بعرفهم, الى اعادة تأهيل آيديولوجي. ونفس الكلام, ولكن بالعكس, انطبق على معارضي النظام في المجتمع "الشيوعي". فهؤلاء, حسب منطق العلم الميكانيكي, لا بد انهم كانوا مصابون بالجنون لكونهم عارضوا الشيوعية او ما سمي وقتها هكذا. وهم انفسهم, بعرف السلطة, كانوا يقفون حجر عثرة امام سعادتهم الشخصية او سعادة الآخرين في مجتمعاتهم. لذا كان ينبغي حجز المعارضين في مصحات نفسية وعلاجهم بالعقاقير المضادة للجنون او بالصدمات الكهربائية. وبذلك جرى اساءة استخدام الطب النفسي في الاتحاد السوفيتي لاغراض سياسية بشكل واسع, او كما يجري في الصين (5).

ولكن قد يعترض احدهم ويقول ان رافعي شعار "العدالة الاجتماعية" او شعار "شعب سعيد" هم ليسوا بوبريين وهم ليسوا اطباءا نفسيين من حقبة "شيوعية" منصرمة او راهنة. ولذا يستطيع ان يزعم البعض ان شعار "شعب سعيد" ليس شعارا مشتقا من ايديولوجية برجوازية, بوبربة او خلافها. واني لذا ارد على اعتراض كهذا بالاستعانة بالمقال البالغ الاهمية للصديق Gabriel Rockhill, الذي هو بروفسور للفلسفة في جامعة Villanova في فيلادلفيا ومدير برنامج النظربة النقدية في الكلية العالمية للفلسفة في باريس Collège International de Philosophie ومحاضر في سجن Graterford الاصلاحي في بنسلفانيا وفي جامعة السوربون. هذا المقال يشرح بدقة وبلاغة نادرة المثال التأثير المخرب والهائل اللايديولوحية الراسمالية على الماركسيين-الشيوعيين في عصرنا (6). ان هذا التأثير الشاسع النطاق يتم عن طريق مؤسسات ومعاهد ثقافية او عن طريق مؤسسات استخباراتية مثل وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية, المسماة اختصارا CIA. ومع ان مقاله يعالج بشكل خاص استخدام الادب الفرنسي او الثقافة الفرنسية في محاربة الماركسية وتفنيدها او تحويلها الى فلسفة اصلاحية مجردة من كل ثورية, الا ان فحوى واستنتاجات المقال تنطبق ايضا على الشيوعيين الاصلاحيين في منطقتنا, وبضمنهم شيوعيي العدالة الاجتماعية الذين يرفعون شعار "شعب سعيد". ان استعانتي بهذا المقال منسجم ايضا مع فلسفة وايتهيد ومبدأ التداعي النفسي للافكار.

يؤكد Rockhill في مقدمة مقالته انه غالبا ما يُفترض أن المثقفين ليس لديهم سلطة سياسية او انه ليس لديهم منها غير القليل. ويزعم الكثيرون ان المثقفين يعيشون في برج عاجي متميز، وهم منفصلون عن العالم الحقيقي، ومنغمرون في مناقشات أكاديمية لا معنى لها وبخصوص تفاصيل تخصصية تافهة، أو انهم يحلقون فوق السحاب. ولربما ان بعض العبارات التي يتفوه بها العلماء انفسهم تساهم بحد ذاتها الى حد ما في خلق مثل هذا الانطباع عن الاكاديميين والعلماء وهوسهم بالتفاصيل الدقيقية التي قد يعتبرها البعض انها تغفل رؤية الاطار العام للصورة بكليتها, كما, مثلا, قول عالم الفيزياء Brian Cox ان هم العلماء هو دراسة التفاصيل الدقيقة (7), مما قد يؤدي الى خلق مزاج عام معاد (8) لهذه النظرة الاختصاصية الدقيقة جدا للعالم والمناقضة لديالكتيكيتة وعضويته كما في ماركس ووابتهيد. وكثيرا ما يصور المثقفون بانهم منعزلون عن الواقع السياسي وعاجزون عن التأثير عليه بأي شكل ملموس. الا ان وكالة المخابرات المركزية تعتقد خلاف ذلك.

وفي واقع الامر ان وكالة المخابرات المركزية هي الجهة المسؤولة عن العديد من الانقلابات والاغتيالات والتلاعب السري بشؤون حكومات أجنبية غير موالية او معادية لسياسات الولايات المتحدة في الاستحواذ والهيمنة. ونحن نعلم بما يقال ان الوكالة كانت هي ألمسؤولة عن تزويد حكومتها بمعلومات كاذبة بخصوص اسلحة الدمار الشامل في العراق, مما ساهم كمبرر في غزو العراق في عام 2003 (9).

ان وكالة المخابرات المركزية لا تعتقد فقط في الاهمية الفائقة للنظرية والافكار، ولكنها تخصص ايضا مواردا كبيرة جدا لمجموعة من العملاء (السريين) لدراسة وتمحيص ما يعتبره البعض اكثر النظريات غموضا وتعقيدا على الإطلاق. فالتقرير البحثي المثير للاهتمام, المكتوب في عام 1985، والذي كُشف النقاب عنه مؤخرا بتنقيح طفيف, وحسب قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة (10)، يكشف ان عناصر الوكالة كانوا يدرسون نظريات ثقافية او فكرية بالغة التعقيد وذات تأثير واسع المدى, مثل نظريات ميشيل فوكو (مؤرخ فكر)، جاك لاكان (محلل نفسي), ورولان بارت (عالم سيمياء وكاتب وفيلسوف), وذلك في سعيهم الدؤوب لمحاربة الماركسية والاجهاز على ثوريتها.

ان تصور وجود تجمع في المقاهي الباريسية لجواسيس أميركيين لغرض دراسة كهنة الثقافة الفرنسية بكل اجتهاد قد يصدم الذين يفترضون ان هذه المجموعة من المثقفين الفرنسيين ارفع بكثير من ان يتم استخدام افكارهم في مشاريع الوكالة المبتذلة, او انه قد يصدم الذين يفترضون ان هؤلاء المثقفين, حالهم حال الباعة المتجولين, يتكلمون بخطاب غير مفهوم و بتأثير ضئيل أو منعدم في العالم الحقيقي. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئا لأولئك الذين على دراية بالاستثمارات الهائلة التي تخصصها وكالة الاستخبارات المركزية منذ فترة طويلة وبشكل مستمر في الحرب الثقافية العالمية، بما في ذلك تقديم الدعم لمعظم "الأشكال الطليعية" avant-garde, وهو امر تم توثيقه بدقة من قبل باحثين مثل Frances Stonor Saunders, Giles Scott-Smith و Hugh Wilford, اضافة الى مساهمة Rockhill نفسه في كتابه Radical History & the Politics of Art (التاريخ الراديكالي وسياسات الفن).

ويوضح Thomas W. Braden، وهو المشرف السابق على الأنشطة الثقافية في وكالة المخابرات المركزية، قوة الهجوم الثقافي للوكالة, وذلك في تقرير داخلي صريح نشر في عام 1967: "أتذكر الفرحة الهائلة عندما حققت اوركسترا بوسطن [الذي تحظى بدعم وكالة المخابرات المركزية] شهرة للولايات المتحدة اثناء العرض (الموسيقي) الذي قدمته في باريس اكبر بمئات المرات من خطب جون فوستر دالاس أو دوايت ايزنهاور". ولم يكن هذا العرض بأي حال من الأحوال عملية صغيرة أو محدودة للوكالة. في الواقع، كما يشرح Hugh Wilford بكل باقتدار في كتابه (11) The Mighty Wurlitzer.

كان مؤتمر الحرية الثقافية (CCF)، الذي كان مقره في باريس, والذي, كما كُشف لاحقا, واجهة لوكالة الاستخبارات المركزية خلال الحرب الباردة الثقافية. والمؤتمر كان من الرعاة الأكثر أهمية في مجال الثقافة المضادة للماركسية والشيوعية في تاريخ العالم الحديث, وتميز بدعمه لمجموعات عددها لا يصدق ولأنشطة فنية وفكرية كثيرة جدا ومتنوعة. كان لديه مكاتب في 35 بلد، ونشر العشرات من المجلات المهمة، وشارك في صناعة الكتاب وفي تنظيم مؤتمرات دولية رفيعة المستوى ومعارض فنية وعروض وحفلات موسيقية، وساهم بشكل كبير في التمويل المالي لمختلف الجوائز الثقافية والمنح الدراسية.

تعي وكالة الاستخبارات بشكل كامل ان الثقافة والنظرية والافكار عموما يمكن ان تكون أسلحة حاسمة في الترسانة الشاملة التي تستخدمها الوكالة لإدامة المصالح الأمريكية في العالم. التقرير البحثي, المشار اليه اعلاه, الذي صدر حديثا, والذي تعود فترة كتابته الى عام 1985، تحت عنوان "فرنسا: انشقاق المثقفين اليساريين،" يفحص -بلا شك من أجل التلاعب- الثقافة الفرنسية ودورها الأساسي في تشكيل الاتجاهات السياسية. مما يدلل على أنه كان هناك توازن أيديولوجي نسبي بين اليسار واليمين في تاريخ العالم الفكري الفرنسي، ويسلط التقرير الضوء على احتكار اليسار للساحة السياسية في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة (الامر الي عادته الوكالة بكل شدة), وذلك نظرا للدور الرئيسي الذي لعبه الشيوعيون الفرنسيون في مقارعة الفاشية والانتصار في نهاية المطاف في الحرب ضدها. على الرغم من أن اليمين فقد مصداقيته على نطاق واسع بسبب مساهمته المباشرة في معسكرات الموت النازية، وكذلك بسبب سياساته المعادية للاجانب ومعاداته المساواة وفاشيته عموما (وفقا لوصف وكالة الاستخبارات المركزية نفسها)، الا ان العملاء السريين الذين لم يٌكشف عن اسمهم والذين وضعوا الخطوط العريضة للدراسة عبّروا بوضوح عن فرحهم بسبب عودة اليمين الى الواجهة منذ ما يقرب أوائل 1970s.

وبشكل أكثر تحديدا، ان عملاء الوكالة الثقافيين السريين احتفوا بحرارة بما اعتبروه الحركة المزدوجة في الحياة الثقافية الفرنسية التي ساهمت في تحويل مركز النقد الذي وجهه المثقفون الفرنسيون بعيدا عن الولايات المتحدة ونحو الاتحاد السوفياتي. ففي معسكر اليسار, كان هناك استياءا فكريا متزايدا من الستالينية والماركسية، مترافقا مع انسحاب من جانب المثقفين الراديكاليين من النقاش العام وابتعادهم عن الاشتراكية والحزب الاشتراكي. وفي معسكر اليمين بدأ اتباعه بوصف الانتهازيين الأيديولوجيبن بانهم الفلاسفة او, مثقفي اليمين, الجدد الذين شرعوا بشن حملة إعلامية مكثفة وواسعة النطاق لتشويه الماركسية.

ففي حين شاركت مخالب الوكالة الأخرى في التجسس في جميع أنحاء العالم من اجل الإطاحة بالقادة المنتخبين ديمقراطيا وتوفير المعلومات الاستخباراتية والتمويل للطغاة الفاشيبن ودعم فرق الموت اليمينية، كان فرعها الباريسي منهمكا بجمع بيانات عن كيفية ان اتجاه العالم النظري-الثقافي إلى اليمين يفيد مباشرة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. كان المثقفون اليساريون الفرنسيون, في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة, معادون بشكل حازم وعلنا للإمبريالية الأمريكية. وكان جان بول سارتر بمثابة نجم اعلامي باعتباره كان ناقدا ماركسيا صريحا وكان له دورا ملحوظ لكونه مؤسس الصحيفة اليومية Libération التي رفعت القناع عن وكالة المخابرات المركزية في باريس وكشفت اسماء عشرات من النشطاء السريين, مما سبب بمراقبة الوكالة له عن كثب واعتباره مشكلة خطيرة جدا, كما يؤكد تقرير الوكالة نفسها (12).

وفي المقابل، فقد كفلت السياسة الموجهة ضد السوفييت ومحاربة الماركسية في عصر النيوليبرالية الناشئة تحوّل اتجاه النظر العام وتوفير غطاء ممتاز للحروب القذرة لوكالة الاستخبارات المركزية, مما يجعل "من الصعب جدا على أي شخص حشد جمع كبير ضمن النخب الفكرية لمعارضة سياسات الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى. على سبيل المثال, لخص Greg Grandin، وهو واحد من المؤرخين الرواد في أمريكا اللاتينية، هذا الموقف في "آخر مجزرة استعمارية" بقوله: بصرف النظر عن التدخلات الكارثية الواضحة والاجرامية للولايات المتحدة في غواتيمالا في عام 1954، وجمهورية الدومينيكان في عام 1965، وشيلي في عام 1973 والسلفادور ونيكاراغوا خلال 1980s، قدمت الولايات المتحدة معونات مالية مستمرة ودعما معنويا للدول الارهاب والمعادية للشيوعية. وحسب تعبير Grandin, ان فداحة الجرائم التي ارتكبها ستالين تضمن أن تاريخ الوكالة الدنيئ، مهما كانت إدانته مقنعة وشاملة, سوف لن يمس ولا يزعج الوكالة من وجهة نظر عالمية ملتزمة بالدور النموذجي للولايات المتحدة في الدفاع عن ما نعرفه الآن باسم الديمقراطية (13).

وفي هذا السياق تمت الاشادة وقدم الدعم الذي لا حدود له بجيل جديد من المفكرين المعادين للماركسية مثل برنار هنري ليفي، أندريه غلوكسمان وجان فرانسوا ريفيل في هجومهم على "الشلة الاخيرة من العلماء او المفكرين الماركسيين المرموقين" (التي تألفت، وفقا إلى تقارير الوكالة, من سارتر، بارت، لاكان, ولويس ألتوسير). والميول اليسارية المضادة للماركسية لاشخاص مثل ليفي وآخرين , اثناء شبابهم، وفرت للوكالة نموذجا مثاليا لبناء روايات مضللة تدمج النمو السياسي الشخصي المزعوم بالمسيرة التقدمية للزمن (المشتق من الزمن المطلق لفيزياء نيوتن, كمثال على العلم الميكانيكي للوكالة والمعارض لمفهوم الابتكار في فلسفة وايتهيد العضوية) , وكأن كل من الحياة الفردية والتاريخ هو مجرد مسألة نمو في العمر كقرين لنضج في التفكير والاعتراف بأن التحول الاجتماعي الخاص بالمساواة هو شيء شخصي وتاريخي يمت الى الماضي. ان هذا الاستعلاء الانهزامي الكلي لم يهدف فقط الى تشويه سمعة الحركات الجديدة، لا سيما تلك التي يقودها الشباب، ولكنه أيضا اساء تأويل حكايات النجاحات النسبية لقمع الثورة المضادة واعتبارها تقدما طبيعيا للتاريخ.

وحتى المنظرون الذين لم يعادوا الماركسية, ققد أسهم هؤلاء المنظرون إسهاما كبيرا في خلق بيئة من خيبة الأمل بمفهوم العدالة التحويلية، وتقززا من موضوعة التعبئة الاجتماعية, وكان نقدهم يخلو من الراديكالية. وهذا أمر مهم للغاية لفهم استراتيجية وكالة الاستخبارات المركزية العامة في محاولاتها الواسعة في تعميق تفككك اليسار الثقافي في أوروبا وأماكن أخرى من العالم . ان التعرف على وجود مثل هذا الامر من غير المرجح أنه سيمْكن من إلغائه تماما، فقد سعت منظمة التجسس الأكثر نفوذا في العالم لنقل الثقافة اليسارية بعيدا عن السياسة المناهضة للرأسمالية والتحول الجذري الحازم, ودفعهتا باتجاه مواقف إصلاحية يسارية-وسط التي هي أقل اكتراثا بنقد علني لسياسات الولايات المتحدة الخارجية والداخلية. وفي الواقع، فقد مضت الوكالة شوطا بعيدا من وراء ظهر الكونغرس, ومدفوعة يسياسات مكارثي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, من أجل الدعم المباشر, والترويج, للمشاريع اليسارية التي قادت منتجيي ومستهلكي الثقافة بعيدا عن اليسار الجذري وفلسفته الحازمة في المساواة. لقد سعت الوكالة الى تشويه سمعة اليسار الراديكالي وتجميل قباحات اليسار الاصلاحي المتكيف مع الراسمالية المتوحشة ومحاولات اليسار الاصلاحي الخبيثة في دعم وجود الراسمالية واستمراريتها تحت شعارات مضمونها الابقاء على الراسمالية ولكن بعد الباسها قناع الانسانية للتمويه على وحشيتها. ان هؤلاء هم العملاء الثقافيون للوكالة, شاؤوا ام ابوا. والوكالة تهدف أيضا إلى تفتيت اليسار بشكل عام، وترك ما تبقى من يسار الوسط (اليسارالاصلاحي) بالحد الأدنى من القوة والدعم الشعبي, فضلا عن احتمال فقدان يسار الوسط هذا لمصداقيته بسبب تواطئه مع سياسات القوى اليمينية، وهي القضية التي لا تزال تعاني منها الأحزاب المؤسسية المعاصرة في اليسار. وعلى ضوء هذا يجب علينا أن نفهم ولع وكالة الاستخبارات الامريكية بروايات التحول (من ماركسيين ثوريين الى ماركسيين اصلاحيين) وتقديرها العميق ل "الماركسيين الإصلاحيين" مثل شيوعيي العدالة الاجتماعية.

وكما نعلم من البحوث حول برامج وكالة الاستخبارات المركزية في الحرب النفسية، ان الوكالة لا تتعقب الأفراد فقط للسعي الى شرائهم او اكراههم والتحكم بهم، ولكنها هي ايضا دائما حريصة على فهم مؤسسات انتاج الثقافة ونشرها والتأثير عليها, وبضمنها الجامعات, مؤسسات النشر, ووسائل الاعلام, وذلك من اجل تشكيل وتعزيز ثقافة ووعي سياسي جماعي لصالح الطغم المالبة والحكومات الفاشية.

ما هي الدروس التي يمكن أن نستخلصها من التقرير البحثي للوكالة، لا سيما في ظل البيئة السياسية الحالية المتزامنة مع الهجوم المستمر على المثقفين النقديين؟ للاجابة على هذا السؤال, يقترح Rockhill التالي.
أولا وقبل كل شيء، لا توافق الوكالة, التي هي واحدة من اهم سماسرة السلطة وأقواها في السياسة العالمية المعاصرة, على ما يفترضه البعض أن المثقفين عاجزون وأن توجهاتهم السياسية لا اهمية لها. ان وكالة الاستخبارات المركزية ، كما يبدو من اسمها, Central Intelligence Agency, يوحي بالمفارقة ويؤمن باهمية الذكاء والنظرية، ويجب أن نأخذ هذا على محمل الجد. وان الافتراض الخاطئ أن العمل الفكري لا تأثير لديه او لديه منه فقط القليل في "العالم الحقيقي،" لا يحملنا فقط على تشويه الآثار العملية المترتبة على العمل النظري، ولكنه ايضا يجعلنا عرضة لخطر غض الطرف عن المشاريع السياسية التي نستطيع بسهولة ان نصبح نحن دعاتها وسفراءها الثقافيين بشكل غير مقصود. على الرغم من أن وضع الدولة الوطنية الفرنسية وجهازها الثقافي يوفر بالتأكيد منبرا عاما أكثر أهمية بكثير للمثقفين مما يمكن العثور عليه في العديد من البلدان الأخرى، الا ان هوس وكالة الاستخبارات المركزية في رسم الخرائط والتلاعب بالإنتاج النظري والثقافي في أماكن أخرى هو بمثابة دعوة لليقظة لنا جميعا.

ثانيا، ان سماسرة السلطة في الوقت الحاضر لديهم مصلحة في اشاعة ثقافة بليدة لانقدية, وذلك من خلال تعزيز مؤسسات تقوم على المصالح التجارية والفنية والعلمية، ومساواة السياسة اليسارية مع معاداة العلمية-كما لاحظتُ هذا من قبل, وكذلك من خلال نشر الزعم المضلل بحيادية العلم في عصر الرأسمالية, وهو زعم, كما نعلم, قام لينين بتفنيد صحته منذ ما يقرب من مائة عام. وقد قرأت الآن في صحيفة الغاريان البريطانبة خبرا مفاده ان الروباتات تساهم في جعل الاغنياء اكثر غنى (14). فخطر ببالي ما يمكن اعتباره بديهة. فالاغنياء لا يستثمرون اموالهم في مشاريع بخصوص الروباتات او غيرها ان لم تزد هذه المشاريع من غناهم. ولكن الفيزياوي الشهير Stephen Hawking يؤكد بحق انه علينا ان نخشى الرأسمالية وليس الروباتات (15). ان سياسة الوكالة تتلخص بعزل اليساريين ووضعهم خارج المؤسسات الأكاديمية الرئيسية والحيلولة بينهم وبين أضواء وسائل الإعلام، وكذلك تشويه سمعة أي دعوة للتحول المساواتي الجذري. وتسعى الوكالة, ايضا على الصعيد العالمي, إلى تعزيز ثقافة فكرية ليسار يتصف بالحياد وعدم الفعالية وفتور محتواه الفكري وتقبله الانهزامية، أو بيسار يتسم بنقد سلبي لليسار الراديكالي.

ثالثا، لمواجهة هذا الهجوم المؤسسي على الثقافة اليسارية الحازمة، لا بد من مقاومة النظام التعليمي الذي يهمّش البشر او التعليم الذي يقتصر فقط, او في الاعم الاغلب, على منحهم مهارات فنية vocationalization (انظر بهذا الخصوص النقاش الدائر حول هذا النوع من التعليم في ما سمي العالم الثالث من قبل) (16). ومن المهم أيضا خلق حياة عامة من الحوار النقدي، وتوفير مكان أوسع لأولئك الذين يدركون أن عالما آخر ليس ممكنا فحسب، ولكنه ضروري ايضا. ونحن بحاجة أيضا إلى الوقوف صفا واحدا من أجل المساهمة في خلق أو تطوير وسائل الإعلام البديلة ونماذج مختلفة من التعليم ومؤسسات مناقضة للمؤسسات الرسمية, اضافة الى تكوين تجمعات راديكالية. فمن الأهمية بمكان تعزيز بالضبط ما ما يسعى وكلاء ثقافة الوكالة المتسترين الى تدميره: ثقافة يسارية راديكالية مع إطار مؤسسي واسع الدعم واسناد علني واسع النطاق وامتلاك وسائل الإعلام والقدرة التوسعية في التعبئة.

وأخيرا، يجب على مفكري العالم ان يتحدوا في الاعتراف بقوتهم وقدرتهم الكامتة في تطوير نقد منهجي وراديكالي بخصوص المساواة والبيئة كما هو ايضا منهج, في نفس الوفت, مناهض للرأسمالية ومعادي للإمبريالية. المواقف التي يتخذها احدنا في الفصول الدراسية أو علنا مهمة لتحديد شروط النقاش ورسم مجال الإمكانية الكامنة في السياسية الثقافية, وفي معارضة مباشرة لاستراتيجية وكالة التجسس وسياساتها الثقافية في التشظي والاستقطاب، التي تسعى إلى عزل اليسار المناهض للإمبريالية والرأسمالية, وخصوصا في مجال مناهضة اليسار الراديكالي للمواقف الإصلاحية. يجب علينا توحيد وحشد الصفوف والاعتراف بأهمية العمل معا في كل أنحاء اليسار، كما تذكْرنا بذلك (17) Keeanga-Yamahtta Taylor, وكذلك بالضرورة الماسة لتكوين ثقافة راديكالية حقة. فبدلا من اعلان عجز المثقفين او التحسر عليه، يجب علينا تسخير القدرة على قول الحقيقة للسلطة من خلال العمل معا وتعبئة قدراتنا في خلق جماعي للمؤسسات الضرورية لعالم الثقافة اليسارية. لأنه ليس في غير مثل هذا العالم، وفي الفضاءات التي تردد صدى الذكاء الراديكالي، يمكن للحقائق المنطوقة ان يتم الاصغاء اليها في الواقع، وبالتالي احداث تغيير في بنيات السلطة.
يتبع
........
المصادر
1. Whitehead s "Science and Modern World https://www.youtube.com/watch?v=x1IwCOx1dlw
2. Korzybski, Alfred 1933. Science and Sanity: An Introduction to Non-Aristotelian Systems and General Semantics. p. 58. "A map is not the territory it represents, but, if correct, it has a similar structure to the territory, "which accounts for its usefulness
3. https://www.psychologytoday.com/test/1320
4. https://www.amazon.com/dp/194044702X/?tag=homebrechrist-20
5. http://jaapl.org/content/jaapl/30/1/136.full.pdf
6. THE CIA READS FRENCH THEORY: ON THE INTELLECTUAL LABOR OF DISMANTLING THE CULTURAL LEFT
http://thephilosophicalsalon.com/the-cia-reads-french-theory-on-the-intellectual-labor-of-dismantling-the-cultural-left/
7. https://www.theguardian.com/tv-and-radio/2016/jul/02/professor-brian-cox-interview-forces-of-nature
8. https://www.theguardian.com/politics/blog/2016/jun/08/experts-eu-referendum-michael-gove
9. http://nation.time.com/2012/09/06/iraq-how-the-cia-says-it-blew-it-on-saddams-wmd/
10. France: Defection of the Leftist Intellectuals
https://www.cia.gov/library/readingroom/docs/CIA-RDP86S00588R000300380001-5.PDF
11. http://www.hup.harvard.edu/catalog.php?isbn=9780674032569
12. https://www.cia.gov/library/readingroom/docs/CIA-
RDP99-00498R000100040071-2.pdf
13. An excerpt from
The Last
Colonial Massacre
Latin America in the Cold War
Greg Grandin
http://www.press.uchicago.edu/Misc/Chicago/305724.html
14. https://www.theguardian.com/technology/2017/mar/02/robot-tax-job-elimination-livable-wage
15. http://www.huffpostbrasil.com/entry/stephen-hawking-capitalism-robots_us_5616c20ce4b0dbb8000d9f15
16. http://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1080/0305787950470202
17. https://www.theguardian.com/commentisfree/2017/jan/24/women-march-diversity-minorities-working-class