حتمية التنوير الاسلامي

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 3 / 4

حتمية التنوير الاسلامي
(الانسان حيوان متدين ) عباره شهيره اطلقها الفيلسوف الالماني التنويري فيورباخ (1804 – 1872) الذي اعطى جل اهتمامه اوفكرة على مسار مهم واساسي وهو فلسفة الدين , ويبدو انه اراد اكمال رسالة استاذه هيغل في هذا المجال الذي اعطى مقاربات مهمة ومفصلية في اشكالية الدين وعلاقة الانسان مع الله , فالدين بحسب عبارة فيورباخ ملتصق بالانسان منذ البدايات الاولى وحتى الفصل الاخير, وهو جزء من بنية العقل وليس مرحلة من مراحل تطور العقل او الانسان , ولايبدو في الافق القريب او البعيد مايؤكد نهايه محتمله لهذا الوعي البدائي , لذا كان واجب التنويريين هو تهذيب الدين وتنويره اوعقلنته وفق مفاهيم الحداثة والتقدم , وتحرره من سجن التعصب والانغلاق والارهاب , وكان من اولئك هو فيورباخ الذي كان يردد ( ان المشكلة اليوم ليست وجود او عدم وجود الله , انما وجود الانسان او عدم وجوده . وليست المشكلة ما اذا كانت طبيعة الله مشابهة لطبيعتنا , ولكن ما اذا كنا نحن البشر متساويين فيما بيننا . وليس ما اذا كنا مسيحيين او وثنيين او مؤلهين او ملحدين , ولكن ما اذا كنا ادميين نتمتع بصحة الروح والبدن والحرية والنشاط والحيوية . وليس مهمة انكار وجود الله هى مايعنيني , ولكن مايعنيني مشكلة عدم وجود الانسان ) فالانسان ضائع ومتلاشي ومغترب في الدين , الدين فقط لله , واما الانسان فهو موضوع منفصل ومستلب.... وان اعادة الدين للانسان تكمن من خلال التنوير, اي تنوير الدين وعقلنته , وقد اكد فيورباخ على ذلك بقوله ( لقد كان شغلي دائما وقبل كل شي ان انير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العقل حتى يمكن للانسان ان لايقع ضحية القوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري) .
ان الدين الاسلامي اليوم هو معني اكثر من غيره في ضرورة الدخول لمرحلة التوير والانسنة والترويج للنزعة العقلانية والعلمية , بسبب هيمنة الكثير من المنطلقات القرو – سطية عليه واهمها الجمود العقائدي والتعصب والارهاب واقصاء الاخر المختلف بالمذهب والدين والثقافة والتوجهات الدنيوية , فضلا عن ذلك , فمازال هنالك فصل بين الله والانسان في الدين الاسلامي تجاوزته المسيحية قبل اكثر من ثلاث قرون , ادى الى ترسيخ نمط الاستلاب والعجز امام الذات الالهية والخوف منها , وهناك من يستفيد من ذلك الخوف وغموض بعض المتبنيات الدينية لقهر الانسان المسلم وترويضه واستغلاله وتدجينه لغايات واغراض سلطوية وسياسية , كان من اهمها افة الارهاب والاستبداد , وان الحل الوحيد للتخلص من ذلك القهر والاستغلال هو انسنة الدين الاسلامي وعقلنته من خلال التنوير والحداثة والتقدم .
ان انسنة الدين وعقلنته لاتكون الا من خلال طريقين لا ثالث لهما , الاول : التنوير الاوربي الحديث وتبني القيم العصرية والكونية والليبرالية التي تعمل على عقلنة كل المفاهيم والبنى الاجتماعية المتاخرة واهمها الدين , وسبق ان ذكر ماكس فيبر (ان العقلنة الدينية ساعدت على عقلنة جميع التصرفات الاجتماعية الاخرى) . الثاني , هو من خلال الدين نفسه , اي اعادة تاويله وقراءته وفق سياقات علمية ونزعة انسانية خالصة تكون من خلال رجال الدين انفسهم - لاسيما التنويريين والعقلانيين منهم - ورغم قناعة البعض بان الاصلاح من داخل الاسلام لم يعد ممكنا , على اعتبار ان هناك انظمة اجتماعية ودينية اصلاحها يعني اعدامها , الا ان هذا – وكما يبدو – هو الطريق الوحيد لتبني وانتشار الحداثة والتطوير في هذه البنى المتاخرة , لان الدين الاسلامي عنده ممانعة ذاتية وقوية امام الحداثة والتنوير الاوربي الحديث , وان الحل الثاني هو اهم الخيارات المطروحة - اي تنوير الدين الاسلامي من خلال المسلمين انفسهم - والا فان انقراض الاسلام سيكون قدرا محتوما , كما اعترف بذلك الشيخ القرضاوي عندما قال (لولا حد الردة لانقرض الاسلام) اي ان بقائه مرتهن بالقوة والسيف وليس الاختيار والقناعة . ولكن من جانب اخر يجب القول ان من يريد الخيار الثاني فيجب عليه التسلح بالطريق الاول , وهو التنوير الاوربي والغربي الحديث , وتبنى انماطه الثقافية والاقتصادية والسياسية والليبرالية , كما ان المتصدي لذلك يجب ان يكون اسلاميا (او على الاقل مسلم ) , لان الاصلاح من خارج النسق نفسه او المنظومة الاجتماعية نفسها قد يسبب احراج وتحسس - كما ذكر ذلك الدكتور الوردي - لان الانسان المسلم يعتبر نفسه افضل من الاخر الغربي المختلف بالتوجة والثقافة , ويعده كافرا او صليبيا او يهوديا , فلايقبل بالتالي منه تلك الاراء التنويرية والاصلاحية , وربما اعتبرها مؤامرة ماسونية او صهيونية عالمية للنيل من الاسلام وزعزعة مفاهيمه المقدسة .