في تشخيص الداء.. لماذا نرى -متسولين-؟

السيد شبل
2017 / 3 / 3

يجب أن يكون مفهومًا أن أي دولة تنسحب فيها السلطة (السياسية المنتخبة) من الاشتباك بالعملية الاقتصادية، وتنصرف عن مهمة التخطيط والرقابة والإدارة، وتعتبر أن صفوة مهمتها هي الجلوس "تتشمّس" في (كسل وبلادة) تحت شعارات "نيوليبرالي" وأجندة "بنك دولي" يتم استغفال الناس بناءًا عليها، وتتراجع عن ألف باء (وطنية) وهو رعاية حق (الجماعة)، وتترك أصحاب المنشآت التجارية أو الخدمية أو التصنيعية (في نسختهم الدولية او المحلية..) لـ"ضميرهم"، لا بد أن تجني هذه الدولة "متسولين" يملؤون شوارعها وميادينها.

لا أحد يريد أن يلتفت إلى أن وجود رأسمالية لا تلتزم بالتأمين على عامليها، أو تحرير العقود معهم، وتتصرف بـ"حرية" تامة في تشغيلهم لـ12 ساعة وبأقل أجر ممكن، أو صرفهم، دون تفعيل لقوانين العمل، وفي ظل تراجع العمل والمفهوم النقابي، فحتمًا، ستجني أناسًا (غير آمنين على مستقبلهم، مهددين بالتسريح -والجوع والفقر- بكلمة يلفظها صاحب العمل)، ماذا لو أصيب الواحد بمرض؟ أو تقدّم به السن إلى حد لم يعد معه قادرًا على كسب قوته من العمل؟، ماذا أمام هذا الفرد سوى "التسوّل"؟، تيقّن، مع الوقت، وتحت الضغط.. تذوب معاني كـ"الكرامة"، خاصة لو كان ثمة طفل يتلوى جوعًا.

بين أولئك الذين تصدمك وجوههم في الشوارع والميادين المصرية، أناس من هذه العيّنة المذكورة.. تقول، أنهم يجنون كثيرًا من تسولهم، يجادل آخرون، بأن هذا، محض تصورات، وإن كان هذا حقيقي في حق البعض، فليس من الممكن، ولا من الجائز، ولا من العلمي.. تعميمه على المجموع (وأن فعلًا، مع تكاثر عدد المتسولين، وتراجع الدخول بشكل عام، فإن الحديث عن مبالغ كبيرة قد يحصّلها المستولون، صار محض خرافات).

لكن، بالنسبة لدولة تفكر في استنهاض نفسها أو تبحث عن أسباب فشلها، لا يمكن مناقشة قضية مثل "التسوّل" عبر التعرّض لمداخيل "المتسولين"، السردية الصحيحة هو تحليل (البيئة الاقتصادية) التي يمكن أن تنتج هؤلاء، ولو كان 50% منهم. لا بد من سد الذرائع، ووأد الفيروسات التي يمكن أن تتسب في المرض بتوفير (التطعيم)، بعدها، أو معها (لا يهم) يمكن أن تتناقش فيما تشاء، وتلوم فرد هنا، أو عشرة هناك، على "تكاسلهم" واستسهال تحصيل ثروة عبر التجارة بـ"عواطف" الناس، وابتزاز "مشاعرهم" (بالضبط كما يفعل الساسة باسم الدين او الوطينة أو الثورة: أقبح المستولين، بالمناسبة).

القضية لا يمكن أن تترك للتكافل الاجتماعي العفوي، من يتبرع اليوم (مشكورًا)، لن يتبرع غدًا (تحت ضغط العازة أو الهوى أو الرغبة في الاكتناز والادخار..)، وليس ثمة قائمة للمواطنين (ليغطيها التبرع)، أو آلية تضمن بها لكل عامل اليوم، قد يمرض مستقبلا أو يبلغ سن متقدم (خاصة لو لم يكن من السائلين)، ما يؤمّن به نفسه، سوى أن تشتبك الدولة في إدارة الاقتصاد، وتضع خطة، تستطيع عبرها توفير الوظائف، وتحويل السكان من عبء إلى مورد بشري يمكن استثماره في التنمية، ولن يتم ذلك -عقلا، وبالمنطق- سوى بتوسيع القطاع العام، ليقود خطة التنمية، مع رقابة والتحكم في النشاط الخاص، وتوجيهه لما فيه المصلحة العامة (لا يمكن في دولة تعاني شح من النقد الأجنبي، مثلا، ترك المجال، لاستيراد سلع استهلاكية أجنبية، ترفع الطلب على الدولار، وبالتالي تخفض قيمة العملة الوطنية)، مع سياسات تراقب مسائل كالعقود، والتأمينات، وضمان الالتزام بقوانين العمل (8 ساعات، أجازات مدفوعة، الإضافيّات.. وإلخ).

أوروبا، التي تخطفك أضواءها، تقوم فيها الدولة بدور واضح في رعاية العاطلين، وإدارة الاقتصاد، وللملكية العامة هناك حضور (في مؤسسات تجارية، وشركات ضخمة)، وهناك تأميمات تجري لمؤسسات كبرى، لخدمة الصالح العام، كما تم مع شركة رينو للسيارات بعد إدانة صاحبها بالتعامل مع المحتل الألماني بالحرب الأوروبية الثانية، صارت (المؤسسة القومية لمعامل رينو)، وتم تعيين مهندس من "الثوار الذين أزاحوا المحتل الألماني" رئيسا لها.
(السعودية، بالمناسبة، قامت بتأميم أرامكو في الثمانينات.. لا أحد يذكر هذا؟، وحتى مع التشكيك في جدية التأميم والمجادلة في حقيقة انسحاب أمريكا من الشركة، تبقى أرامكو سببًا في رفع إيرادات الدول السعودية، وبالتالي -حتى بعد خصم ما تبتلعه حسابات الأمراء، وفساد البيروقراطية- سببا في رخاء البلاد. ولا أحد يذكر أنه لولا جهد الوزير العروبي صاحب النزعة الاشتراكية، عبد الله الطريقي، الذي طالب، في الستينات، بنصيب عادل لبلاده "السعودية" من النفط المستخرج من أرضها، وقال مقالته الشهيرة: نحن أبناء الهنود الحمر الذين باعوا مانهاتن، ونريد تغيير الصفقة، لما كانت السعودية تنعم بما تنعم به اليوم.. يصح هنا التذكير بأن ثمة اتجاه، آخذ في التطبيق، لخصخصة أرامكو وغيرها، تكيفا مع نهج ولي ولي العهد ومشروعه 2030، استرضاءا وتبعة لمؤسسات المال الغربية، والعملية من هندسة وإخرج شركة ماكينزي للاستشارات).

العمال، لمن لا يعرف، يقلبون العواصم الغربية الأوروبية في حال سعت الحكومة للتنقيص من حقوقهم (أقربها مظاهرات 2016، لم تسمع عنها؟).

لكن هناك، ما يجب لفت الأنظار إليه، بخصوص (العالم الغربي، والسائرين ضمنه كاليايان) وهو أن الشركات التي تستبيح اقتصاديات دول العالم الثالث (التوكيلات الغربية الكبرى التي تتخبط في أسمائها أثناء أي جولة بشوارع القاهرة أو خارجها، بل عند الذهاب لأقرب محل بقالة) هي بالنهاية، تنزح الربح من هذه الدول، وتحوّله أين؟، إلى مصارف بلادها الأصلية، هذا يعني فائض اقتصادي دائم في هذه البلدان، وفرص أكبر للتوظيف والاستثمار في هذه البلدان، يعني من الممكن أن تسند هذه (الاحتكاريات الكبرى) حال المواطن في هذه البلاد، مما يسمح أو "يمنطق" الحديث عن انسحاب "نسبي" للدولة هناك (هذا مع تأكيدنا على عدم إنسانية ما تفعله هذه الشركات بحق العالم كله، ومع التأكيد أن هذا سيُبقي على فوارق طبقية هائلة بهذه البلدان، كما أن النزوع نحو العدل الاجتماعي بحكم، أن مالك الثروة، هو بطبيعته، يعبد الربح، لن يتحقق) لكن على كلٍ، يبقى هناك "منطقة" للحديث عن انسحاب الدولة (ورغم هذا هي لا تنسحب، وتمارس دورها في فرض الضرائب، ومجننة التعليم وضمان الرعاية الصحية/ اقتصاد أوروبا حتى أواخر السبعينات كان بقبضة الدولة، يقوده القطاع العام).

الصين -كمثال اقتصادي يتقوى يوميًا، ومن خارج هذه المنظومة، على الأقل سياسيًا- حتى اليوم الشركات الكبرى فيها ضمن الملكية العامة، وهي التي تقود اقتصادها.

نعني مما سبق، أن الدول التي لا يوجد فيها رأسمالية وطنية حقيقية، ولا يمكن -إن وجدت- منافسة الاحتكاريات الغربية، تبقى الحاجة إلى التخطيط الاقتصادي ضرورة مضاعفة، لا غنى عنها، ولا يمكن "منطقة" من أي وجه "تبرير" انسحاب السلطة لضمان الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، وتجنب وجود مناخ سيء يشرعن وجود المتسولين.

(بالمناسبة، لماذا تحوز السلطة الرواتب، ويتم انتخابها، أصلا، ما دامت ستنسحب؟. تخيل!، "الجماعة" الوطنية تنتخب السلطة، وتنفق عليها، ثم في المحصلة، تنسحب من مهمتها تجاهها، وتتكاسل وتتبلّد، ويبقى دورها محصورا في خدمة "أقلية" من أصحاب الثروة (غالبا وافدين من الخارج)، تؤسس لحساب "الأقلية" بنية تحتية، من تعبيد الطرق إلى إنشاء مطارات وموانيء..، تسهل بها استثماراتها "الاستهلاكية، وقليلة المردود العام"، وتخفّض عنها الضرائب، وتسخّر لها الموارد، وتخصص لها الأرض بالمجان، بل، والأخطر، أنها تنال سهام الغضب الشعبي نيابة عنها؟ "مأساة مركبة").

نعود لنقول، السيدة التي لم تنل قسطًا مناسبًا من التعليم، وجلست في الشارع تبيع المناديل الورقية والسكاكر، لا يمكنك لومها. هي تمارس عملًا، لمن لا يبصر: تجلس في الشارع، و"تمتهن كرامتها"، ليوم كامل، و(نيتها الأصلية) تحصيل ما يسد رمقها، في عمل "شبه ثابت" تذهب إليه صباحًا، تبيع أو يعطف عليها الناس؛ المهم، أن البديل بالنسبة لها هي وظيفة (صعب الحصول عليها) تنال منها ما بالكاد يكفيها، بعد استنزافها تمامًا، لكن الأخطر أن هذا الذي لا يكفي غير مضمون أن يستمر.. بينما في الشارع هناك (ثباتًا أكثر)، هنا بالضبط أصل الحكاية. وعليه، لا يمكنك لومها -بأي شكل-، أو الوصاية على مكاسبها (هذا مع افتراض صحة "المكاسب الضخمة")، إلا مع ضمان عمل (لائق، وكريم، وكافي.. وقبل هذا مؤمّن).

الحديث عن الخدمة بالمنازل، بالصورة البدائية الموجودة لدينا، ليس أكثر من عبودية مستترة (لا ضمان فيها لكرامة، أو أمان، أو دخل كريم بناء على عمل -وليس منّة وتفضّل-)، ولا يليق بوطن يطمح في التقدم، للحديث عنها وتقديمها كـ"حل" بـ"صورتها الحالية"، وقذفها كحجر في وجه كل من يتناول ندرة الوظائف. لو اتفقنا أن صاحب الشيء أولى بفعله وخدمة نفسه، تصبح أعمال الخدمة المنزلية، "مشروعة" فقط لمن يحتاجها (لعدم القدرة البدنية، أو الانشغال..)، وليس سبيل للترف والتباهي وإذلال الناس، لكن حتى مع شرعنتها، لا بد أن تأتي في سياق "وظيفي" (براتب محدد وكافي، وتأمين، وساعات عمل، وقوانين، وأدوات عمل حديثة..)، كيف؟، بأن تأتي عبر مؤسسة خدمية كبرى توظّف عمال للمنازل بعد تدريب، وتأهيل (العالم كله يتجه لهذا، سوى في البلاد المحبوس تطورها والمتخلفة عن الركب الحضاري)، وتوفر هذه المؤسسات (ضمن الضوابط السابقة) لمن يحتاج ويملك الحق في الاحتياج، "موظفين" لأداء خدمة بعينها (تنظيف، أو إعداد طعام، أو رعاية مريض)، عند وجود هذا النوع من المؤسسات وشيوعها ووفرة وظائفها المعروضة! (يمكنك أن تجادل السيدة التي تجلس في الشارع).

عندما تسمع بأن 50 مليون بالولايات المتحدة فقراء أو بلا رعاية أو تأمين صحي ويموتون على أبواب المستشفيات، وأن مشردين جدد ينضمون فيها بالشارع كل عام (لعدم وجود وظيفة)، فيجب أن تسمع هذا كـ"نقيصة" و"جريمة" في نظامها الاقتصادي، لا معيارًا للقياس عليه، و"سُبّة" في جبينها عليك أن تتجنب أن تلتصق بك مثلها.

هذا مع الأخذ في الاعتبار، أن فقط ما ينجيك -هذه اللحظة- من صورة قاتمة كاملة السواد، هو بقايا نظام الرعايا الاجتماعية الموروث من (الطفرة الاشتراكية) بحسب ما سمّاها جمال حمدان، والتي مرّت على مصر بالخمسينات والستينات، لكنها لم تكتمل، سواء لضيق المساحة الزمنية للتطبيق، والمؤامرات التي تعرضت لها، أو الظروف العامة المكبّلة -دخليا، وخارجيًا، ومنهجيًا حتى-، ثم تعرضت لردّة قاسية على المشروع ككل بداية من السبعنيات، أخذت مراحل، ثم وصلت إلى أفدحها (ومن يدري ما القادم؟) اليوم، وعندما تصل إلى أفدحها، فلا يمكنك أن تظل حبيس دائرة مقارنة السيء عندك بالسيء في "الولايات المتحدة"، لأنها حتمًا (أمر مفروغ منه) ستنتصر عليك إجمالًا، بسبب قوتها وقدرتها على نهب الغير، وصب الخير لديها، وتقدمها على مقياس الحداثة والعصرنة (أنت خارج دائرة العصر تقريبا!)، بما يسمح بمعيشة أفضل (إجمالية)، ولا بد.

هذا يعني أن مواصلة السير في طريق تعرض فيه نواقص دولة تستعظمها كـ"الولايات المتحدة" كمحاولة لستر فشلك، سيضاعف الفشل، بل سيضعك، بالتدريج، خارج دائرة المنطق والعقل نفسه. أنت، ببساطة، لست ندًا (إجماليًا) لها، ولا تملك المؤهلات المادية، اليوم، لذلك، لست (توسعيًا، ناهبًا، حديثًا، معصرنا، علميًا، رأسماليًا، وتملك احتكاريات تغزو وتنهب العالم مثلها، وتصب الخير لديك) مثلها، وبالتالي لن تصير النسبة هي 50 مليون من أصل 319 مليون في فقر أو بلا رعاية، سيصير الـ 90 مليون (كلهم)، إلا 1 أو 2 %، في فقر وبلا رعاية.. وعليه فالحل، هو أن تعكس "آية" أمريكا، كلها، حتى تستطيع أن تنجو من هذا المصير، تعكس "آية" مسلكها الاقتصادي بالتحرر من براثنها، بالشكل الذي يضمن، أولا، أن تكون من الناجين من نهبها ومن التبعية لها والمضغ بأضراسها، ثم تطور اقتصاد مقاوم وجمعي وتشاركي، ثم تخطو نحو تحديث وعصرنة، ضمن هذه السردية يمكنك أن تزايد عليها، أو تتهكم على نسبة الفقر فيها (كما تفعل وفعلت، أي دولة مقاومة من أمريكا الجنوبية وحتى آسيا)، أمّا أن تكون في طور "التبعية" وتستر فشلك، بنقيصة لدى "متبوعك" فهذا قمة اللا عقلانية، بصراحة.

في الختام
هل هذا المسار (الاقتصادي/الاجتماعي) سيقضي على التسول، وسيصنع بلدًا نظيفا حضاريا تستطيع أن تتجول في شوارعه مرتاحًا ،وترى وجوها من حولك راضية لا يكسوها الهم والغبار (لاحظ أن نضالنا باسم الحياة وتحسينها، وليس باسم الموت وإشاعته)؟، الإجابة: سيقضي على كثير من المظاهر السلبية، لكنه لن يشطبها -بطبيعة الحال-، لبقاء (كسالى، وطامعين)، لكن حينها، سيكون لديك القدرة لإقامة الحُجّة على هؤلاء، وحصارهم، والحد من وجودهم مع الوقت؛ أما استمرارك على هذا النهج فلا يعني سوى تكثيرهم (حتى لو بقيت تصرخ من هذه الظاهرة، وتلاحقها أمنيًا)؛ لكن هنا يجب لفت النظر، إلى أنه قد تسلك السلطة هذا المسلك (التخطيط الاقتصادي)، ومع ذلك تبقى الظاهرة موجودة؟، صحيح، لكن يقينا ستكون أقل، وأسبابها ستتراجع، لكن، هنا يكون الخطأ، في أن "جرعة العلاج" لم تكن كافية، وليس في أن "العلاج" ذاته خطأ، يعني مزيد من حقن المريض بالدواء، ومزيد من تحمّل المسؤولية، ومزيد من حسن الإدارة، والتخطيط، ومزيد من إشراك المجتمع في تحمل مسؤوليته وفي التعاطي مع قضاياه والشراكة في حلها والتطوع في سبيلها، بل والخفض دومًا -حتى محو، إن امكن- النزعة السلطوية والبيرقراطية الحكومية (دور مجتمع مدني وتكافلي حقيقي، وليس ادعائي أو نخبوي أو تمييزي أو اغترابي).. لأن ما يحدث عادة في منطقنا المقلوب، هو أن عدم قدرة تجربة على تحقيق كامل أهدافها، يعني بالضرورة شطب العلاج (ثم ترك المريض، يموت في صمت).