-الرقص على الحبال-: التأرجح بين -الواقعية و-الرمزية-

محمود عبد الرحيم
2017 / 2 / 28

"الرقص على الحبال": التأرجح بين "الواقعية و"الرمزية"

"الرقص على الحبال" رواية جديدة للكاتبة أمل صديق عفيفي صدرت مؤخرا عن "الدار المصرية اللبنانية"، وفيها تخطو خطوة جديدة نحو ترسيخ قدميها في عالم الرواية، وبلورة صوت خاص بها، بعد سلسلة من الأعمال الإبداعية كان آخرها رواية "ديما".
وليس سهلا تصنيف هذه الرواية وتأطيرها في قالب بعينه، لتأرجحها بين "الواقعية" و"الرمزية"، فبالإمكان اعتبارها "واقعية" كون الكاتبة سعت لصنع عالم مواز للواقع المعاش، فيه إشارات لوقائع حدثت بالفعل، ولأحداث نقرأ ونسمع عنها كل يوم في حياتنا العادية، بما في ذلك قصة الجريمة التي أخذت مساحة لا بأس بها في ثنايا العمل، أو أزمة التحقق عند جيل الشباب، وارتفاع تكاليف الحياة والعنوسة وظاهرة أطفال الشوارع ومظاهرة "حقوق الحيوان".. لا الإنسان، والعنف الأسري وزنا المحارم وغيرها.
ويمكن كذلك وصفها ب"الرمزية" نظرا للإحالات العديدة لحقب تاريخية وأحداث ماضوية مختلفة، أو حتى اعتبار كل شخصية من الشخصيات التي أحاطت بالبطلة، ونسجت معها علاقة ما ذات أبعاد دلالية، بل أن البطلة ذاتها وأمها وخالها يمكن إدخالهم للحقل الدلالي، وتأويلهم على نحو خاص، استنادا لما يبرز في خلفية العمل، وما مر بمصر خلال الخمس سنوات الأخيرة من أحداث وتجاذبات وتحولات كبرى سياسيا واجتماعيا وثقافيا، وما عاشته من صراعات شديدة الوطأة، بما في ذلك صراع الأجيال واختلاف الرؤى وأنماط التفكير وتضارب المصالح.
وربما قصدت الكاتبة من وراء استخدام أكثر من أسلوب في البناء الروائي أن تجعل العمل منفتحا على أكثر من قراءة مباشرة وغير مباشرة، وأن تجعله يناسب القارئ البسيط المعتاد على "الحواديت" أو الحكايات البسيطة، وكذلك تغازل ذائقة القارئ المثقف الذي يبحث عما وراء الأحداث والتأويلات البعيدة والرؤى الأعمق.
فثمة من يمكنه النظر إلى الرواية كمجرد حكاية شابة محبطة فشلت في البحث عن زوج يروق لها، أو الالتحاق بعمل يشعرها بالتحقق، وتعيش في كنف أسرة ذات أفكار تقليدية ترى أن الاستقرار هو المبغي، وأن ما يصنع قيمة الفتاة هو الزواج، وأن الوظيفة الثابتة شئ لا يعوض، وأن على المرء أن يهتم بالمظاهر والمجاملات وصورته عند الآخرين، وليس مهما مدى الرضاء الذاتي، أو صورته عند نفسه، وأنه ليس من المقبول المجازفة ف"عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة".
أو تستهويه حكاية الشروع في قتل زوجة لزوجها وكيف تلوذ بالصمت في محبسها، وترفض أن يساعدها أحد في محنتها، فيما تختفي ابنتها، ويتم إيداع أمها في مستشفي للأمراض النفسية، وما يتكشف لاحقا من أن الزوجة بريئة، وأن زوجها قد تحايل عليها واستغلها ماديا، واستغل طفلتها جنسيا، وأن القاتل هو الجدة دفاعا عن ابنتها وحفيدتها من عنف الرجل سئ المعشر والسلوك.
وعلى مستوى آخر، يمكن فتح النص على التأويل أكثر، والنظر إلى بطلة الرواية "شروق" وأمها وخالها كشعب مصر المنقسم على نفسه، والذي يعيش في مكان واحد لكن، لكل جزيرته الخاصة المنعزلة عن الآخر ومصالحه المغايرة، فشروق تمثل الجيل الجديد المتمرد والباحث عن التغيير وكسر التابوهات، فيما أمها هي النقيض تماما ممثلة ما يسمى ب"حزب الكنبة" و"دعاة الاستقرار" حتى لو كان هشا وزائفا، وفي جنباته القمع والاستغلال والفساد، والخال الوزير السابق يمثل النخبة المتمحورة حول ذاتها، والتي لا يعينها شيئا سوى مصالحها الخاصة، ولا تنخرط فقط سوى في أزماتها الشخصية، فيما يمكن أن يمثل سعيد عبد القادر اللواء المتقاعد والمحامي الإسلامي خالد عرفان المتصارعان على قلب "شروق" صراع الجنرالات والإخوان على التحكم والسيطرة على الشعب وفرض الوصاية عليه، بل أنه يمكن الذهاب إلى اعتبار "مريم عبد الشهيد" هي مصر المرتبكة والمنتهكة فيما "روح المحروسة" الطفلة والجدة هي روح مصر التي كانت ذات بهاء، ثم أصابها ما أصابها من عبث العابثين والزهايمر والاغتراب والاختفاء، تلك الروح التي لن تعود كما ذكرت الجدة في إحدى هلوساتها إلا بالعدل، في إشارة إلى صعوبة المهمة وإمكانية التحقق .
ومما يحسب للكاتبة لغة السرد التي عنت بها كثيرا، والتي كانت في معظم الأحيان قصيرة ولاهثة على نحو مدهش، يصنع إيقاعا جيدا، بل أنها كانت تترك لنفسها العنان أحيانا للمجاز لتصيغ لنا جملا أقرب للشعر، مع الاهتمام بتفاصيل وصفية للمشهد، والأماكن كما لو كانت تحمل كاميرا تجسد صورة الأمكنة وتقربها للقارئ، مع الغوص بحساسية خاصة في وصف المشاعر الإنسانية، وإبراز البعد النفسي للشخصيات في حالاتهم المختلفة.
وإن كان يؤخذ عليها في تصوري، المبالغة في الرمزية والإحالات الماضوية العديدة التي عرقلت تدفق الأحداث بعض الشئ، وشوشت على التيمة الرئيسية للعمل، وأطالت من حجم الرواية قليلا، كما أن العنوان ليس جذبا وتقليديا جدا، وغير دال على محتوى العمل.