ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (22)

طلال الربيعي
2017 / 2 / 28

في الحلقة السابقة اشرت الى مفهوم الحرية حسب توماس جفرسون (أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، والكاتب الرئيسي لاعلان الاستقلال (1776), وثالث رئيس للولايات المتحدة), وكذلك اشرت الى شعار "شعب سعيد" لدى شيوعيي العدالة الاحتماعية. وحسب توماس جفرسون ان السعي لتحقيق السعادة هو حق من حقوق الانسان (الامريكي) الذي لا ينفصل عن موضوعة الحياة الجيدة. وافكار جفرسون تخص الحلم الأميركي اكثر من اية فكرة أخرى. إن فحوى "الحلم الامريكي", باختصار, هو الاعتقاد بأن أي شخص، بغض النظر عن مكان ولادته أو انحداره الطبقي، يمكنه تحقيق حلمه الخاص بالنجاح والترقي في المجتمع الامريكي, وذلك من خلال التضحية والمخاطرة والعمل الجاد، وليس من قبيل الصدفة. والسعادة للكثير من الناس هي مغزى الحياة نفسها. فمن الصعب على البعض فهم أن هناك طريقة تفكير تشير إلى أن الانسان لا يرغب في المحاولة على الأقل ان يكون سعيدا على قدر المستطاع.

وقد عالجت وجهة نظر التحليل النفسي في البروليتاريا والحلم الامريكي في مكان آخر (1).

الفكرة السائدة بين عموم الناس هي ان الجميع يريد أن يكون سعيدا. قد لا يحتاج الشخص للتضحية بكل شيء من أجل المتعة، ولكنه بالتأكيد يريد أن يُمتع نفسه,على الاقل حسب نظرية التحليل النفسي لدى فرويد ومبدء المتعة عنده. وهناك عدد كبير من الأدوية في السوق من أجل معالجة مشاكل الاكتئاب. وقد كتب بروفسور David Herzberg من State University of New York at Buffalo كتابا عن العقاقير المضادة للكآبة والفاليوم (2) كحبوب للسعادة happy pills. وهنالك ايضا العديد من الطرق المقترحة والمتزايدة لتحقيق السعادة, بحيث انها اصبحت بمثابة ما يمكن تسميته "صناعة (تسويق) السعادة!", التي تدر ارباحا طائلة وهائلة لصنّاع الرآي العام و (ما يسمى) خبراء العلاقات البشرية. وفي المجتمع الاستهلاكي, يصبح الحصول على السعادة صنوا للحصول على اية بضاعة اخرى التي يمكن اقتنائها. وبشيوع هكذا مفهوم, لا غرابة في ان يتقاتل الناس, ضمن شريعة هي صنو لشريعة الغاب, من اجل جمع ما يمكن جمعه من الثروات لاقتناء "بضاعة" السعادة, مهما غلى ثمنها. ولم لا؟ اليست هي, حسب جفرسون وصٌنّاع الحلم الامريكي, وخصوصا في صيغته التي تمثلها سينما هوليوود او قرينتها سينما بوليوود, حقا من حقوق الانسان؟ فالانسان الامريكي, تقول الرواية, هو مثل اعلى للانسان في كل مكان! وما يحق للانسان الامريكي ينبغي ايضا ان يحق لكل انسان في كل مكان. انه المنطق المتحكم في كل من السيد والعبد ضمن ثنائية هيغل السيد- العبد. والسيد بطبيعة الحال هو امريكا والعبد او العبيد هي الدول او الشعوب التي تحذوا حذو امريكا, طوعا او كرها, في سعيها الى تحقيق الحلم الامريكي. بالطبع ان الرمال متحركة والحدود ليست واضحة دوما في ثنائية السيد-العبد, وهي متداخلة. ولكن في خضم تقاتل هؤلاء من اجل جمع الثروات لاقتناء السعادة, يضيع عندهم معنى السعادة, وذلك لانهم يطاردون ثروة لا يمكن احصاءها. فليس للاعداد من نهاية. وبذلك تصبح السعادة هدفا تحقيقه مستحيل او شبه مستحيل, فالثروات, مهما كبر حجمها, يمكن مضاعفتها دوما الى ما لا نهاية. وتصبح بذلك مطاردة الثروة المادية امرا مماثلا لملاحقة السعادة, اي انهما يصبحان تعبيرا عن عصاب نفسي قد يؤدي الى نقيض السعادة, وهذا ما تعتقده ايضا عالمة النفس والكاتبة Maria Konnikova.

تعتقد Konnikova ان ملاحقة السعادة قد لا تؤدي إلى زيادة فعلية في السعادة. في الواقع، يمكن أن تفعل العكس وتجعل الشخص اقل سعادة في نهاية المطاف (3). إذا كانت الفعاليات الخاصة بتحقيق "السعادة" المنشودة لا تحقق فعلا السعادة، فسوف يكون من المحتمل ان يشعر الشخص بخيبة أمل-وبالتالي، أقل سعادة. وهذا ينطبق بشكل خاص على الحالات التي يشعر فيها الشخص ان عليه ان يكون سعيدا. فملاحقة السعادة قد تكون مقترنة بما يسمى في طب النفس "طغيان ال ينبغي" The Tyranny of the Should. واول من كتب عن هذا الطغيان هو الطبيبة والمحللة النفسية كارين هورني (Karen Horney 1885- 1952). وهذا الطغيان هو عبارة عن قائمة من القواعد الصارمة حول ما الذي ينبغي على الشخص وغيره من الناس فعله (4). هذه القواعد لا تقبل الجدل. ويٌعتبر أي انحراف عن هذه القواعد بمثابة امر سيئ من قبل "الأنا العليا" او ضمير الشخص. وبموجب مبدأ الطغيان هذا, يشعر الشخص أنه يجب عليه فعل الشيئ بسبب انه يجب عليه القيام به من باب القيام بالواجب او لان هذا ما درجت عليه العادة. لكنه لا يكلف نفسه عناء التساؤل بخصوص جدوى "هذا ما درجت عليه العادة!" ان هؤلاء الاشخاص, وهم ليسوا بالاقليات في مجتمعاتنا بل هم الاكثرية الطاغية, هم عبيد للعادة ولطغيانها وللوضع القائم من اعراف وتقاليد بالرغم من سلبياته وطابعه المحافظ والقمعي, وهم من اشد اعداء التغيير والثورة.

بعض انواع "طغيان ال ينبغي" الأكثر شيوعا هي: ينبغي أن أكون قادرا على إيجاد حل سريع لكل مشكلة. يجب أن أتحلى دائما بأقصى قدر من الكفاءة. أنا لا ينبغي أبدا أن اكون متعبا أو مريضا. وينبغي أن اكون مكتفيا كليا ومعتمدا على نفسي فقط. لا ينبغي أبدا أن اخطئ. أنا يجب أن اكون دائما سعيدا ورائق المزاج حتى اثناء حدوث مصاعب. ويجب أن اعرف واتفهم واتوقع كل شيء. وبالطبع حتى الآلهة (قد) لا تستطيع تحقيق متطلبات هذا الطغيان!

قام عالم النفس الشهير ألبرت إليس (Albert Ellis, 1913-2007) بتطوير اكبر لفهمنا للطابع النفسي المدمر لهذا الطغيان (5). وفقا لإليس الذي صاغ مصطلح "shoulding", وتعني نمط التفكير المبنثق عن "هذا ما ينبغي علي وعلى الآخرين فعله او هذا ما تقتضيه الضرورات!". وفقا لايليس، الضرورات الرئيسية الثلاث هي: "لا بد لي من ان اجيد القيام بالعمل والا أني لست انسانا جيدا"، "يجب أن تعاملني جيدا وبخلافه لا قيمة لك وتستحق ألحرق في الجحيم"، و"يجب على العالم ان يعطيني بالضبط ما أريده (كالسعادة مثلا!)، وبخلافه فهو عالَم فظيع ومرعب". والعالم الفضيع والمرعب يستطيع ان يولد غضبا وشعورا بالاحباط عارمين, قد يصب كلاهما في مصلحة التطرف الديني او الآيديولوجي, كما في حالة داعش ومثيلاتها من الفاشيات الدينية او اللادينية. ويمكن اعتبار ما فعله هورني واليس, بشكل غير مباشر, هو تفكيك مبدأ جفرسون في ارتباط السعادة بالحياة الجيدة, اوانه تفكيك لسيكولوجية الفاشيات.

يتبع
-------
المصادر ذات الصلة
1. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=502161
2. Happy pills in America: From Miltown to Prozac
https://www.jci.org/articles/view/39766
3. Pursuing Isn t Being: Why The Pursuit of Happiness Might Undermine Being Happy
http://bigthink.com/artful-choice/pursuing-isnt-being-why-the-pursuit-of-happiness-might-undermine-being-happy
4. The Tyranny of the Should
http://www.corecounselling.ca/uncategorized/the-tyranny-of-the-should/
5. Cognitive Behavioral Therapy
http://www.simplypsychology.org/cognitive-therapy.html