الأقوياء في مصر المعاصرة

طارق المهدوي
2017 / 2 / 27

الأقوياء في مصر المعاصرة
طارق المهدوي
(1)
بعد مرورها بعصور زمنية طويلة من المشاعية ثم العبودية ثم الإقطاع دخلت البشرية منذ القرن السادس عشر عصر الرأسمالية الذي مازال مستمراً بمختلف امتداداته ومستوياته وأشكاله حتى اليوم، وإذا كان النظام الرأسمالي لا يمكن قيامه أو استمراره بدون المشاركة الاقتصادية التفاعلية لعنصري رأس المال والعمل الأجير معاً، بما يعنيه رأس المال من استثمارات وتمويلات نقدية وأملاك عينية ومواد خام وأراضي ومنشآت وأدوات وآلات مخصصة لمختلف مراحل الاستخراج والإنتاج والتعبئة والتخزين والنقل والتوزيع الداخلي والخارجي، وما يعنيه العمل الأجير من مجهودات عضلية وذهنية مصحوبة بالمعارف والخبرات والمهارات العلمية والعملية المتخصصة والفنون التطبيقية المكتسبة بالوراثة أو التجربة أو التعليم والمبذولة لصالح المراحل السابق ذكرها مقابل أجر نقدي محدد سلفاً، فإن سعي كل واحد من عنصري رأس المال والعمل الأجير إلى تحقيق أكبر عوائد ممكنة لنفسه بأقل أعباء ممكنة عليها قد خلق تعارضاً اقتصادياً مباشراً بين مصالحهما وبالتالي تناقضاً اجتماعياً بين الفئتين اللتين تشكلان هذين العنصرين وهما الأقلية الرأسمالية والأغلبية العاملة الأجيرة، ونظراً لأن الرأسماليين يسيطرون بقوة الأمر الواقع التاريخي على الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية فقد نجحوا في حسم التناقض الاجتماعي المحلي لصالحهم، فأصبحوا يحققون أرباحاً طائلة على حساب العوائد المستحقة لشركائهم الأجراء من العمال والفلاحين والموظفين، سواء عبر منحهم أجوراً تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية لمجهوداتهم المبذولة في مختلف مراحل العمل أو عبر إجبارهم على شراء احتياجاتهم من المنتجات النهائية لعملهم بأسعار تزيد كثيراً عن قيمة تكلفتها الحقيقية، ونظراً لأن الرأسماليين المسيطرين على الدول والمجتمعات والأسواق ذات الاقتصاديات الأسبق والأكثر والأسرع نمواً يسيطرون بقوة الأمر الواقع الجغرافي على العلاقات التجارية الخارجية فقد نجحوا في حسم التناقض الاجتماعي العالمي لصالحهم، لاسيما بعد انتهاء صراعاتهم التنافسية البينية باستقرار الترتيب النسبي لمراكزهم العالمية عند انتصاف القرن العشرين حيث تحالفوا معاً فأصبحوا يحققون أرباحاً طائلة على حساب العوائد المستحقة لشركائهم في المعاملات التجارية الخارجية، وهم نظرائهم الرأسماليين المحليين المسيطرين على الدول والمجتمعات والأسواق ذات الاقتصاديات المتخلفة أو المشوهة أو المستنزفة أو الأقل والأبطأ نمواً بامتداد العالم، عبر الأساليب الاستعمارية والإمبريالية والتآمرية والاحتكارية المتعددة المؤدية إلى تعطيل أي تنمية مستقلة لتلك الاقتصاديات بهدف تكريس تخلفها وتشوهها واستنزافها مع محاصرتها داخل خانة الأقل والأبطأ نمواً، لضمان استمرار هامشيتها وبالتالي تبعيتها المتمثلة في خضوع كل أنشطتها الاقتصادية بما تستلزمه من قرارات وخطوات وإجراءات سياسية للإملاءات الخارجية، وهكذا انقسم الاقتصاد العالمي المعاصر إلى أقلية رأسمالية مركزية شديدة الثراء مع توابعها من الأقليات الرأسمالية المحلية ذات الثراء الأقل نسبياً، مقابل أغلبيات جماهيرية كاسحة وفقيرة تشمل العمال والفلاحين والموظفين الأجراء رغم الاختلاف النسبي في درجات فقر هؤلاء الأجراء من دولة لأخرى على مستوى العالم حيث يتفاقم فقرهم كلما ابتعدوا جغرافياً عن المركز، وإزاء استمرار الاقتصاد الرأسمالي بنفس جوهره الاستغلالي الظالم محلياً وعالمياً طوال القرون الأربعة المنصرمة فقد ازداد ثراء الأقليات الرأسمالية مقابل ازدياد فقر الأغلبيات الأجيرة فارتفع مستوى التناقض الاجتماعي وتفاقمت حدته، إلى الحد الذي أجبر الأجراء على تكرار احتجاجاتهم وانتفاضاتهم وثوراتهم الرامية إلى التغيير الجذري لمجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الظالمة محلياً وعالمياً، بهدف إعادة توزيع الثروة والسلطة والنفوذ والأعباء في الدول والمجتمعات والأسواق والعلاقات التجارية الخارجية على نحو أكثر عدلاً وتوازناً، لذلك قاتل الرأسماليون بشراسة حتى يمنعوا التناقض الاجتماعي القائم من الوصول إلى التغيير المستهدف حفاظاً على مصالحهم المكتسبة عبر استخدامهم لخليط من الأساليب الاحتيالية الالتفافية والقمعية العنيفة، حيث شمل احتيالهم الالتفافي فيما شمله تسكين التناقض الاجتماعي بمحاولة التوفيق المخادع بين الفئتين الرأسمالية والأجيرة أو تفتيت التناقض بينهما بمحاولة احتواء المنحرفين من قادة الأجراء مع التشويه الدعائي لزملائهم رافضي الاحتواء، كما شمل تغييب التناقض الاجتماعي بمحاولة تزييف وعي الأجراء وغسل أدمغتهم تحت البث المكثف لأفكار وثقافات تتراوح بين الغيبية الداعية إلى الخضوع للأمر الواقع أو انتظار ضربات الحظ وبين الانتهازية الداعية إلى الحلول الفردية أو الإجرامية، وشمل أيضاً استبدال التناقض الاجتماعي الحقيقي بتناقضات زائفة بديلة عبر محاولة افتعال وتصعيد بعض الاختلافات الهامشية القائمة على اعتبارات قومية أو عرقية أو دينية أو طائفية أو ما شابه، وإذا كانت الفئات الرأسمالية المركزية قد لجأت في أوطانها إلى الأساليب القمعية العنيفة كخط دفاع أخير ضد احتجاجات وانتفاضات وثورات فقراء تلك الأوطان، عند فشل الأساليب الاحتيالية الالتفافية باعتبارها خط الدفاع الأول لمنع أو على الأقل عرقلة وصول التناقض الاجتماعي القائم إلى التغيير المستهدف، فإن توابعها من الفئات الرأسمالية المحلية لم تستخدم سوى القمع العنيف المباشر كخط دفاع وحيد لها في مواجهة سعي الفقراء نحو تغيير الأوضاع، ليس فقط لنقص خبراتها السياسية والإدارية وضعف أدواتها الدعائية والثقافية والفكرية ولكن أيضاً لتضخم أدواتها الاستبدادية الناجم عن تراكمات تاريخية جعلت الدول بأجهزتها السيادية في هذه الأوطان ذات هيمنة شمولية مطلقة على المجتمعات والأسواق والعلاقات التجارية الخارجية!!.
(2)
بينما كانت الدول في الأنظمة الرأسمالية المركزية هي مجرد أدوات بأيدي الرأسماليين لضمان استمرار سيطرتهم على المجتمعات والأسواق والعلاقات التجارية الخارجية، فإن الدولة المصرية كانت هي صاحبة السيطرة الاحتكارية الحصرية على المجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية بنفسها ولصالح نفسها، منذ نشأتها قبل سبعة آلاف عام ثم توحيدها على يد "نارمر" الشهير بالملك "مينا" موحد القطرين عام 3500 قبل الميلاد، لتستمر سيطرة الدولة حتى أثناء وقوع الوطن المصري تحت احتلال الهكسوس بين عامي 2000 و1580 قبل الميلاد ثم وقوعه بعد ذلك تحت سلسلة متتالية من موجات الاحتلال الأجنبي متعدد الجنسيات التي كان يسلم بعضها مصر إلى بعض طوال ثلاثة آلاف عام، بدأت بدخول الاحتلال الأفريقي عام 950 قبل الميلاد وانتهت بخروج الاحتلال البريطاني عام 1956 ميلادياً مروراً بالمحتلين الأحباش ثم الفرس ثم الإغريق ثم الرومان ثم جاء العرب عام 641 بعائلاتهم الحاكمة المتعاقبة التي كانت آخرها هي العائلة الفاطمية، حيث حاول الفاطميون بمجرد توليهم حكم مصر عام 969 تحرير المجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية نسبياً من قبضة الدولة الاحتكارية المسيطرة، مما اعتبره الطامعون الأجانب ضعفاً فزحفت جيوش المغول والصليبيين لغزو مصر واحتلالها، الأمر الذي تصدى له الفاطميون بواسطة جيشهم المكون من عسكريين محترفين مسلمين ليسوا بمصريين أو عرب يقودهم الأيوبيون الأكراد ومماليك آسيا الوسطى، إلا أن الأيوبيين والمماليك عقب نجاحهم في التصدي للغزاة المغول والصليبيين تحالفوا فيما بينهم لتنفيذ انقلاب عسكري أطاح بحكم العائلة الفاطمية، فعادت الدولة المصرية مجدداً إلى سابق سيطرتها الاحتكارية على المجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية منذ عام 1171 مع خضوعها للاحتلال الكردي ثم المملوكي ثم العثماني وأخيراً البريطاني، حتى بعد تولي تنظيم "الضباط الأحرار" الذي كان امتداداً معدلاً لجمعية "الحرس الحديدي" النازية حكم مصر بانقلابهم على آخر أحفاد الحكم العثماني عام 1952 ثم بطردهم لقوات الاحتلال البريطاني عام 1956، فقد استمرت سيطرة الدولة الاحتكارية ومازالت مستمرة تحت حكم الامتدادات المتتالية للضباط الأحرار إلى يومنا هذا، أما الرأسمالية المصرية المحلية المولودة رسمياً عام 1871 مع إصدار الخديوي "إسماعيل" قانون المقابلة الذي حاول كسر احتكار الدولة لملكية كافة مكونات المجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية، بمنحه المواطنين المصريين حقوق تملك الأراضي والأطيان والعقارات والورش الحرفية والوكالات التجارية وبيعها بمقابل مالي مع حق شراء قوة العمل العضلي والذهني من الغير في مقابل أجر محدد سلفاً، فإنها لم تستطع حتى اليوم إقامة نظام اقتصادي رأسمالي بمعناه العلمي ليس فقط بسبب استمرار السيطرة الاحتكارية للدولة المصرية ولكن أيضاً لأسباب وظيفية وبنائية أخرى عديدة تتعلق بالأوضاع الموروثة في مصر أو المفروضة عليها، أهمها نشأة الرأسمالية المحلية داخل مجتمع مازال خاضعاً بشكل كلي لهيمنة قواعد اقتصاديات الإقطاع مع استمرار بعض ملامح اقتصاديات العبودية بل وأيضاً بعض بقايا اقتصاديات المشاعية البدائية القائمة على الجمع والالتقاط، إلى جانب نشأة الرأسمالية المحلية عقب ثلاثة عقود زمنية من ظهور وكلاء الرأسمالية العالمية بشكل رسمي في مصر عندما خضع الوالي "محمَّد علي" عام 1840 لبنود معاهدة لندن التي أجبرته فيها الرأسمالية المركزية العالمية على منح وكلائها الأجانب في مصر عدة حقوق اقتصادية، منها تملك الأراضي والأطيان والعقارات والورش الحرفية وبيعها بمقابل مالي وإنشاء الوكالات والاتحادات الصناعية والتجارية والمصرفية وشراء قوة العمل العضلي والذهني من المصريين وغيرهم مقابل أجر محدد سلفاً، بما وفرته تلك الأسبقية التاريخية لوكلاء الرأسمالية العالمية من أفضليات تنافسية ميدانية على حساب الرأسماليين المحليين الجدد، الذين استمروا يعانون الحصار حتى عقب مجيء "الضباط الأحرار" عام 1952 وحرصهم على تقليص النفوذ الاقتصادي لكل من الإقطاعيين والوكلاء بهدف إعادة فرض سيطرة الدولة الاحتكارية في ظل نظام اقتصادي رأسمالي جديد تقوده البيروقراطية، ليمارس البيروقراطيون سواء كانوا عسكريين أو مدنيين طوال عمر ذلك النظام البالغ ربع قرن زمني كافة أنواع الأنشطة الفاسدة من عمولات ورشاوى ومضاربات وتهريب وتجارة ممنوعات وإتجار في السوق السوداء وتهرب ضريبي وخلافه، مما أسفر عن تراكم أرباح طائلة لديهم دفعتهم عام 1975 نحو إقامة نظام اقتصادي رأسمالي جديد قائم على الانفتاح الاستهلاكي يقودونه بأنفسهم بعد استثمارهم لتراكماتهم المالية الفاسدة حتى يصبحوا هم الوكلاء الجدد للرأسمالية المركزية العالمية، وأما الأجراء المصريين المولودين رسمياً عام 1840 بحصولهم على حق بيع قوة عملهم العضلي والذهني للغير في مقابل أجر محدد سلفاً حسب معاهدة لندن ثم عام 1871 بحصولهم على حق التنقل الجغرافي الحر بحثاً عن العمل المأجور حسب قانون المقابلة، فإنهم لم يستطيعوا حتى اليوم بلورة طبقة أو فئة محددة الملامح الاجتماعية بمعناها العلمي ليس فقط بسبب السيطرة الاحتكارية للدولة المصرية ولكن أيضاً لأسباب وظيفية وبنائية أخرى عديدة ذات صلة بالأوضاع الموروثة في مصر أو المفروضة عليها، أهمها استمرار سعيهم للتربح الإضافي من بعض الأنشطة التي تتداخل فيها بقايا اقتصاديات الإقطاع والعبودية والمشاعية مع ملامح اقتصاديات الرأسمالية، إلى جانب غياب وعيهم بذاتهم ككيان واحد له مصالح مشتركة تجمعهم معاً وتميزهم عن غيرهم تحت تأثير الأنواع التحريفية الضارة من الأفكار والثقافات والدعايات، التي تتراوح بين الغيبية الداعية إلى الخضوع للأمر الواقع أو انتظار ضربات الحظ وبين الانتهازية الداعية إلى الحلول الفردية أو الإجرامية، وإزاء تشوه التكوين الاجتماعي الأصلي للأجراء المصريين فقد اتسمت احتجاجاتهم وانتفاضاتهم وثوراتهم ضد الفقر والتفاوت الاجتماعي بعدة تشوهات على رأسها إفراطهم في العنف العشوائي، لترد عليهم الدولة المصرية باعتبارها قائدة التحالف الاقتصادي والاجتماعي الحاكم والمحتكرة حصرياً لحق التعبير عن فئاته الرأسمالية المشوهة بإفراطها في العنف القمعي المنظم!!.
(3)
أقام تنظيم "الضباط الأحرار" منذ توليه حكم مصر عام 1952 جمهورية خوف مكبلة بالقمع الأمني والشمولية السياسية والتعتيم الإعلامي، مع إخضاع كل مكونات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية لأجهزة سيادية إقصائية حريصة على إزالة الأفكار المعارضة وتصفية الآراء المخالفة وإسكات الأصوات المستقلة، وفي ظل تلك الأجواء احتكر البيروقراطيون جميع سلطات صناعة واتخاذ وتنفيذ ومتابعة ومراقبة وتقييم كافة القرارات الاقتصادية والمالية فاستغلوا احتكارهم من أجل توسيع نطاق ممارساتهم الفاسدة، المتمثلة في العمولات والرشاوى والمضاربات والتهريب وتجارة الممنوعات والسوق السوداء والتهرب الضريبي وخلافه في مختلف الأنشطة الزراعية والصناعية والاستخراجية والغذائية والتجارية والمصرفية والسياحية والخدمية، كالعقارات على سبيل المثال التوضيحي حيث يبدأون بوضع أياديهم فوق قطع الأراضي المميزة في مختلف ربوع الوطن دون أي سند غير تبعيتهم للأجهزة السيادية، ثم يقومون بتقسيم وتخصيص الأراضي المنهوبة تحت أسماء وكلائهم لحين "توضيب" أوضاعها ومدها بالمرافق الفاخرة المخصصة للأثرياء في مقابل المدفوعات المالية المقررة لمرافق الفقراء المدعومة، ثم تأتي عمليات بيع الأراضي أو البناء عليها بموجب توكيلات ومبايعات عرفية صورية تقابلها أوراق ومستمسكات ضدية بهدف التهرب الضريبي أو غسيل الأموال أو إخفائها خلف بعض سواتر الفساد، المتمثلة في اتحادات وجمعيات مقاولي الاستثمار والتسويق والتمويل والرهن العقاري ومقاولي التشييد والبناء والإسكان والتعمير ومقاولي تصنيع واستخراج واستيراد وتوزيع المواد والتجهيزات والمستلزمات ذات الصلة بمختلف النواحي العقارية، مع رفع نسبة مئوية تتراوح بين نصف وثلثي صافي أرباح تلك الممارسات الفاسدة أولاً بأول إلى قادة الدولة والأجهزة السيادية المصرية، وإزاء تراكم الأموال الطائلة في الجيوب السرية الأخطبوطية الفاسدة لرموز الدولة والأجهزة السيادية والبيروقراطية طوال ربع قرن زمني كان لابد من اتجاههم نحو استثمارها لصالحهم الشخصي والعائلي بشكل علني وصريح ومباشر، فقاموا عام 1975 بتغيير مسار الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية إلى نظام انفتاح اقتصادي استهلاكي على الرأسمالية المركزية العالمية بعد أن أصبحوا هم وكلائها الجدد في مصر، وحسب تقارير الأمم المتحدة فقد تنوعت الممارسات الفاسدة واتسع نطاقها لتبلغ نسبة ثلثي المعاملات الاقتصادية في ظل النظام الانفتاحي الجديد لتضع مصر في الترتيب العشرين على مستوى العالم من حيث الأنظمة الأكثر فساداً، وسرعان ما ظهر الوجه الاجتماعي الأقبح لذلك الفساد الاقتصادي القبيح بارتفاع أعداد العاطلين عن العمل وتضخم أسعار السلع والخدمات الأساسية بالمقارنة مع التقلص النسبي للأجور وانعدام الدعم النقدي والعيني لاحتياجات الفقراء، حتى تفاقمت حدة التفاوت الاجتماعي إلى درجة أصبح معها حوالي نصف المصريين تحت خط الفقر مقابل عشرهم فقط يستحوذون وحدهم على نصف الاستهلاك المحلي، ولكن نظراً لنجاح الحملات الدعائية والثقافية والفكرية التي شنتها المؤسسات التابعة للدولة والرأسمالية المحلية في تغييب وعي الفقراء بنشر الغيبيات والخرافات والأنانية، ونظراً لانتهازية الأحزاب السياسية المعارضة وضعف جماعات الضغط المجتمعية فقد انحرفت ردود فعل الأجراء الفقراء تجاه ما يعانونه من تفاوت اجتماعي صارخ، لتتراوح بين الاعتكاف انتظاراً للفرج السماوي والعزوف السلبي عن المشاركة في الأنشطة والاستحقاقات العامة والهجرة الدائمة أو المؤقتة إلى الخارج وبين الحلول الفردية التي بلغت حد بيع بعض الفقراء لأجزاء وأعضاء من أجسادهم إلى المشترين الأثرياء، مع اتساع نطاق الجرائم الجنائية حيث تجاوز عدد المصريين المسجلين حالياً ضمن فئة "الخطرين" نصف المليون مجرم، يرتكبون سنوياً أكثر من خمسين ألف جناية وجُنْحة لا تتم معاقبة سوى أقل من ربع مرتكبيها فقط حسب تقارير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ويزداد تفاقم الحالة الجنائية المصرية مؤخراً بظهور عدة تشكيلات من الشبكات العنكبوتية للجريمة المنظمة والتي تمتد أطراف خيوطها الرأسية والأفقية نحو رموز العصابات المتخصصة في مختلف المجالات الإجرامية من جهة، ونحو رموز الأجهزة السيادية المختصة بمكافحة تلك المجالات الإجرامية من الجهة المقابلة بمعرفة قادة الدولة الذين يتدخلون عند الضرورة للتوفيق أو التنسيق أو الحماية أو التمويه، ورغم غلبة ردود الفعل المنحرفة تجاه التفاوت الاجتماعي على معظم صفحات التاريخ المصري المعاصر فقد حمل شهر يناير عام 1977 رد فعل صحيح وحاسم للأجراء الفقراء في مصر، عندما انتفضوا بالملايين في كافة الربوع المصرية تحت قيادة ثلاثة تنظيمات شيوعية سرية هي 8 يناير والعمال والانتصار ضد الدولة المعبرة عن وكلاء الرأسمالية العالمية باعتبارها صاحبة السياسات التي أدت إلى إفقار الغالبية الكاسحة من الجماهير الشعبية، الأمر الذي أجبر رئيس الجمهورية آنذاك "أنور السادات" على تكليف الجيش بالقمع المسلح العنيف للانتفاضة قبل هروبه متخفياً إلى مدينة أسوان الجنوبية حتى يسهل عليه عبور الحدود والفرار للسودان لو انتصر الفقراء المنتفضون، ولكنهم انهزموا عقب محاصرتهم على أربعة محاور تمثلت في المناورات الحكومية بخفض فوري مخادع للأسعار مع وعد كاذب برفع وشيك للأجور، إلى جانب مسارعة الرأسمالية المركزية العالمية وتوابعها المحليين في الدول المجاورة بتقديم عدة أشكال من الدعم المالي والعيني للحكومة المصرية، بالإضافة إلى الاستخدامات المفرطة لعنف قتالي غير مألوف من قبل الجيش المصري أسفر عن سقوط آلاف الشهداء في صفوف الفقراء المنتفضين، أما المحور الرابع المفاجئ الذي أربك القادة الميدانيين للانتفاضة فقد تمثل في استعانة الأجهزة السيادية بجماعات السلفيين والإخوان المسلمين لتوجيه ميليشياتهم المدربة والمسلحة نحو المكافحة الميدانية للأجراء الفقراء المحتجين على تدهور الأوضاع المعيشية لجميع المصريين بمن فيهم الإسلاميين ذاتهم، والذين استغلوا فرصة احتياج تلك الأجهزة لهم فشرعوا في إملاء طلباتهم المباشرة ذات الصلة بمصالحهم الانتهازية الضيقة، لتنتبه الأجهزة بمجرد إخماد انتفاضة يناير عام 1977 إلى أنها كانت قد أوقعت نفسها فى مأزق بين خطر تكرار انتفاضات الفقراء تحت قيادة خصومها الشيوعيين وخطر استمرار خضوعها لابتزاز حلفائها الإسلاميين، وتمثل المخرج الوحيد في سعيها لإنشاء أداة قمعية جديدة على أن تواصل الأجهزة السيادية مكافحتها ضد الشيوعيين وتهدئتها مع الإسلاميين إلى حين إنشاء الأداة الجديدة التابعة لها، والتي يجب أن تكون غير تقليدية وتتسم بالسرية والجماهيرية والكفاءة القتالية في التصدي العنيف للشيوعيين بصفة دائمة وللإسلاميين أيضاً إذا لزم الأمر!!.
(4)
استوعبت الأجهزة السيادية المصرية جيداً دروس انتفاضة يناير 1977 فوجهت تعميماً سرياً لمفكريها الاستراتيجيين باحتياجها إلى الأداة القمعية الجديدة، التي سوف تتولى مسئولية استخدام الأساليب العنيفة غير التقليدية القادرة على حماية الدولة من خصومها الشيوعيين المدعومين بجماهيرهم العريضة وتخليصها إذا لزم الأمر من مناورات حلفائها الإسلاميين المدعومين بميليشياتهم المدربة والمسلحة، ليزداد احتياج الأجهزة إلى تلك الأداة عقب التمرد المسلح الذي اندلع في فبراير عام 1986 ضد ممارسات الدولة من قبل إحدى أدوات حمايتها التقليدية الافتراضية المتمثلة في جنود الأمن المركزي التابعين للشرطة والجيش معاً، فعكفت بعض الطواقم الاستراتيجية على إعادة دراسة التطبيقات الأمنية لقواعد ومهارات لعبة الشطرنج حيث توصلوا إلى خلو رقعة المواجهة الميدانية الواقعية من الأداة المساوية لحصان الشطرنج، الذي يقفز الحواجز ويخترق الأسوار ويتغلغل داخل مربعات المعسكر المضاد لقتل أدواته برشاقة، على اعتبار أن الجنود المجندين في الشرطة والجيش هم عساكر الشطرنج وصف الضباط هم أفياله أما الضباط فهم طوابيه بينما يتساوى وزير الشطرنج مع قيادة المجلس الأعلى للأجهزة السيادية في حين أن رأس الدولة هو ملك الشطرنج، وعكفت طواقم استراتيجية غيرها على إعادة دراسة كيفية الاستفادة الأمنية من السمات السلوكية للشخصية المصرية في حالات الصدام، حيث توصلوا إلى أن ميل المصريين نحو خلطة تجمع بين سلوكيات "المبالغة والملاوعة والفهلوة والتورية والسخرية" لا يخفي سلوك "الغِل" الثأري ضد كل الذين يرتدون أزياء الدولة لمجرد ارتدائهم للزي الرسمي "الميري"، بينما عكفت طواقم استراتيجية أخرى على إعادة دراسة التاريخ الأمني المصري في العصور الوسطى حيث توقفوا عند استقرار الفاطميين رغم تشيعهم على رأس الدولة والمجتمع في مصر السنية لقرنين من الزمان بين عامي 969 و1171، وتوصلوا إلى أن استقرارهم قد نتج عن تمييزهم الاحترافي بين مجال الأمن الخارجي الذي استخدموا فيه المقاتلين الأكراد والمماليك بعد تمصيرهم ومجال الأمن الداخلي الذي لم يستخدموا فيه سوى "الفتوات" المحليين ذوي الأصول المصرية الخالصة، أولئك الفتوات الذين اتسع نطاق استخدامهم في نفس المجال من قبل الدولتين الكردية ثم المملوكية تباعاً ليتم لاحقاً الاعتراف بهم رسمياً كوحدات دفاع شعبي من قبل الدولتين العثمانية ثم البريطانية تباعاً بتسكينهم على رأس عموديات ومشيخات الحارات والقرى في مختلف الربوع المصرية، كما عكفت بعض الطواقم الاستراتيجية على إعادة دراسة كيفية تلبية الاحتياجات الأمنية الشبيهة في العالم الخارجي حيث استوقفتهم عدة تجارب تاريخية ومعاصرة، مثل تجربة استخدام سجناء دول غرب أوروبا لغزو القارة الأمريكية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر ثم مكافأة أولئك السجناء السابقين على إبادتهم للسكان الأصليين من الهنود الحمر بمنحهم ألقاب ورتب قيادية عسكرية ومدنية سمحت لهم بقيادة دول ومجتمعات القارة الأمريكية الجديدة، إلى جانب تجربة إنشاء الأجهزة السيادية الأمريكية مع حلول القرن العشرين لمنظمة تضم المجرمين الجنائيين من ذوي البشرة البيضاء والأصول الأوروبية تحت اسم "كوكليكس كلان"، بهدف مطاردة الزنوج الأمريكيين لإبادتهم أو طردهم خارج البلاد حتى لا يحصلون على حقوقهم المدنية التي كانوا قد بدأوا يطالبون بها عقب إتمام مهامهم الإجبارية الشاقة كعبيد في بناء الدولة الأمريكية الحديثة، بالإضافة إلى تجربة إنشاء الحركة الصهيونية العالمية لمنظمات تضم المجرمين الجنائيين من اليهود تحت أسماء "أراجون" و"هاجاناه" و"شتيرن" و"شاباك" وغيرها خلال النصف الأول من القرن العشرين لاستخدامها في إنهاك واستنزاف الشعوب والجيوش العربية عموماً والفلسطينيين على وجه الخصوص، ومثل تجربة الحزب الشيوعي الروماني الذي استمر يحكم بلاده حتى نهاية الثمانينيات اعتماداً على أجنحة قتالية ميدانية تابعة له كان قد أنشأها قبل عدة عقود من المجرمين الجنائيين، إلى جانب تجربة مجموعة "روما" لليهود المصريين "غير الصهاينة" حسب وصفهم لأنفسهم والسابق طردهم خارج الحزب الشيوعي المصري عام 1958، والذين حاولوا الالتحاق بالحزب الشيوعي الإيطالي ليطردهم بدوره سريعاً من صفوفه فانتقلوا إلى الحزب الشيوعي الفرنسي ومازالوا مرتبطين به تنظيمياً حتى اليوم تحت رعاية أجهزة الأمن الخارجي الفرنسية والأطلسية والإسرائيلية، لاسيما وقد دأبت مجموعة روما على توريد المقاتلين المرتزقة من المجرمين الجنائيين متعددي الجنسيات لمختلف حكومات العالم مقابل ما تدفعه تلك الحكومات المستوردة من أجور إلى المرتزقة وعمولات للمجموعة، بالإضافة إلى تجربة روابط مشجعي فرق كرة القدم العالمية ذات الانتشار الجماهيري الواسع والتي بدأت منذ ثمانينيات القرن العشرين تستخدم العنف المفرط المنظم ضد خصومها، وعلى ضوء المعلومات والتقديرات المرفوعة إليها من طواقمها الاستراتيجية المختلفة في هذا الصدد بدأت الأجهزة السيادية تتخذ الخطوات التنفيذية اللازمة لإنشاء الأداة القمعية الجديدة المطلوبة، بتجنيدها للأشخاص المستهدفين داخل أوساط المجرمين التائبين والسجناء السابقين ومطلقي السراح المشروط من نزلاء السجون الافتراضيين والمسجلين كخطرين على الأمن العام والبلاطجة والفتوات والمنحرفين جنائياً والهاربين من تنفيذ الأحكام القضائية، إلى جانب الجانحين سلوكياً والشواذ جنسياً ومدمني المخدرات والخمور وكارهي المجتمع من المصابين بأمراض عقلية ونفسية عدوانية مؤذية وحثالة المجتمع من الضالين والفاشلين اجتماعياً ودراسياً ومهنياً، بالإضافة إلى أطفال الشوارع والباعة الجائلين ومجهولي الأنساب والجنسيات والأديان وساقطي القيد في السجلات الرسمية، وضمهم كأعضاء سريين بالأداة القمعية الجديدة ليتم تأهيلهم وتدريبهم وتسليحهم وتمويلهم سراً ضمن ميزانيات الأمن والدفاع التي يشرف عليها المجلس العسكري ويمنع سلطات الدولة الأخرى بما فيها رئاسة الجمهورية من مراجعتها أو حتى مجرد الاطلاع على بنودها، وعقب اجتياز تلك الأداة لعدة اختبارات ميدانية متتالية تم الإعلان عن ظهورها في مختلف الربوع المصرية مع حلول القرن الواحد والعشرين تحت اسم "لجان المواطنين الشرفاء"!!.
(5)
اختلفت أنواع الموت داخل جمهورية الخوف الأولى الممتدة في مصر بين عامي 1952 و2011 باختلاف الألوان الأربعة للعلم المصري المعاصر فباستثناء اللون الأبيض الذي يعني الموت الطبيعي، كانت الألوان الثلاثة الأخرى تعنى الموت قتلاً إما بالسموم الصفراء أو بالأسلحة الدموية الحمراء أو عبر الأساليب السوداء كالحرق والخنق والردم والإغراق، ومنذ ظهور "لجان المواطنين الشرفاء" على الساحة المحلية المصرية أصبح القتل بكل أنواعه هو اختصاصها الاحترافي حيث يشتبك بلاطجة تلك اللجان مع الأشخاص المستهدفين وهم يضعون نصب أعينهم ثلاثة أهداف تصاعدية بديلة، تبدأ بالترويع تحت تهديد السلاح لفض التجمعات غير المرغوب فيها مع إصابة الأشخاص المستهدفين ببعض الجروح الغائرة أو السطحية لبث الخوف في نفوسهم من معاودة التجمع مجدداً ولمساعدة الأجهزة السيادية على تمييزهم واصطيادهم لاحقاً، فإذا لم يتفرق المستهدفون يتم تصعيد قواعد الاشتباك إلى الهدف الأعلى المتمثل في قيام البلاطجة باستخدام أسلحتهم لإلحاق إصابات تعجيزية خطيرة تعيق المستهدفين جسدياً وتمنعهم من مواصلة التجمع، وعند أي مقاومة دفاعية يبديها المستهدفون يرفع البلاطجة مستوى هجومهم إلى الهدف النهائي بقتل المستهدفين عبر استخدامهم لكل ما يحوزونه من أسلحة، تشمل فيما تشمله رقاب الزجاجات وشفرات الحلاقة وعبوات المسامير والمونة والمولوتوف وقطع الأحجار الرخامية المدببة والأحماض الكيميائية الحارقة والمواد البترولية القابلة للاشتعال السريع والعصي الخشبية والكرابيج السودانية والسلاسل والجنازير والقضبان والقبضات الحديدية والأسلحة البيضاء والنارية، إلى جانب حقن الفيروسات والميكروبات والجراثيم السابق تجهيزها وتعبئتها داخل المعامل التابعة للأجهزة والتي يغرزها البلاطجة في أجساد المستهدفين أثناء الاشتباك معهم، بالإضافة إلى استخدام البلاطجة لعضلاتهم وأياديهم المدربة في قتل المستهدفين بالضرب المبرح أو الخنق أو الردم أو الإغراق أو الإلقاء من فوق أماكن مرتفعة أو ما شابه، ليحصلوا مقابل مجهوداتهم القذرة على مكافآت مباشرة تتمثل في الامتناع عن تنفيذ الأحكام الجنائية الصادرة ضدهم وفي المبالغ المالية الفورية التي يدفعها رجال الأعمال طوعاً أو كرهاً بقيمة ألف جنيه لكل بلطجي عن الواقعة الواحدة، كما يحصلون على مكافآت أخرى غير مباشرة تتمثل في الوظائف المميزة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية وتراخيص الورش والمحلات والأكشاك التجارية والخدمية وشقق الإسكان الشعبي المخصصة أصلاً للفقراء الذين انهارت منازلهم، مع بعض الأحراز السابق مصادرتها كالسيارات والموتوسيكلات والدراجات و"التكاتك" وبعض الممنوعات السابق ضبطها لدى المجرمين غير المتعاونين كالمخدرات والخمور المهربة والأموال المزيفة والسلع والأجهزة المقلدة أو ذات الأوراق المضروبة، إلا أن المكافأة الأهم بالنسبة للبلاطجة أعضاء لجان المواطنين الشرفاء تتمثل في تبييض مراكزهم القانونية عبر تنقية سجلاتهم الجنائية من سوابقهم الإجرامية و"توضيب" أوراقهم الرسمية على نحو يكفل استمرار أنشطتهم الإجرامية حاضراً ومستقبلاً، بمعرفة الأجهزة السيادية المنوط بها دستورياً وقانونياً مكافحة المجرمين الجنائيين كخصوم دائمين لها فإذا بها تزهو لنجاحها في استخدام خصومها الجنائيين ضد خصومها السياسيين دون تحريك قواتها الأساسية، على مظنة أن حماية ملوك الشطرنج باستخدام أحصنة الشطرنج فقط تندرج ضمن قوائم ألعاب الذكاء رغم أن المتخصصين يدرجونها ضمن قوائم الألعاب الخطرة بينما يدرجها المشجعون المخضرمون ضمن قوائم الألعاب الرديئة التي لا تستحق التشجيع!!.
(6)
فرض بلاطجة لجان المواطنين الشرفاء وجودهم الدموي بكثافة على مجمل مكونات المشهد السياسي المصري منذ حلول القرن الواحد والعشرين رغم اختلاف التقديرات النسبية لماهية وأهمية خلفياتهم ودوافعهم الحقيقية وبالتالي اختلاف الاتجاهات حول الكيفية الأنسب للتعامل مع ممارساتهم العنيفة، التي أفادها ارتباك ردود فعل النشطاء والمراقبين فأخذت تتسع رأسياً وأفقياً سواء على مستوى فض فعاليات الميادين والشوارع المزعجة للأجهزة السيادية كمؤتمرات المعارضة والمظاهرات السياسية والاعتصامات الاحتجاجية والإضرابات المطلبية، أو على مستوى فض التجمعات الانتخابية المزعجة لتلك الأجهزة فيما يتعلق بالمجالس النيابية والمحلية والنقابات المهنية والعمالية والأندية الرياضية والمراكز الشبابية والجمعيات الأهلية واتحادات ملاك العمارات السكنية، ومع حلول شهر يناير عام 2011 الذي قاد مصر نحو أكثر مراحل تاريخها الراهن والمعاصر ارتباكاً بلغ البلاطجة أعلى درجات جاهزيتهم استعداداً لتأدية أعنف أدوارهم الدموية ضد جماهير المصريين، حيث كان رئيس الجمهورية آنذاك "حسني مبارك" قد أغضب قادة المجلس العسكري عام 2007 عندما أجرى تعديلاً دستورياً يعرقل أية ترشيحات محتملة من جانبهم ضد نجله "جمال" في الانتخابات الرئاسية التعددية التالية التي كانت مقررة خلال عام 2011، بعد أن أغضب "مبارك" قادة جماعة الإخوان المسلمين عام 2006 عندما تراجع جزئياً عن تنفيذ وعده السابق بمنحهم نسبة ثلث المقاعد البرلماينة التي يشترطها الدستور لتعطيل ما يرفضونه من قرارات وإجراءات حكومية، رغم التزامهم من جانبهم بتنفيذ وعدهم السابق المقابل بدعمه وتأييده في الانتخابات الرئاسية التعددية السابقة التي أجريت عام 2005، فتحالف الفريقان العسكري والإخواني سراً ضد عائلة "مبارك" وتحت رعاية الإدارة الأمريكية ذات الصلات النفعية بالأطراف الثلاثة، وهكذا بدأ الانقلابيون أنشطتهم وعملياتهم السرية لتعبئة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتهيئة الاجواء المحلية والإقليمية والعالمية للإطاحة الالتفافية الماكرة بعائلة "مبارك"، مع تأجيل التنفيذ إلى حين توافر السواتر الجماهيرية المناسبة التي حملتها أحداث يوم 25 يناير عام 2011 بمجرد اندلاع انتفاضة "ميدان التحرير" البطولية المعبرة عن تنامي الغضب الشعبي الحقيقي تجاه استشراء الاستبداد والفساد والتبعية في مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية، سواء كانت خاضعة لعائلة "مبارك" وأنصاره أو كانت تابعة لخصومه الانقلابيين من قادة المجلس العسكري وجماعة الإخوان أو كانت موالية للإدارة الأمريكية الانتهازية، وفي ظل تلك الأجواء المرتبكة تم توجيه بلاطجة لجان المواطنين الشرفاء نحو تحركات دموية عنيفة محسوبة بدقة شطرنجية كامنة رغم التناقض الواضح في ظاهرها السطحي، فقد نزل البلاطجة بكثافة عددية إلى ميدان التحرير يوم 28 يناير المعروف بجمعة الغضب للدفاع عن جماهير المحتجين المعتصمين في الميدان تشجيعاً لغيرهم من المحايدين والمترددين على المشاركة في انتفاضة الميدان ضد "مبارك"، وبمجرد أن أوضحت تقارير المتابعة الواردة إلى خصوم "مبارك" الانقلابيين ميل بعض قطاعات الرأي العام للتسامح معه بمنحه فرصة الانسحاب المنظم من رئاسة الجمهورية، على نحو يسمح له بموت هادئ ودفن شرعي تحت تراب وطنه الذي خدمه طويلاً حسبما جاء في خطاب عاطفي ألقاه يوم الأول من فبراير، نزل البلاطجة بكثافة عددية إلى ميدان التحرير يوم 2 فبراير المعروف بموقعة الجمل للهجوم على جماهير المحتجين المعتصمين في الميدان من أجل استفزاز المتسامحين المغادرين وإعادتهم إلى المشاركة في انتفاضة الميدان ضد "مبارك"، وعندما حصل "عمر سليمان" نائب رئيس الجمهورية على تكليف "مبارك" للقيام بأعمال رئاسة الجمهورية نزل البلاطجة بكثافة عددية إلى ميدان التحرير وهم يدعون الجماهير لاستمرار الاحتجاجات والبقاء في الميدان، أما عندما حصل "حسين طنطاوي" وزير الدفاع ورئيس المجلس العسكري على تكليف "مبارك" للقيام بأعمال رئاسة الجمهورية نزل البلاطجة بكثافة عددية إلى ميدان التحرير وهم يدعون الجماهير لإنهاء الاحتجاجات ومغادرة الميدان!!.
(7)
بموجب تكليف رئيس الجمهورية المخلوع "حسني مبارك" تولى قادة المجلس العسكري حكم مصر بدعم وتأييد جماعة الإخوان المسلمين اعتباراً من يوم 11 فبراير عام 2011، واستمرت الأجهزة السيادية في مكافحة خصومها الشيوعيين وأنصارهم عن طريق مواصلة استخداماتها الدموية العنيفة لبلاطجة لجان المواطنين الشرفاء، الذين ارتكبوا آنذاك عدة مذابح بشرية مروعة كانت أبرزها مذبحتي شارع "محمَّد محمود" وحي "ماسبيرو" في القاهرة إلى جانب مذبحة الملعب الرياضي لاستاد بورسعيد، مع استمرار البلاطجة في فض وتفريق المظاهرات المتجهة صوب ميدان التحرير والاعتصامات المحيطة بالمنشآت التابعة للأجهزة والتي كانت أبرزها آنذاك مباني وزارات الدفاع والداخلية والمالية والتليفزيون ومجلس الوزراء، ثم تولى الإخوان المسلمون حكم مصر اعتباراً من يوم 30 يونيو عام 2012 نزولاً عند اختيار الناخبين رغم الاعتراض الواضح لشركائهم السابقين من قادة المجلس العسكري، فاستمرت الأجهزة السيادية في استخداماتها الدموية العنيفة لبلاطجة لجان المواطنين الشرفاء ولكن ضد خصومها الجدد من الإسلاميين وعلى رأسهم قادة وكوادر وأعضاء وتوابع جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة لمنعهم من الانفراد بالسلطة، حيث ارتكب البلاطجة آنذاك عدة مذابح بشرية مروعة كانت أبرزها مذبحتي قصر الاتحادية المخصص لإقامة رئيس الجمهورية بحي "مصر الجديدة" ومقر مكتب إرشاد الجماعة بحي "المقطم" في القاهرة إلى جانب مذبحة ضاحية "أبو مسلم" في الجيزة، مع استمرار البلاطجة في فض وتفريق المظاهرات المتجهة صوب ميدان التحرير والاعتصامات المحيطة بالمنشآت التابعة للأجهزة والتي كانت أبرزها آنذاك مباني المحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامي، ثم سقط الإخوان المسلمون يوم 3 يوليو 2013 بواسطة انقلاب نفذه قادة المجلس العسكري المستترين خلف بعض الواجهات المدنية الديكورية، تمهيداً لعودتهم مرة أخرى إلى الانفراد بحكم مصر علناً ودون مواربة عقب إزاحتهم يوم 8 يونيو 2014 لتلك الواجهات المدنية الديكورية، ليتسع نطاق الاستخدامات الدموية العنيفة من قبل الأجهزة السيادية لبلاطجة لجان المواطنين الشرفاء ضد كل معارضي الحكم العسكري الجديد سواء كانوا إسلاميين أو شيوعيين أو ليبراليين أو غيرهم، حيث ارتكب البلاطجة ومازالوا يرتكبون المذابح البشرية المروعة التي وقعت أبرزها بميداني "رابعة" و"رمسيس" في القاهرة وميدان "النهضة" في الجيزة إلى جانب مذبحة الملعب الرياضي لاستاد الدفاع الجوي بضاحية "التجمع الخامس" في القاهرة، مع استمرار البلاطجة في فض وتفريق المظاهرات والاعتصامات المعارضة للحكم العسكري والتي لم تزل حتى اليوم تتواصل في عدد كبير من الميادين والشوارع والحارات الموزعة على مختلف المدن والقرى المصرية دون ظهور أية مؤشرات توحي باحتمال توقفها في المستقبل القريب المنظور، ليأتي رد فعل الميليشيات الإسلامية المدربة والمسلحة بقتل الذين يقعون تحت أياديها من قادة وكوادر وأعضاء وتوابع الحكم العسكري، بالإضافة إلى تكرار حالات الموت ذات الأسباب الغامضة وحوادث القتل ذات الأغطية الواهية ضد عناصر بشرية منتقاة بعناية داخل صفوف الحكم والمعارضة، وهكذا ارتفعت حصيلة الضحايا المصريين منذ يوم 25 يناير عام 2011 حتى اليوم لتزيد على عشرة آلاف قتيل ومفقود وخمسين ألف معتقل تحت التعذيب البدني والتحطيم المعنوي والانتهاك الجنسي ومائة ألف مصاب بإعاقات جسمانية مستديمة، ومئات ألوف موقوفي الأحوال من المضارين في أعمالهم وأرزاقهم ومصالحهم أغلبيتهم الكاسحة مسلمين حقاً وشرفاء فعلاً رغم سقوطهم ضحايا بأيادي ميليشيات تسمي نفسها إسلامية وبلاطجة يسمون أنفسهم مواطنين شرفاء!!.
(8)
تضم كل قصص الحياة الواقعية أشخاصاً حقيقيين من النبلاء والأشرار في مواجهة بعضهم البعض باستثناء قصتي مع عصابات البلطجة المسماة "لجان المواطنين الشرفاء" والتي لا تضم سوى خمسة أشرار فقط مازالوا جميعاً على قيد الحياة، وهم مسئول سياسي ومحامي جنائي وقائد عسكري وطبيب نفسي بالإضافة إلى قاتل محترف وقد ساعدتني معرفتي المبكرة بأشخاصهم ومتابعتي اللاحقة لمساراتهم في رؤية كابوس عصابات البلطجة من كافة زواياه، حيث كانت الأجهزة السيادية قد اعتقلت أبي الأستاذ الجامعي والكاتب الصحفي وأودعته عنبر المساجين الخطرين بمستشفى العباسية للمجانين في أواخر ستينيات القرن العشرين، عقاباً له ليس فقط على استئناف نشاطه الشيوعي رغم سابق قيامه مع رفاقه تحت ضغط الأجهزة بحل الحزب الشيوعي وتجميد أنشطته عام 1965، ولكن أيضاً على مطالبته في مقالاته الممنوعة من النشر بعودة الجيش المصري إلى ثكناته وتنحيه عن حكم الدولة لصالح السياسيين المدنيين المحترفين عقب الهزيمة العسكرية المخزية أمام العدو الصهيوني عام 1967، مما أجبر أمي في أوائل السبعينيات على الهجرة الخارجية الاضطرارية دون أن تتمكن من اصطحابي معها نظراً لظروف عملها كمترجمة فورية في المؤتمرات بما فرضته عليها من التنقل المستمر بين الدول العربية المجاورة، فاستضافتني العائلتان اللتان ينتمي إليهما أبي المعتقل وأمي المهاجرة بالتبادل في منازلهما الموزعة على أحياء وضواحي مدن القاهرة والإسكندرية وبورسعيد وبنها كضيف غريب ثقيل خوفاً من الملاحقات الأمنية، الأمر الذي دفعني بمجرد استخراجي لبطاقة إثبات هويتي الشخصية عند انتصاف السبعينيات إلى مغادرة المنازل العائلية والانتقال للعمل والإقامة والدراسة في شارع الهرم بمدينة الجيزة، إذ أنني لم أجد سوى فرصة عمل واحدة مريحة ومربحة هناك هي قطع تذاكر الدخول إلى حفلات "الماتينيه" اليومية المسائية في ملهى ليلي شهير تملكه فنانة لامعة معتزلة وتديره شقيقاتها، وسرعان ما توثقت صداقتي الشخصية بابن المالكة وأبناء شقيقاتها المقاربين لعمري والذين كانوا يتسللون خلسةً إلى حفلات "الماتينيه" لرقص "الديسكو" وشرب البيرة المجانية بدون علم الأمهات، اللواتي قررن إزاء تفوقي الدراسي نقل إقامتي إلى غرفة الضيوف بمنزلهن العائلي الكبير الملاصق للملهى مع نقل أبنائهن المتعثرين دراسياً إلى نفس مدرستي الثانوية لعلني أساعدهم في إكمال تعليمهم بنجاح، لذلك فقد أسفر اجتياز الأبناء للاختبارات وانتقالهم إلى الصفوف المدرسية التالية عن سماح الأمهات لنا جميعاً بحضور حفل "سواريه" يوم الخميس فقط من كل أسبوع داخل الملهى الليلي، لنستمتع بالفقرات الفنية والمأكولات والمشروبات المجانية في ظل مجاملات الفنانين والموظفين والزبائن الحريصين على منافقة مالكة الملهى وشقيقاتها المديرات، ومن ضمنهم عازف شاب بإحدى الفرق الموسيقية الجماعية يبحث عن فرصة إضافية لعزف منفرد خلف راقصة مرموقة تعمل مع الأجهزة السيادية، وقد نال العازف الشاب مراده فذاع صيته وزاد دخله عقب تنفيذه الحرفي لنصيحتي بأن يجعل الراقصة المرموقة هي التي تطلب من المالكة والمديرات عمله خلفها تحاشياً لإثارة غضب زملائه العازفين الآخرين سواء كانوا أعضاء في فرقته أو فرقتها، ليرد جميلي الاستشاري بعد عشرة أعوام باستضافتي على سبيل الإقامة الكاملة داخل أهم فنادق العاصمة الرومانية بوخارست خلال مشاركتي ضمن وفد شبابي شيوعي مصري في إحدى فعاليات اتحاد الشباب التقدمي العالمي!!.
(9)
اخترقت الراقصة المرموقة بتكليف من الأجهزة السيادية الحياة المملة لسفير رومانيا في القاهرة واستطاعت السيطرة عليه تحت ضغوط وحدته وشيخوخته وإغراءات مهاراتها الأنثوية فأصبح يلبي كافة طلباتها المعبرة عن احتياجات تلك الأجهزة، والتي شملت فيما شملته توفير فرصة عمل داخل أهم فنادق العاصمة الرومانية بوخارست للعازف الموسيقي الشاب بعد أن كانت الراقصة قد ألحقته بقوائم تابعي الأجهزة في الأوساط الفنية، فانتقل عازف الموسيقى للعمل والإقامة والدراسة هناك مستفيداً من سيناريو تجربتي السابقة مع التلميذ المتعثر ابن مالكة ملهى شارع الهرم لينجح في مصادقة الابن المولع بالموسيقى رغماً عن أبيه الرئيس الروماني آنذاك "نيقولاي شاوشيسكو"، وهو ذات الابن الذي كان يتلقى من ميزانيات الدولة والحزب الشيوعي الحاكم أموالاً طائلة غير مثبتة بصفته قائد ميليشيات حماية الدولة والحزب المسماة "لجان المواطنين الشرفاء"، إلا أن الابن الفاسد اختلس لنفسه الكثير من تلك الأموال وأودعها في خزائن بنكية خارج بلاده مسجلة صورياً تحت اسم صديقه عازف الموسيقى المصري منعاً لاكتشاف أمره أمام المعارضة الرومانية، كما أودع أيضاً بتلك الخزائن مخططات تجنيد وتدريب وتسليح وتمويل وتشغيل بلاطجة "المواطنين الشرفاء" مع خططه الشخصية لوراثة أبيه في الدولة والحزب، دون أن يفوت "شاوشيسكو" الابن اتخاذ جميع الإجراءات القانونية الضدية الكفيلة بتكبيل صديقه المصري وغل يده عن أية معاملة منفردة تخص الودائع المسجلة تحت اسمه، وفي ديسمبر عام 1989 أطاحت ثورة شعبية رومانية بحكم الحزب الشيوعي ليتم اعتقال الرئيس "نيقولاي شاوشيسكو" وإعدامه مع كل أعضاء عائلته وعلى رأسهم ابنه المولع بالموسيقى، فغادر العازف المصري رومانيا متجهاً نحو سويسرا حيث توجد الخزائن البنكية المحتوية على الودائع المسجلة باسمه ليعود من هناك إلى القاهرة، حاملاً في حقيبته الأموال الطائلة السابق نهبها من ميزانيات الشعب الروماني والتي استثمرها فوراً بمهارة لاحتكار إحدى أهم الصناعات المعدنية، إلى جانب المخططات الخاصة بعصابات البلاطجة الرومان المسماة "لجان المواطنين الشرفاء" والتي استثمرها لاحقاً بمهارة لرفع مركزه النسبي داخل الأجهزة السيادية المصرية، بالإضافة إلى الخطط الشخصية الخاصة بكيفية توريث الحكم للأبناء المتطلعين والتي استثمرها فيما بعد بمهارة لإدارة مشروع توريث حكم مصر من الرئيس "حسني مبارك" إلى ابنه "جمال"، عقب نجاحه في مصادقته مستفيداً مرة أخرى من سيناريو تجربتي السابقة مع التلميذ المتعثر ابن مالكة ملهى شارع الهرم، وسرعان ما أصبح عازف الموسيقى السابق هو الرجل الأقوى في الدولة والحزب الحاكم والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية، حتى ارتكب الخطأ القاتل في أواخر العقد الأول للقرن الواحد والعشرين بانحيازه لعائلة "مبارك" ضد تحالف قادة المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين أثناء نزاع السلطة بين الفريقين، ومع وقوع التطورات السياسية المتلاحقة ابتداءً بأحداث الانتفاضة الشعبية البطولية يوم 25 يناير 2011 مروراً بتنحي عائلة "مبارك" اضطرارياً عن الحكم لصالح التحالف العسكري الإخواني يوم 11 فبراير 2011، وصولاً إلى استلام جماعة الإخوان المسلمين حكماً منزوع السلطات الفعلية يوم 30 يونيو 2012 وانتهاءً باستحواذ المجلس العسكري على حكم مصر منفرداً عقب إطاحته بالإخوان يوم 3 يوليو 2013، كان من الطبيعي لطموحات عازف الموسيقى السابق صديق عائلة "مبارك" أن تتعثر بدخوله السجن ونزع حقوقه المدنية والتحفظ على أمواله وتكثيف حملات التشويه الإعلامي ضده ولو إلى حين!!.
(10)
تظهر عدة أحقاد شخصية متبادلة داخل أوساط الأقارب لاسيما بين الأقران المتشابهين في أعمارهم وأجناسهم ومراكزهم العائلية لأسباب مختلفة، تتراوح بين الإصابة بالعقم أو إنجاب البنات دون الأولاد أو الوفاة المبكرة لأحد الأبوين أو الفقر أو المرض أو الفشل سواء كان دراسياً أو مهنياً أو اجتماعياً، وبين الانعكاسات والامتدادات السلبية لرواسب الصدمات والخلافات العاطفية أو المنافسات والمنازعات الغرامية أو مشاعر الغيرة التاريخية تجاه الأكثر وسامة وجمالاً، ورغم مولدي في أواخر خمسينيات القرن العشرين داخل المعتقلات السياسية لجمهورية الخوف الأولى التي أقامها "الضباط الأحرار" بمصر منذ عام 1952 وبقائي حتى بلوغي العام الخامس من عمري داخل أسوار تلك المعتقلات مع أبي وأمي المتهمان بقيادة الحزب الشيوعي المصري، ثم نشأتي الأقرب إلى اليتم بسبب معاودة اعتقال أبي مرة أخرى طوال العقدين الثاني والثالث من عمري وهجرة أمي الاضطرارية خارج البلاد دون اصطحابي معها فيما بين انتصاف العقد الثاني وانتصاف العقد الثالث من عمري، وتقاعس الأهل والرفاق عن تأدية واجباتهم المتمثلة في تعويض غياب أبي وأمي خوفاً من الملاحقات الأمنية، ورغم قسوة المعاناة الشديدة التي واجهتني مبكراً واستمرت تستنزفني خلال محاولاتي الدفاع عن حريات وحقوق أبي وأمي المهدرة بواسطة الأجهزة السيادية لجمهورية الخوف ومحاولاتي الدفاع عن حياتي المهددة أيضاً من قبل تلك الأجهزة، فقد طالتني أحقاد أحد أقراني المنتمين لعائلتي منذ اضطراري للإقامة في منزل جديه لأمه اللذان كانا قد سجلاه بدفاتر المواليد الرسمية كابنهما على خلاف حقيقة كونه ابن ابنتهما بعد تكرار فشل الجدين في إنجاب ولد ذكر يمنع عني إرثهما، وبدأت أحقاد "قريبي" ابن الآباء الأربعة بمجرد ظهور قدرتي على اتخاذ القرار الذي أراه صحيحاً وقيامي في الوقت المناسب بتنفيذه اعتماداً على ذاتي وحدها، مما أثار إعجاب صبايا العائلة وفتياتها الصغيرات اللواتي أخذن في مطاردتي للحصول على استشاراتي المجانية حول مشاغلهن التافهة بعد أن أسموني من باب الدعابة "عبقرينو طالع دينه"، دون أن يلتفتن إليه هو في المقابل لكونه مدللاً عاجزاً عن اتخاذ أو تنفيذ أية قرارات إلا بتوجيهات ومساعدة آبائه الأربعة، ثم ازدادت أحقاده عقب اجتيازه لاختبارات شهادة الثانوية العامة بنسبة نجاح خمسين فى المائة مقابل اجتيازي لها في العام ذاته بالدرجات شبه النهائية، التي أدرجتني ضمن قائمة العشرة الأوائل وسمحت لي بتلبية رغبتي في دخول كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة رغم عدم تفرغي للدراسة مثله وعدم وجود من يرعاني أثناء دراستي مثله، وتحولت أحقاده تجاهي إلى سموم عندما رفضته الكليات العسكرية بسبب صلة قرابته معي أنا وأبي وأمي المصنفين كخصوم للأجهزة السيادية على خلفية أفكارنا وآرائنا وأنشطتنا الشيوعية، فاستجاب "قريبي" لنصائح آبائه الأربعة بالانتماء إلى جماعة الدعوة والتبليغ ذات الموقع التنظيمي والموقف السياسي الوسطي بين السلفيين والإخوان المسلمين، والالتحاق بإحدى كليات الحقوق الإقليمية المعروف عنها تراجع مستواها العلمي والأكاديمي تحت تأثير الفساد الإداري والمالي المستشري داخلها، ثم تسلل إلى مكتب المحاماة الخاص بأحد أساتذته كمتدرب يقوم بترتيب الأوراق والأدراج وتقديم المأكولات والمشروبات وتنظيف الجدران والأرضيات مقابل حصوله على الدرجات الكفيلة بإنجاحه في الكلية، وتدريجياً أخذ خضوعه يتحول من آبائه الأربعة إلى أستاذه صاحب المكتب المتخصص في قضايا الجنايات والذي أعجبه خضوعه فسلمه يداً بيد لضابط الأجهزة السيادية المسئول عن "الاتصال" مع الكلية، ولما كانت تلك الأجهزة قد دأبت منذ نشأتها على استخدام توابعها المحامين في مهام الوساطة لدى التجمعات البشرية المستهدفة ونقل المعلومات عنها والتعليمات إليها واختراقها للاقتراب من قادتها وكوادرها وأعضائها حتى يتسنى تجنيدهم كلياً أو جزئياً حسب الاستطاعة، ولما كان ارتباط "قريبي" المحامي المتسلق بالأجهزة جاء متزامناً مع احتياجها لإعادة تنظيم عالم الجريمة على نحو يكفل لها إنشاء "لجان المواطنين الشرفاء" بعضوية أكبر عدد متاح من المجرمين الجنائيين الذين يمكن استخدامهم ضد المعارضة السياسية، فقد تم تكليفه ضمن طواقم المحامين التابعين للأجهزة السيادية والموزعين على مختلف المحاكم والنيابات وأقسام الشرطة وبؤر الجريمة لتلبية ذلك الاحتياج داخل تجمعات الجنائيين المستهدفين، بعد أن أمدت الأجهزة توابعها المحامين بكافة مستلزماتهم من المقرات المميزة جغرافياً لإنشاء المكاتب التي تجذب الضحايا إلى جانب الأموال الوفيرة اللازمة لشراء الذمم والأوراق المزيفة وشهادات الزور والتقارير الممهورة بخاتم شعار الجمهورية على بياض بالإضافة إلى إتلاف الأحراز والمضبوطات أو استبدالها لصالحهم، كما أمدتهم بالمعلومات السرية الدقيقة الكفيلة بإفساد القضايا مع ضمانها لمثولهم أمام رجال قضاء متعاونين أو فاسدين أو جاهلين حتى يحصلوا منهم على براءات المجرمين المستهدفين للتجنيد، الذين يقوم المحامون بعد ذلك بتسليمهم إلى طواقم التدريب العسكري والتأهيل النفسي لتجهيزهم بدنياً ومعنوياً وقتالياً وتسليحياً من أجل العمل الجماعي المنظم داخل "لجان المواطنين الشرفاء" تحت سيطرة الأجهزة السيادية، التي تشرف أيضاً على قيام المحامين بتبييض المراكز القانونية لأولئك الجنائيين بهدف إعادة تسكينهم رسمياً في مؤسسات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية كمواطنين صالحين، وفات المحامي المتسلق أن قريبتنا التي كان أبواها قد أرغماها على الزواج منه لإبعادها عني تحت ضغط مخاوفهما الأمنية ضاقت بممارسات زوجها المهنية المنحرفة، فأخذت تشكوه إلى جميع أعضاء العائلة لتكشف ضمن ثنايا شكاواها المتعددة تفاصيل أنشطته المبذولة من أجل تلبية احتياج الأجهزة لإنشاء وتشغيل "لجان المواطنين الشرفاء"!!.
(11)
خلال الدراسة الثانوية تولى أحد الضباط الشباب المنتدبين من سلاح الدفاع الشعبي مسئولية تدريس مادة فنون القتال اليدوي وخلال الدراسة الجامعية تولى نفس الضابط أيضاً مسئولية تدريس المادة ذاتها بعد ترقيته إلى الرتبة الأعلى، ورغم ضخامته الجسمانية وشراسته السلوكية فقد كان ضابط الدفاع الشعبي دائم التذمر من سابق خلط طعامه وشرابه طوال فترة دراسته العسكرية بزيت الكافور الذي أثر سلباً على قدراته الجنسية، حتى أنه حاول البحث في أوساط الغلمان الشواذ المترددين على ملاهي شارع الهرم الليلية عن أية مؤثرات عكسية مشجعة دون جدوى، فلما التقاني هناك وجهاً لوجه خلال عملي في شباك التذاكر أدرك أن كافة تفاصيل محاولاته الجنسية الجماعية والشاذة والفاشلة قد وصلتني فطالبني بكتم اسراره لأكسب صداقته دون أن يفوته التلميح الخبيث إلى نفوذه المؤثر على احتمالات نجاحي أو رسوبي دراسياً، أما الطبيب النفسي الشاب السابق اتهامه بسرقة حقوق الملكية الفكرية لسلسلة كتب مترجمة حول فنون التنمية البشرية مثل "السعادة النفسية الكامنة في الخضوع للأمر الواقع" و"كيف تقتل عدوك" وغيرها، والمرتبط منذ دراسته الجامعية بالتنظيم السياسي الرسمي الحاكم متحولاً مع أسمائه المتعاقبة من الاتحاد الاشتراكي إلى منبر الوسط ثم حزب مصر وأخيراً الحزب الوطني، والذي كان قد تم تعيينه بمجرد تخرجه في مستشفى العباسية للمجانين فاعتاد على اغتصاب المريضات القاصرات وصغيرات السن تحت تأثير جرعات زائدة من عقاقير علاجية مخدرة يتعاطاها ويعطيها لهن، حيث سلمتني إحدى ضحاياه خلال زيارتي لأبي ذات مرة بلاغاً موجهاً إلى وزير الصحة يكشف جرائمه على أصعدة التحرش وخيانة الأمانة وتبديد العقاقير العلاجية ولكن سرعان ما اختفى البلاغ وصاحبته معاً، فالتقاني الطبيب النفسي ليطالبني بكتم أسراره حتى أكسب صداقته دون أن يفوته التلميح الخبيث إلى نفوذه المؤثر على حياة أبي المعتقل السياسي داخل عنبر المساجين الخطرين في مستشفى المجانين، وقد تصادف عند بدايات تسعينيات القرن العشرين أن اصطحبني زملائي أعضاء النادي معهم لمشاهدة مباراة كرة قدم هامة يخوضها فريقنا على الملعب الرياضي لاستاد القاهرة، ورغم وصولنا قبل موعد المباراة بنصف ساعة زمن حاملين دعوات دخول المقصورة المميزة فقد وجدنا أنه تم إغلاق بوابات الاستاد الخارجية الرئيسية التي سوف تقودنا إلى الملعب الرياضي قبل ساعتين من بداية المباراة، لصد جماهير روابط مشجعي فريق كرة القدم عقاباً لهم على هتافاتهم الكوميدية الساخرة ضد ممارسات الأجهزة السيادية أثناء تشجيعهم في مباريات سابقة، وبسبب دعوات الدخول المميزة التي نحملها أرشدنا أحد موظفي الهيئة العامة لاستاد القاهرة إلى طريق سري التفافي طويل يمر عبر عدة بوابات فرعية وممرات جانبية وملاعب خلفية متجهاً نحو المقصورة، وبينما أكمل زملائي طريقهم للجلوس على مقاعدهم الوثيرة من أجل مشاهدة المباراة فقد استوقفني مشهد آخر بأحد الملاعب الخلفية لمجموعتين بشريتين متحلقتين حول لافتة مدوناً عليها عبارة "مشروع تخرج دفعة عام 1992 من لجان المواطنين الشرفاء"، كان أعضاء المجموعة الأولى واقفين يتلقون حصة "فنون القتال اليدوي لقتل الحشرات المعارضة التي تعادي الوطن"، في حين كان أعضاء المجموعة الثانية جالسين يستمعون إلى حصة "السعادة النفسية الكامنة في قتل الحشرات المعارضة التي تعادي الوطن"، وبمجرد اقترابي هرول المدربان بعيداً عن مجال رؤيتي البصرية ولكن عقب فوات الأوان نظراً لوضوح ملامح ضابط الدفاع الشعبي الشرس والطبيب النفسي المتحرش أمامي رغم آثار الزمن البادية على الوجهين المذعورين لكليهما!!.
(12)
تصدر الأحكام القضائية السالبة للحريات بعقوبات أصلية كالسجن مع الأشغال الشاقة أو السجن المشدد أو السجن فقط أو الحبس وتقترن أحياناً بعقوبات تكميلية كيدية هي إخضاع المحكوم عليه للمراقبة الشرطية طوال المدد الزمنية التي تحددها الأحكام، وإذا كانت العقوبات الأصلية يتم تنفيذها بمعرفة مصلحة السجون فإن العقوبات التكميلية يتم تنفيذها بمعرفة مصلحة الأمن العام المسئولة عن مديريات الأمن وأقسام الشرطة الموزعة جغرافياً على كافة الربوع المصرية، بحيث يضطر المحكوم عليه إلى المبيت أو التوقيع في دفاتر المبيت الخاصة بالمديرية أو القسم الأقرب لمحل إقامته، وكانت سيدة ترفيه مأجور منحدرة من إحدى محافظات شمال الصعيد قد ابتكرت في ستينيات القرن العشرين حيلة قانونية لتخفيف وطأة المراقبة الشرطية عليها، بانتقالها إلى إحدى محافظات الوجه البحري وإقامتها في غرفة سكنية ملاصقة لمديرية الأمن التي أصبحت مسئولة جغرافياً عن تنفيذ عقوبتها التكميلية عقب انتهاء مدة عقوبتها الأصلية داخل سجن النساء بتهمة الدعارة، ليقوم سعيد الحظ من أعضاء الوردية الشرطية الليلية بحمل دفتر مبيت المديرية إلى غرفتها بهدف الحصول على بصمتها مقابل تلبية رغباته الجنسية المنحرفة مجاناً معها، ثم تطور الأمر لاحقاً إلى قيام حاملي دفتر المبيت من رجال الشرطة الفاسدين باصطحاب أصدقائهم الراغبين في إقامة حفلات جماعية لتذوق لحمها البشري المجاني كما يحلو لهم، وبمجرد إتمام المدة الزمنية المحددة للعقوبة التكميلية غادرت سيدة الترفيه المفرج عنها غرفة المراقبة الشرطية واتجهت إلى حي "المنيل" القاهري لتستأجر غرفة غسيل كائنة فوق سطح منزل قديم، واضطرت للعمل مؤقتاً في الخدمة المنزلية عندما اكتشفت أنها كانت قد حملت داخل أحشائها طفل خطيئة مجهول الأب لم تستطع التخلص منه عبر أساليب الإجهاض التقليدية، ثم وضعت مولوداً ذكراً عجزت عن استخراج شهادة رسمية بميلاده فمنحته اسماً عرفياً هو "صلاح" لعل مجيئه يؤدي إلى صلاح أحوالها المضطربة، وبعد أن استعادت "أم صلاح" لياقتها الجسمانية اللازمة عاودت نشاطها في مجال الترفيه المأجور داخل غرفة السطح، حيث كانت تعطي طفلها بعض المخدرات لتنويمه حرصاً منها على إلزامه الصمت بهدف توفير الهدوء خلال ترفيهها عن زبائنها الذين قام أحدهم لاحقاً بتخديرها هي حتى يتمكن من اغتصاب الطفل، فلما بلغ "صلاح" عامه الثاني عشر أشعل النار في فراش الرذيلة لقتل أمه وزبونها حرقاً وفر هارباً قبل أن تلتهم النيران الغرفة والمنزل كله، وهكذا تم القبض عليه وإيداعه إصلاحية الأحداث الكائنة في حي "بين السرايات" باعتبارها فرعاً للمؤسسة الرسمية المسئولة عن معاقبة القاصرين الجانحين، وهناك ظهرت ميوله العدوانية العنيفة ليس فقط ضد أقرانه من الأحداث نزلاء الإصلاحية ولكن أيضاً ضد رموز الإدارة المتمثلين في المشرفين الاجتماعيين والحراس العسكريين حتى أطلقوا عليه اسم "صلاح مخ الكلب"، وفي يناير عام 1977 قررت الأجهزة السيادية نقل نزلاء فرع إصلاحية "بين السرايات" الواقع جنوب غرب مدينة الجيزة إلى فرع إصلاحية "المرج" الذي يقع شمال شرق مدينة القاهرة، تمهيداً لتسليم أرض "بين السرايات" إلى وزارة التعليم العالي الراغبة في إقامة كليات الإعلام ودار العلوم ومعهد الليزر وغيرها من المنشآت الجامعية فوق تلك الأرض بحيث يمكن ضمها لاحقاً لحرم جامعة القاهرة، وخلال تنفيذ عملية ترحيل النزلاء بين الفرعين المتباعدين جغرافياً على مسافة خمسين كيلو متراً وقعت أحداث انتفاضة 18 يناير عام 1977 الجماهيرية ذات الأبعاد الاجتماعية، وقامت الجماهير الغاضبة بتحطيم عدة سيارات شرطية كانت إحداها هي عربة ترحيلات نزلاء الإصلاحية فهربوا جميعاً بمن فيهم "صلاح مخ الكلب" الذي اعتبرني صاحب الفضل في "تحريره"، بعد أن شاهدني على رأس المظاهرة الجماهيرية الغاضبة المتجهة من شارع الهرم نحو مديرية أمن الجيزة مروراً بحي "بين السرايات" فاستمر حتى اليوم ينتفض واقفاً لتأدية التحية العسكرية كلما رآني!!.
(13)
نظراً لغبائه الشديد وجهله المطبق وغياب ضميره الإنساني فقد تراوحت أفعال "صلاح مخ الكلب" بين الحماقة والتهور مدفوعاً في ذلك بتوافه الرغبات الحسية والمخاوف الذهنية وبهلاوس المخدرات والخمور الرديئة، ولكونه لا يتقن القيام بأية أعمال سواء كانت اعتيادية أو إجرامية ولا يطيق صبراً لتعلم هذه أو تلك فقد دأب على الانتزاع العشوائي لكل ما يريده من أموال أو طعام أو شراب أو ملابس في حوزة المحيطين به الخاضعين لسطوته خوفاً من أسلحته المتنوعة، التي شملت فيما شملته شفرات الحلاقة ورقاب الزجاجات والعصي الخشبية والكرابيج السودانية والسلاسل والجنازير والقضبان والقبضات الحديدية والأنصال البيضاء المعدنية الحادة مع عبوات المسامير والمونة والمولوتوف والأحماض الكيميائية الحارقة والمواد البترولية القابلة للاشتعال، وسرعان ما التقطته الأجهزة السيادية حيث استعادت سيطرتها عليه ثم قامت بتدريبه وتأهيله وتجنيده ضمن صفوف "لجان المواطنين الشرفاء" تمهيداً لاستخدامه في تنفيذ عدة عمليات قذرة تصاعدية وصولاً إلى قتل بعض الأشخاص المستهدفين، ومن بينهم "حسن العطار" الكادر الفدائي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين صاحب فكرة حفر الأنفاق على الحدود المشتركة لقطاع غزة مع شبه جزيرة سيناء، والذي اعتقلته الأجهزة سراً داخل سجن استئناف "باب الخلق" المخصص لتنفيذ أحكام الإعدام حيث التقاني هناك عقب إيداعي منفرداً في السجن ذاته لمعاقبتي من قبل تلك الأجهزة، التي كانت قد أصدرت في سبتمبر عام 1981 قراراً باعتقالي ضمن عشرات السياسيين المصريين المتهمين بمعارضة تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون أن تتمكن من تنفيذ قرارها في حينه لتكرار إفلاتي على نحو غير مألوف لديها، ثم رتبت الأجهزة السيادية دخول "صلاح مخ الكلب" كسجين إلى زنزانة الفدائي الفلسطيني لافتعال مشاجرة معه تنتهي بقتله وهي العملية التي كادت أن تتم لولا تدخلي في الوقت المناسب لنقل "العطار" من زنزانته إلى مستشفى السجن، إلا أن الأجهزة قررت مكافأة "صلاح مخ الكلب" على التزامه بتنفيذ كافة تعليماتها الصادرة إليه في إطار العملية الفاشلة لاغتيال الفدائي الفلسطيني فمنحته شهادة ميلاد وبطاقة إثبات هوية شخصية باسم جديد مع محل تجاري مرخص وسلاح ناري خفيف من الأحراز غير المثبتة في السجلات الرسمية، وبعد مرور عقد زمني كامل على تلك الواقعة تم إلحاقه تحت اسم ثالث مغاير بإحدى الوحدات الدبلوماسية التابعة للسفارة المصرية في السودان أثناء عملي كمستشار إعلامي لدى السفارة نفسها، حيث أبلغني أن الأجهزة السيادية قامت بإلحاقه حتى يحصل على جواز السفر الدبلوماسي اللازم لتحصينه في مواجهة إجراءات قضائية جاري تحريكها ضده من قبل ولاة دم بعض المعارضين السياسيين المصريين، الذين كان قد نجح خلال الأعوام العشرة المنصرمة في تنفيذ تعليمات تلك الأجهزة باغتيالهم ليس فقط داخل السجون ولكن أيضاً على امتداد مختلف المواقع السكنية والدراسية والمهنية والتجارية وغيرها، دون أن تتوقف الأجهزة عن استخدامه في تنفيذ العمليات الخارجية القذرة ضد الأشخاص المستهدفين ومن بينهم معارض مصري نوبي بارز كان قد وصل لتوه إلى الخرطوم بهدف المشاركة في أحد الاجتماعات الدورية التي يعقدها النوبيون المصريون المقيمون على الأراضي السودانية، والذي راح ضحية حريق هائل التهم مقر استضافته عقب دقائق من وصوله إليه ليتم نقل "صلاح مخ الكلب" فوراً تحت اسم رابع إلى وحدة دبلوماسية تابعة لسفارة مصرية أخرى في دولة عربية مجاورة تستضيف على أراضيها أيضاً بعض المعارضين المصريين!!.
(14)
في عام 2007 قام الرئيس "حسني مبارك" بتعديل الدستور المصري على نحو يعرقل أية ترشيحات محتملة لقادة المجلس العسكري ضد نجله "جمال" في الانتخابات الرئاسية التالية التي كان من المقرر إقامتها عام 2011، بعد أن كان "مبارك" نفسه قد تراجع عام 2006 جزئياً عن تنفيذ وعده السابق بمنح جماعة الإخوان المسلمين نسبة ثلث المقاعد البرلمانية المنصوص عليها دستورياً كحد أدنى لتعطيل أي قرار أو إجراء حكومي، رغم التزام الإخوان من جانبهم بتنفيذ وعدهم المقابل له المتمثل في دعمه وتأييده خلال الانتخابات الرئاسية السابقة التي أقيمت عام 2005، فوضعت الأجهزة السيادية الغاضبة خطة محكمة للإطاحة بعائلة "حسني مبارك" وأنصاره عبر استنزافهم التصاعدي على عدة محاور، كان من بينها توسيع نطاق استخدامات عصابات البلطجة المسماة "لجان المواطنين الشرفاء" كأحصنة شطرنج تقفز فوق الحواجز والأسوار لتخترق كافة مؤسسات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية وتضربها في أعماقها، بمشاركة نشيطة من قبل الميليشيات المدربة والمسلحة للإخوان المسلمين الغاضبين الذين أعماهم النزوع الانتقامي تجاه غدر "مبارك" عن إدراك حقيقة أن تلك العصابات مبرمجة لاستهدافهم هم أيضاً عند حلول دورهم، ليندفع كل أطراف المشهد السياسي المصري الراهن سريعاً نحو المزيد من الألعاب الخطرة والرديئة المتبادلة الضارة بالوطن في إطار الحسابات الثأرية والمنافسات الهامشية لتلك الأطراف حول مصالحها الذاتية الضيقة، ورغم استمرار معارضتي المعلنة لأوضاع الاستبداد والفساد والتبعية الناتجة عن سياسات "حسني مبارك" باعتباره الامتداد الطبيعي المعدل لأنظمة حكم "الضباط الأحرار"، فإن اكتشافي للألعاب الخطرة والرديئة التي بدأ يؤديها سراً قادة الأجهزة السيادية بتوابعهم البلاطجة مع قادة جماعة الإخوان المسلمين بالميليشيات التابعة لهم دفعني إلى كتابة سلسلة أبحاث ومقالات تحذيرية تستشرف الانعكاسات السلبية لتلك الألعاب الخطرة والرديئة على المستقبل المصري القريب، فهاجمني هؤلاء وأولئك رغم مصداقيتي التاريخية مع الجميع حيث منعت الأحزاب السياسية الانتهازية صحفها ومجلاتها ومواقعها الإليكترونية من نشر كتاباتي على غير عادتها مما اضطرني إلى نشرها في وسائل إعلام خارجية على غير عادتي، فقام "فهمي هويدي" المستشار الإعلامي لجماعة "الإخوان المسلمين" بتوبيخي واستنكار تحذيراتي ضمن مقاله الأسبوعي الذي كانت تنشره آنذاك عشرون صحيفة ومجلة ومائة موقع إليكتروني في الوقت ذاته، بينما أحالتني الأجهزة السيادية إلى عدة مجالس تأديبية داخل جهة عملي المهني أسفرت عن معاقبتي بأقصى العقوبات المالية والإدارية والتنظيمية المنصوص عليها في اللوائح الوظيفية، أما التوابع الميدانيين أعضاء العصابات الأمنية والميليشيات الإخوانية فقد ارتكبوا معاً سلسلة هجمات إجرامية احترافية متزامنة ومنسقة ضدي، لإصابتي جسدياً وترويعي معنوياً وتدمير سيارتي وسرقة وإتلاف محتويات شقتي السكنية الأصلية الكائنة بحي "الهرم" في مدينة الجيزة وإحراق شقتي السكنية الأخرى الموروثة عن والدتي الراحلة والكائنة بمدينة "أكتوبر"، وإزاء استغاثاتي المتكررة أصدر "عبدالرحيم قناوي" رئيس مصلحة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية توجيهاته إلى مرؤوسيه في مديريات الأمن وأقسام الشرطة ذات الاختصاص الجغرافي والمسئولية القانونية بالتدخل الحاسم لحماية حياتي وحقوقي وأملاكي، إلا أنه قبل حلول صباح اليوم التالي كانت قد تمت إحالة "قناوي" إلى التقاعد المبكر رغم رئاسته هو شخصياً آنذاك لمجلس الشرطة الأعلى المسئول حصرياً عن إحالة الضباط إلى التقاعد المبكر، ليتراجع مرؤوسوه عن تنفيذ توجيهات قائدهم السابق المحال إلى التقاعد بسببي تاركين البلاطجة أعضاء العصابات الأمنية والميليشيات الإخوانية يكملون مأمورياتهم، دون أن تتوقف معاناتي من عدائيات هؤلاء وأولئك بتوابعهم تجاهي حتى اليوم رغم تطور الأحداث على النحو الذي كشف لهم دقة معلوماتي وسلامة مخاوفي ولكن بعد فوات أوان تصحيح مساراتهم المنحرفة!!.

(15)
رغم انتصاف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين فقد استمر التناقض الرئيسي في مصر كما كان منذ أواخر القرن التاسع عشر قائماً بين فريقين، هما الفريق الجماهيري المتطلع نحو تغييرات جذرية تحقق الحرية والتحرر الوطني والتنمية الاقتصادية المستقلة والعدالة الاجتماعية من جهة، والفريق النخبوي الساعي إلى الحفاظ على استقرار الأوضاع بهدف تكريس الاستبداد والفساد والتبعية لمعسكر الرأسمالية العالمية المركزية الاستعمارية من الجهة المقابلة، بما صاحبه على أرض الواقع من استمرار للتفاوت الصارخ القائم بين الأغلبية التي تشكل الفريق الجماهيري والأقلية المكونة للفريق النخبوي في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، الأمر الذي كان ينبغي أن يترتب عليه حسب قواعد العلوم السلوكية فرزاً طبيعياً لصراع جذري محدد الملامح بين معسكري التغيير والاستقرار ومحدد المسارات نحو الأمام، إلا أن الحسابات الثأرية الثانوية والمنافسات الهامشية بين أجنحة الفريق النخبوي حول مصالحها المباشرة الضيقة ذات الصلة بتوزيع المراكز النسبية للسلطة والنفوذ والثروة فيما بينها هي التي فرضت نفسها على الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات التجارية الخارجية، لاسيما بعد نجاح الأجنحة النخبوية المختلفة في اختراق صفوف وأعماق الفريق الجماهيري لتستدرج خطواته نحو مسارات منحرفة أو مشوهة تقوده إلى الحلول الفردية أو الإجرامية أو الغيبية أو إلى النزاعات البينية ذات الدوافع الفرعية أو الزائفة، مع ميل الأجنحة النخبوية المختلفة لتصفية حساباتها الثانوية وتسوية منافساتها الهامشية باستخدام أخطر أدوات الصراع الجذري المتمثلة في العنف السياسي، الذي اتسع نطاقه مؤخراً بين الأجهزة السيادية بتوابعها بلاطجة العصابات الإجرامية من ناحية وحليفتها حتى الأمس القريب جماعة الإخوان المسلمين بميليشياتها المدربة والمسلحة من الناحية الأخرى، ليرتفع العنف بينهما سريعاً إلى مستوى الإرهاب الدموي المتبادل ثم لمستوى الإبادة الجماعية المتبادلة على الهوية بين كوادر وأعضاء وتوابع الجناحين، في ظل الإصرار الأعمى لقادة كل من الأجهزة والجماعة على إنهاء المعركة بانتصار حاسم لن يختلف طعم مرارته كثيراً عن مذاق الهزيمة الساحقة، وفي ظل التحريض الفوضوي لبعض الانتهازيين المحليين والإقليميين والعالميين الذين لا تتحقق أطماعهم إلا بانهيار الوطن المصري، وفي ظل الغياب العمدي المتخاذل للقيادات الافتراضية عن الفريق الجماهيري الذي وجد جسده عند اشتداد محنة وطنه بلا رأس تقوده، إلا أن الجسد الجماهيري المصري مقطوع الرأس قد فاجأ الجميع باتخاذه للموقف التاريخي الوحيد الصحيح عندما نأى عن المشاركة فيما تشهده الساحة حالياً من معارك دموية مفتعلة وزائفة، راح ضحيتها خلال أربعة أعوام فقط عشرة آلاف قتيل ومفقود وخمسين ألف معتقل تحت التعذيب البدني والتحطيم المعنوي والانتهاك الجنسي ومائة ألف مصاب بإعاقات جسمانية مستديمة، بالإضافة إلى مئات الألوف من موقوفي الأحوال المضارين في أعمالهم وأرزاقهم ومصالحهم دون أن تكون تلك المعارك معبرة عن تطلعات ضحاياها، لتحذو جماهير المشهد السياسي الحكيمة حذو مشجعي لعبة الشطرنج المخضرمين الذين ينفضون عن المباريات بمجرد أن يبدأ اللاعبون ممارسة الألعاب الخطرة القائمة على التكسير أو الألعاب الرديئة القائمة على الغش حتى تخلو الرقعة إما بسقوط كل أدوات اللعب البيضاء والسوداء معاً وإما بانسحاب اللاعبين الفاشلين، انتظاراً لمستقبل قريب قد يحمل أجيالاً تالية مؤهلة من اللاعبين الذين ربما تساعدهم مهاراتهم الاحترافية المأمولة على إقامة مباريات جديدة يمارسون فيها ألعاب شطرنجية صحيحة، تكفل ليس فقط المجد لأشخاصهم ولكنها أيضاً تجلب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية إلى جماهيرهم وإن غداً لناظره قريب!!.
طارق المهدوي