المؤتمر الثاني لحزب -بودوموس- الاسباني: الوحدة حتى النصر |

رشيد غويلب
2017 / 2 / 26

ا
احتضنت إحدى قاعات العاصمة الإسبانية مدريد في الفترة من 10 – 12 شباط الحالي المؤتمر الثاني لحزب "بودوموس" (نحن قادرون) اليساري. وسبق انعقاد المؤتمر صراع حاد بين التيار الذي يقوده السكرتير العام للحزب بابلو اغليسياس، والتيار الرئيس الثاني بقيادة السكرتير السياسي للحزب انيغو ارخون. والمعروف إن الحزب الذي خرج من معطف الحركة الاحتجاجية ضد تداعيات الأزمة المالية، وسياسة التقشف القاسية التي اتبعها اليمين المحافظ لمعالجة آثارها، قائمة على اساس التعددية الفكرية والتنظيمية، فإلى جانب التيارين الرئيسين هناك التيار الذي تقوده زعيمة الحزب في ولاية الأندلس تيريزا رودريغس ، وعضو البرلمان الأوربي ميغل اوربان، والمعروف بـ "المناهضون للرأسمالية". وتتباين هذه التيارات الثلاث سياسيا. وفي المؤتمر الأول للحزب، في تشرين الأول 2014 ، اتفق التياران الرئيسان على بناء الحزب باعتباره ماكنة انتخابية لتحقيق نصر سريع، وعلى الرغم من تحقيق الحزب نتائج انتخابية مهمة، الا انه لم يحقق هدفه المرسوم، والمتمثل بإزاحة اليمين واستلام السلطة.
وبعد الانتخابات التي حل فيها تحالف اليسار ثالثا، ظهر التباين بين التيارين بشأن مستقبل الحزب، على الرغم من اتفاقهما على الحفاظ على الطبيعة الديمقراطية، وعلى الدور المؤثر لأعضاء الحزب، ومنظماته القاعدية في رسم سياسته. وفي ماعدا ذلك فان التصورات مختلفة. فالسكرتير العام يرى انه بانتهاء انتخابات حزيران 2016 وتشكيل حكومة اقلية يمينية، فان دورة سياسية قد انتهت، كان فيها الحزب يعمل كماكنة انتخابية. ومن الضروري البدء ببناء منظمة جديدة تعطي وزنا اكبر لقوة القاعدة، ويتعاون بشكل وثيق مع الحركات الاجتماعية. وان على الحزب العودة إلى جذوره، ويتجنب البقاء في اطار السياسة القديمة. وبهذا الصدد يقول اغليسياس: "لقد ولدنا في التلفزيون، ولكن مستقبلنا لا يكمن فيه"، وطالب بان يتحول الحزب إلى "وسيلة سياسية للحركات الاجتماعية والشعبية". والقاعدة الاجتماعية تكمن بالنسبة للسكرتير العام في الطبقة العاملة وفئات الشعب الدنيا. ولهذا يدعو اغليسياس إلى استمرار العمل وتعميقه مع "اليسار الاسباني المتحد" الذي يشكل الحزب الشيوعي قوته الأساسية. وكان الحزبان قد شكلا نواة تحالف اليسار الذي خاض الانتخابات العامة الأخيرة.
وبالنسبة لسكرتير الحزب السياسي انبغو ارخون، فان نتائج الانتخابات بينت إن العمل مع قوى اليسار التي ينعتها بالتقليدية لا يقود إلى النجاح. وان "بودوموس" لا يسار ولا يمين، بل "خط عريض". ويركز على تحقيق أكثرية سياسية جديدة تضم جميع قطاعات المجتمع، وتعكس تطلعات الاجيال الشابة والأجيال التي تليها، وخصوصا الطبقة الوسطى. وان المطالب شديدة الجذرية تعرقل هذا المشروع الذي يركز بالأساس على النشطات الثقافية، والنشاطات المتعلقة بالانتخابات ومؤسسات الدولة. وتلعب النضالات الاجتماعية في هذه الرؤية دورا ثانويا.
الوحدة
وقبيل انعقاد المؤتمر اتخذ الصراع السياسي بين التيارين مسارا تصعيديا. وتكهن بعض المنافسين: "بودوموس يحل نفسه". ولكن مجريات المؤتمر فندت هذه التكهنات. وبعد اكثر من 30 ساعة نقاش اقر أعضاء الحزب والمندوبون الوثيقة السياسية، وانتخبوا قيادة جديدة. وأعطوا قيادة الحزب رسالة مهمة ودليل عمل هي الوحدة. وكان مطلب المندوبين، الذي لا لبس فيه، منذ جلسة الافتتاح: "الوحدة ثم الوحدة، نعم نحن قادرون". وقد استوعبت قيادة الحزب الرسالة. وكانت المطالبة بالوحدة حاضرة في المداخلات التي شهدتها جلسات المؤتمر، وفي التصريحات الإعلامية.
وحذر بابلو اغليسياس من الانشقاق، لأنه يخدم الخصوم فقط. وبدوره أكد ارخون كذلك على وحدة الحزب، مشددا على ضرورة العمل على تأسيسها بعد المؤتمر. وأجاب المندوبون بتصفيق حاد على قول ميغل اوربان: " ليس هناك اعداء في القاعة، فنحن جميعا رفاق. وخصومنا موجودن خارج القاعة ويملكون الكثيرمن عوامل القوة".
وفي كلمتها ركزت تيريزا رودريغز على الوحدة المصحوبة بالتواضع. ووجهت نقدا حادا لمن يلمح بأنه مالك للحزب، فالحزب هو ملك آلاف الهيئات القاعدية. وعبرت عن قناعتها إن العمل المشترك سيستمر بعد المؤتمر، ليس "لان الأمر واقعيا، بل لأنه حتمي".
السكرتير التنظيمي بابلو ايشينك، الذي رشح على قائمة السكرتير العام، شدد على ضرورة "أن يعبر بودوموس عن الحركة الشعبية، وان يكون حزب "المثقف الجمعي". ولمواجهة خصم "قوي كهذا" لا تكفي "الأحاديث الإعلامية"، والتواجد "مع النواب في البرلمان"، بل المطلوب بلورة حركة شعبية. ويجب أن تكون المهمة الأولى في المرحلة الجديدة من عمل الحزب، تحسين عمل المنظمات القاعدية، ولكي ننتصر يجب إن لا تكون مهمتنا "الوصول إلى الناخبين فقط، بل الشرط هو "الذكاء والنضج السياسي، وأخوة ناشطي الحزب السياسيين".
سيادة الاتجاه الجذري
استطاع التيار الذي يقوده السكرتير العام بابلو اغليسياس ان يحسم السباق لصالحه في جميع الميادين: في التصويت على الوثيقة السياسية وفي انتخاب قيادة الحزب.
ومن مجموع اعضاء الحزب المسجلين والبالغ قرابة 455 الفا، شارك في عمليات التصويت 155190 . فأعيد انتخاب بابلو اغليسياس سكرتيرا عاما للحزب بعد حصوله على 128743 صوتا، اي 89,09 في المائة. وحصلت قائمته في قيادة الحزب الجديدة على 50,8 في المائة، احتلت بموجبها 37 مقعدا، اي 60 في المائة من قوام القيادة الجديدة، فيما حصل التيار الثاني على 23 مقعدا، وحصلت قائمة المناهضين للراسمالية على مقعدين، فيما لم تحصل قائمتان أخريان على شيء يذكر.
وحصلت الوثيقة السياسية التي قدمها تيار السكرتير العام على 56 في المائة، مقابل 33,7 في المائة لصالح القائمة المنافسة. وجاءت نتائج التصويت على وثيقة السياسة التنظيمية مماثلة لسابقتها. وقد دعم المناهضون للراسمالية مع تيار السكرتير العام الوثيقة االنسوية، التي حصلت على 61 في المائة من الأصوات.
"الوحدة والتواضع"
في كلمة الختام شدد السكرتير العام المعاد انتخابه على ان المؤتمر كلفنا باعتماد "الوحدة والتواضع" في اشارة منه إلى النقد الذي وجهته إلى الحزب تيريزا رودريغز زعمية الحزب في ولاية الاندلس. واكد عدم وجود مثل هذه المشاركة في اي حزب سياسي آخر. وان الحزب سيعتمد الوحدة والتواضع في بناء العدالة الاجتماعية، لكي يستعيد الناس والشعوب سيادتهم، ولكي ندافع عن حقوق الانسان في مواجهة الفاشية الصاعدة في اوربا . الوحدة والتواضع للنضال ضد العنف الذكوري، لكي لا تكون اسبانيا شعارا فقط، وانما بلدا ووطنا لمواطنيه وشعوبه. الوحدة والتواضع لتكون اسبانيا وطنا للعاملين، وللعاطلين عن العمل، ورجال الأعمال الصغار، والشبيبة، والمهاجرين. الوحدة والتواضع لكي نبني مع المجتمع المدني والمنظمات السياسية الصديقة حركة شعبية كبيرة وكتلة تاريخية، تعطي الزخم للتأسيس لعملية التغيير في إسبانيا. الوحدة والتواضع لكي ننقل مطالب المجتمع المدني الى البرلمان، لكي نبين اننا في البرلمان نضع افكارا، لكي نستطيع مع اخوتنا ان ندير التغيير في بلديات المدن، والسير قدما في معارضة حزب الشعب اليميني المحافظ الحاكم. والانتصار في الانتخابات ، والوصول الى حكومات المزيد من المدن والمناطق، وبالعمل مع مواطني شعوبها نغيَر اسبانيا". واضاف "بالتأكيد سنقع في الكثير من الأخطا"، "ولكني اعدكم: سوف لن نخطئ في الجانب الذي ننحاز اليه".
واكد السكرتير العام ان الحزب بعد هذا المؤتمر ، سيصبح نسويا ، اخويا وموحدا. وان رياح التغيير قادمة، والحزب اصبح اقوى واكثر نضجا، لكي يكون اداة تحقيق الأغلبية المجتمعية. "الوحدة والتواضع حتى النصر".
الوحدة والتعددية
من جانبه اكد آرخون امام وسائل الإعلام ان المؤتمر قدم إلى قيادة الحزب "درسا في المسؤولية والوحدة، والنضج الديمقراطي" وان الحزب خرج من المؤتمر بشكل آخر و اكثر قوة. ان المهمة المطروحة "الوحدة والتعددية". وحول مستقبله قال انه متروك لقرار قيادة الحزب "اذا قررت القيادة الاستفادة مني، سأقوم بذلك بكل فخر، واذا لم يقرروا ذلك ساعمل على مساعدتهم. ... من الغد على المرء ان يعمل من اجل ان يكون البديل للحكومة".