ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (21)

طلال الربيعي
2017 / 2 / 25

كما ذكرت من قبل, ان شيوعية العدالة الاجتماعية هي صنو للمكيافيلية السياسية والداروينية الاجتماعية, وان المازوخية السياسية هي الوجه الآخر لسادية السلطة وفاشيتها. ان الماركسية المزعومة للعدالة الاجتماعية مناقضة لجمالية الماركسية, او للماركسية العضوية الناتجة عن المزاوجة بين الماركسية وفلسفة وايتهيد العضوية. ودعاة العدالة الاجتماعية من "الشيوعيين" يرفعون شعار "شعب سعيد". ولكن سعادة الشعب, كما ذكرت من قبل, لم ولن تتحقق من خلال معادلة اقتصادية لا تشمل الخيال والقيم والعواطف والمواقف والطموح والخوف والذكريات. وبذلك تعمق شيوعية العدالة الاجتماعية مشاعر الوحدة والعزلة والعجز: انها نقيض السعادة والخادم الطيع للمشروع المناقض للثورة.

كانت الروائية الأميركية Carson McCullers (ولدت في عام 1917 وتوفت في عام 1967, وكانت مشلولة الجانب الايسر من جسمها بعد اصابتها بجلطات دماغية قبل بلوغها العام 31 من عمرها) روائية، كاتبة مسرحية، وشاعرة. وأول رواية لها هي The Heart Is a Lonely Hunter، القلب صياد وحيد. وهي رواية تستكشف العزلة الروحية لاشخاص مهمشين ومنبوذين في بلدة صغيرة في جنوب الولايات المتحدة. تدور احداث رواياتها الأخرى حول مواضيع مماثلة فى اقصى جنوب الولايات المتحدة ايضا.

على الرغم من أن McCullers قد اشارت الى روايتها الاولى "القلب صياد وحيد"، بأنها مثال ساخر على الفاشية، لم يتخذ النقاد كلامها على محمل الجد، إما لأنه بدا كلاما عموميا في إشارته إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للرواية, أو لأنه كان يبدو مقيدا بموضوعة العزلة. مع ذلك, هنالك دلائل على أن السياسة كانت عاملا محفزا في نشأة الرواية وأن المثال كان هو وسيلة لمعالجة آثار أوسع نطاقا.

قبل فترة وجيزة من بدء العمل على الرواية، أعربت المؤلفة بالرغبة في أن تصبح ناشطة سياسية, وحتى انها حاولت البدء باصدار مجلة لهذا الغرض. في رسالة مكتوبة لناشر اعمالها, قالت ان أسباب "العزلة الداخلية" هي "مجتمع قصير النظر باسراف" وكذلك "الاحوال الاجتماعية غير الطبيعية." ونص الرواية نفسه يقدم لنا المئات من التلميحات السياسية ويصور اثنين من الشخصيات الرئيسية المثالية اجتماعيا وسياسيا. وتخصص الكاتبة قسما من الرواية لمناقشة الإصلاحات البديلة. وأخيرا، إن "لوحة الحلم"، التي يتفق النقاد على انها أمر أساسي في فهم مغزى الرواية، اضافة الى هيكل الرواية الهرمي، يشكل الدليل على الاهمية البالغة للمشروع الديمقراطي المناقض للفاشية.

ولعل الطريقة الأكثر منطقية لفهم نهج هذه الرواية هي منهج المثال. المثال هو بطل الرواية الذي يجابه قوى محددة. ولكن الرواية لا تتطور من خلال المسيرة التقليدية للرواية, وانما تستمد حبكتها من خلال معالجة أنماط لموضوعات معينة, فهي تعالج بقدرة فائقة موضوعات مثل طبيعة الحكومة، وفشل الديمقراطية، وموضوعة الحرية. ويتم رسم أنماط الموضوعات من خلال درامية تشمل شخصية بطل الرواية وافعاله. تأكد موضوعة المثال في الرواية على العملية الديمقراطية، ولكن تبعاتها هي مشاكل عالمية مثل الوهم مقابل الواقع- اشير هنا بهذا الخصوص الى موضوعة الايديولوجية التي تكرس الوهم كنقيض للواقع, كما عالجتها سابقا, والتي تعني فقط بما هو ظاهر في النص, وذلك على عكس النهج الديالكتيكي الذي يعني بالمكتوب وغير المكتوب في النص, وقد يشكل النص غير المكتوب اهمية اكبر بكثير من اهمية النص المكتوب. فمثلا, كما ورد في الحلقة السابقة, ان عبارة "اننا اصحاب الايادي النظيفة", التي يرددها شيوعيو العدالة الاجتماعية, هي عبارة ايديولوجية بامتياز لكونها تسعى الى اضفاء طابع انساني على الوضع القائم. ولكن عند وضعنا "النظارة الايديولوجية" التي تسمح لنا برؤية الامر بشكل ديالكتيكي, فان العبارة تصبح عبارة ناقصة ومُضللِة, ولذلك, لغرض كشف تضليلها و تحيزها المستتر الى ايديولوجية السلطة المافيوية-الفاشية, بنبغي اكمالها. ولذا ينبغي ان تكون العبارة كاملةً كالتالي:
"اننا اصحاب الايادي النظيفة قياسا الى الفاسدين الآخرين وليس قياسا الى معيار اخلاقي وموضوعي ينطبق على كل الناس."
ان العبارة الناقصة تتستر على ايديولوجية تعتقد بامكانية انسنة مافيا النظام او اضفاء الانسانية على شريعة قانون الغاب الحيواني. بواسطة النظارة الايديولوجية, نستطيع ان نكشف الخرق الفاضح الذي يتعرض له العقد الاجتماعي غير المكتوب (والذي هو اقوى واعلى من كل دستور), والقاضي باحترام حقوق البشر واعتبارهم غاية بحد ذاتها. ان خرق العقد الاحتماعي, الذي تتستر عليه عبارة "اصحاب الايادي النظيفة", يلغي كل شرعية, اخلاقية على الاقل, لنظام المافيا الذي يهدف شيوعيو العدالة الاجتماعية التغطية على طبيعته التي تعامل البشر ليس كهدف وانما كوسيلة وبما يتفق مع كل الاعراف والمثل الفاشية.

ضمنا, تجسد الرواية الافتراضات بخصوص مناقشات تاريخية اندلعت منذ أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة, وكانت خاتمة هذه النقاشات هي فكرة أن الانظمة الحكومية يجب أن تخضع دوريا لإعادة تعريف. في عقد الثلاثينيات, ادى النمو السريع للتكنولوجيا وقوة الشركات الى خلق عدم المساواة بين العمال والإدارات. وقد افضى ذلك, اضافة إلى الكساد الاقتصادي واستمرار عدم المساواة الطبقية والعرقية، الى شعور الفرد بالعجز. كانت هناك أشارات الى تدخل حكومي قوي، ولكنه عورض، ربما بسبب عزوف الناس عن التخلي عن "المثل العليا" التقليدية! ومع ذلك، فإن الامر الموثوق به ان "الحرية الأمريكية"، وخصوصا الحرية حسب مفهوم توماس جفرسون (أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، والكاتب الرئيسي لاعلان الاستقلال (1776), وثالث رئيس للولايات المتحدة), المتجسدة في الشعار الذي ينص على أن افضل حكومة هي تلك التي تمارس ادنى قدر من التدخل, قد أصبحت مفارقة تاريخية سياسية. وهكذا، فعلى نقيض ساخر للوضع في اوربا, الذي نفى الحرية بحكم واقع الفاشية وحكمها عن طريق القوة، نفت الديمقراطية الأمريكية الحرية من خلال فشلها في تنفيذ مهماتها المُفترضة. لهذا فإن الحكومة في هذا المثال يمثلها بطل الرواية الأصم الأبكم، وأداة القمع هي (اصوات) الصمت, الذي يجسده الفصل الاول من الرواية الخالي من اية كلمة. والصمت يتجلي ايضا في عدم اكمال العبارة الواردة اعلاه, اي بالتسترعلى مضمونها الحقيقي القاضي بادامة نظام الظلم والاستغلال والتمييز الفاحش: النظام الفاشي.
يتبع
.......
مصدر ذو صلة
THE HEART IS A LONELY HUNTER
Concept Analysis
Literary Text: The Heart is a Lonely Hunter by Carson McCullers, Boston: Mariner Books, 2000
http://novelinks.org/uploads/Novels/TheHeartIsALonelyHunter/oncept%20Analysis.pdf