حسن العلوي (الظاهرة التي سقطت)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 2 / 25

حسن العلوي ( الظاهرة التي سقطت )
شكل الكاتب العراقي حسن العلوي ظاهرة تميزت بالانتشاء والاحترام عند الاوساط الثقافية العراقية (وحتى الشعبية) بعد الاطلاع على مؤلفاته وكتاباته في اعقاب عملية التغيير المفصلي وسقوط النظام البعثي – القومي عام 2003 وانتشار الكتب والمطبوعات التي كانت محظورة في زمن النظام السابق , وقد تميزت تلك المؤلفات – وخاصة الفكرية والسياسية منها – بالجراة والعلمية والريادة في تطرقها الى الموضوعات الحساسة جدا التي كانت تشكل نوعا من التابو في اوساط الانتلجنسيا العراقية - وحتى العربية - واهمها القضية الطائفية وهيمنة النسق العثماني / التركي على الفكر القومي العربي . وكان من اشهر تلك المؤلفات (الشيعة والدولة القومية في العراق 1914 – 1990) وهو اول كتاب مستقل تناول الظاهرة الطائفية في الدولة العراقية الحديثة التي تاسست عام 1921 والتمظهرات السياسية والتربوية والعسكرية والتجارية والاعلامية التي عكستها , واصبح بالتالي ليس مرجعا مهما ورئيسيا لدراسة هذه الظاهرة في الكتابات الاكاديمية والتجارية فحسب , بل فتح المجال على مصرعية لكتاب اخرين كانوا مترددين منتظرين الفرصة السانحة لمن يتجرا اولا ويدخل هذا المسار المحرم عند المثقفييين العراقيين , علما ان هناك اخرين سبقوا حسن العلوي في التطرق للظاهرة الطائفية والانقسام الاثني والاجتماعي والمذهبي في البلاد امثال الدكتور علي الوردي وحنا بطاطو في كتابه (العراق) , الا انهم لم يدرجوا ذلك في كتاب خاص ومستقل في استعراض هذه الظاهرة , وانما ضمن فصول ومباحث متفرقة في مؤلفاتهم وكتاباتهم . وبسبب هذا الامتياز انتشرت مؤلفات العلوي حتى اصبحت تشكل ظاهرة متميزة في تلك الاوساط ومحط جدل ونقاش دائمين , واصبح الاقبال عليها ملفتا للنظر, واخذ اسمه يتردد على كل لسان كباحث رائد في مسار معتم عاشه العراقيون دون تنظيراو تفسير علمي او تاريخي . الا ان ذلك لم يستمر طويلا , اذ سرعان ماتلاشت تلك الظاهرة او( المودة الثقافية ) بعد سنوات قليلة من الانتشار لاسباب عدة نذكرها ضمن سياق اهم التحولات الفكرية والايديولوجية والسياسية للكاتب العلوي وهى :
اولا : المرحلة القومية – البعثية : وتبدا من نهاية الخمسينات وحتى هروبه او خروجه من العراق عام 1980 . وفيها تاثر حسن العلوي بالفكر القومي العربي ضمن صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي الذي اخذت افكاره واراءه وخلاياه بالتبلور في اوساط الطلبة والشباب , كحزب ينادي بالمنطلقات الثورية والسرية التي تستهوي الشباب والمراهقين العراقين عادة , ويبدو ان تاثيرات الثورة المصرية عام 1952 والخطابات والازمات التي كان يثيرها جمال عبد الناصر وقراراته الاشتراكية وازماته العصابية المتتالية مع الدول الغربية - وخاصة ازمة السويس عام 1956 - قد ساهمت في انتشار النمط القومي العربي شعبويا , بعد ان كان نمطا نخبويا متعاليا , وتجلت تلك التاثيرات بصورة واضحة في انتشار خلايا حزب البعث السوري التي اعتقد الكثيرون خطا انه حزب قومي يتبع افكار وتوجهات عبد الناصر . وذكر حسن العلوي مواقف سياسية له ضد العهد الملكي ابان دراسته في كلية الاداب – جامعة بغداد وانتقاده للدكتور عبد العزيز الدوري الموالي لنوري السعيد , وانضمامه الى الخلايا القومية التي واجهت حكم عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي العراقي خلال تعينه كمدرس بين عامي 1959 – 1963 لم نعرف مدى مصداقيتها وصحتها , لانه الراوي الوحيد لها , ولم تذكرها باقي المصادر والكتب التاريخية والسياسية .
بعد انقلاب تموز 1968 وسيطرة حزب البعث على السلطة من جديد , لم يحصل حسن العلوي على اي منصب كبير او متميزفي الدولة العراقية , رغم الذخيرة الثقافية التي يمتلكها والاقدمية التنظيمية التي يتميز بها في صفوف الحزب , واستمر الوضع قائما حتى نهاية عقد السبعينات , عندما عين رئيسا لتحرير مجلة الف باء الرسمية , التي اخذت بالترويج لنائب رئيس الجمهورية صدام حسين , والتمهيد لاستلامه منصب الرئاسة من احمد حسن البكر , وبسبب ذلك الترويج عين مستشارا صحفيا لصدام حسين وسمى ب(هيكل صدام) نسبة الى محمد حسنين هيكل الكاتب المصري المعروف الذي كان يروج ويبررلجمال عبد الناصر , وكتب خلال هذه المرحلة القومية كتابين فقط :
1 . عزيز علي اللحن الساخر. وهو اول مؤلفات حسن العلوي كتبه عام 1967عن الفنان المنولوجست الساخر المعروف في العهد الملكي( عزيز علي ) المولود في بغداد عام 1911 والمتوفي عام 1998.
2 . دماء على نهر الكرخا . ونشرته وزارة الاعلام عام 1980 باسم مستعار هو حسن السوداني , وقيل بان هناك طبعة صدرت باسم حسن العلوي نفسه خلال تلك الفترة في سوريا , وقد اعترف العلوي بتاليفه الكتاب صراحة بعد عام 2003 في لقاء مع قناة الحرة مع الشاعر علي عبد الامير عجام (والكرخا هو احد الانهار المهمة في غرب ايران وينبع من جبال زاكروس ويصب في هور الحويزة , واعتبره المؤلف الحاجز الطبيعي بين العراق وايران, وكان يطلق عليه سابقا نهر السوس ) وجاء نشر الكتاب الاخير في سياق التمهيد للهجوم والحرب ضد ايران في اعقاب الثورة الاسلامية عام 1979 واستغلال حالة التوتر والانفلات الامني والاحتراب الاهلي والسياسي الذي كانت تعيشه ايران انذاك , حيث احتوى على مضامين طائفية وعنصرية ضد التراث الاسلامي الشيعي والتوجهات التي ينادي بها والمنطلقات التي يستند عليها . ويبدو ان العلوي قد سمح له بالسفر بعد تاليف هذا الكتاب , خاصة وان الاهداء والمديح كان فيه ظاهرا لصدام حسين ومقارنته مع سرجون الاكدي وحمورابي !! . وقد رد على هذا الكتاب والتوجهات الطائفية والعنصرية فيه (علي ناصر التميمي) عام 2009 في كتاب مستقل محفوظ في دار الكتب والوثائق في بغداد , والكاتب علاء اللامي في مقالات متفرقة في الانترنت .
ثانيا : المرحلة الليبرالية : وتبدا من عام 1980 وحتى عام 2003 , حيث انشق فيها حسن العلوي عن النظام البعثي الحاكم في اعقاب اعدام شقيق زوجته عدنان الحمداني بعد حملة التصفيات الدموية التي قام بها المتولي الجديد لرئاسة الجمهورية في العراق صدام حسين , للقيادات البعثية العليا التي اعترضت على توليه رئاسة البلاد بدلا عن احمد حسن البكر , والمعروفة بمجزرة قاعة الخلد ( او حركة محمد عايش ), واتهامهم بالتامر عليه مع سوريا عام 1979 . وقد انحاز حسن العلوي الى معسكر صدام حسين في تصفيته للخصوم او المنافسين , وكتب بهذا الصدد العديد من المقالات في مجلة الف باء , الا ان ذلك - وكما يبدو - لم يشفع له قرابته من احد المتهمين الرئيسيين وهو عدنان الحمداني , ولعدم وجود ادلة عليه قاطعة بالاتصال او التنسيق مع الحمداني وغيره , سمح له بالسفر الى خارج البلاد , واصبح معارضا رسميا للنظام السياسي البعثي الحاكم , واستقر به المقام اخيرا في مركز المعارضين العراقيين في سوريا . وقد شكلت هذه المرحلة المهمة ظاهرة حسن العلوي الكاتب الجريء والمثير للجدل , حيث كتب ونشر خلالها اهم مؤلفاته التي اثارت جدلا محتدما في الاوساط الثقافية والسياسية في البلاد . واهم هذه المؤلفات خلال هذه المرحلة :
1 . عبد الكريم قاسم رؤية بعد العشرين . ونشره عام 1983, وتناول فيه سيرة وانجازات الزعيم عبد الكريم قاسم والتامرالمصري والعربي عليه ودور الاحزاب والشخصيات القومية في اضعافه واسقاطه من قبل البعثيين عام 1963.
2 . الجواهري ديوان العصر. ونشره في سوريا عام 1986 .وهو اضخم مؤلفات العلوي اذ قارب عدد صفحاته الاربعمائة , وباربع فصول مستقلة , ذكر لاحقا انه اراد ان يجعل من كل فصل كتابا مستقلا .
3 . التاثيرات التركية في المشروع القومي العربي في العراق . ونشره عام 1988 وهو باعتقادي اهم واخطر مؤلفات حسن العلوي , اذ بين فيه التاثيرات والتمظهرات التركية والعثمانية الكامنة في المشروع القومي العربي في العراق , ودور المنظر القومي المعروف ساطع الحصري في ترسيخ وترويج تلك التمظهرات الخطيرة التي عملت على ادراج مفاهيم طائفية وعنصرية واستعلائية على المجتمع العربي بعامة والعراقي بخاصة , وكيفية التستر على الشعوبية التركية والحقد العثماني على العرب بعد ثورة جمعية الاتحاد والترقي عام 1908 ويبدو ان القوميين العرب في العراق قد اصابتهم الصدمة والارتباك (او الجرح النرجسي) بعد الادلة القاطعة والراسخة التي ادرجها العلوي في كتابه هذا , ادى بمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت الذي يراسه القومي العراقي - الموصلي الاصل - (خير الدين حسيب) بالهجوم عليه , ووصفه ب (الشعوبية) في ندوة خاصة حول العلاقات التركية – العربية .
4 . الشيعة والدولة القومية في العراق 1914 – 1990 . ونشره عام 1989 وهو من اكثر الكتب شعبية واهمية لحسن العلوي , وقد ادعى لاحقا انه حصل على ايرادات بلغت اكثر من ربع مليون دولار منه , وهى دعوات مبالغ فيها , وربما تندرج ايضا في اطار الترويج والدعاية لهذا الكتاب .
5 . العراق دولة المنظمة السرية . ونشره عام 1990 وبعد شهرين من احتلال صدام حسين للكويت . ويبدو ان حسن العلوي قد استغل الاجواء والانقلاب الخليجي على الابن المدلل انذاك صدام حسين , والرغبة في تهميشه وتشويه سمعته والنيل منه بعد احتلال الكويت و التجاوز على اولياء نعمته وداعميه في حربه ضد ايران . وهو من اهم الكتب التي تعرضت لتفكيك المتبنيات التنظيمية لمؤسسة حزب البعث (لم يسبقه فيها سوى كنعان مكية بهذا الصدد) التي تعمل في اطار الدولة العراقية ضمن منطق المنظمة السرية والاغتيالات والخطف والابتزازوالغرف المغلقة , رغم امتلاكهم جميع مفاصل ومقدرات السلطة . كما تتبع الجذور التاريخية لتمدد ظاهرة صدام حسين على الحزب والدولة وتسلم رئاسة الجمهورية واقصائه الجنرالات الكبار والمخضرمين في المؤسسة العسكرية امثال حردان التكريتي ومهدي صالح عماش وغيرهم .
6 . دولة الاستعارة القومية . ونشره عام 1993 , وتناول فيه ظاهرة استعارة المفاهيم العلمانية والسياسية للدولة العراقية الحديثة التي تاسست من قبل الانكليز عام 1921 وذكر انماط وصور متعددة اهمها قضية استعارة الملك فيصل الاول من الحجاز .
7 . اسوار الطين في عقدة الكويت وايديولوجيا الضم . ونشره عام 1995 وفيه اثبت حسن العلوي بالادلة العقلية والنقلية ان الكويت ليست عراقية !!!! منها ان الكويت سنية والعراق الجنوبي هو شيعي وان السهل الرسوبي امتداده يتجه نحو عبادان والاحواز في ايران وليس الى الكويت التي لم يمتدد السهل الرسوبي لها وغيرها.
8 . الجواهري رؤية غير سياسية . ونشره عام 1995 وقد اهدى المؤلف نسخة منه الى الشاعر الجواهري بخط يده (هذه نسختك ياسيد الشعراء وياسيد القرن بلامنازع ) بواسطة اخيه الكاتب المعروف هادي العلوي في دمشق عام 1995 . وقد ذكر الكتاب وتعليقات الجواهري عليه الاديب صباح المندلاوي في كتابه (الجواهري الليالي والكتب) , الا ان المثير فيها هو اتهام الجواهري لحسن العلوي بالتملق والتزلف للسعودية, منها قوله بعد ان قرات له المقدمة (ان المقدمة فيها كشكشة للسعوديين) , ويبدو ان هذا الكتاب قد شهد البواكير الاولى لعلاقة العلوي بالسعودية والاكتساب منها . فبعد ان عقد مقارنه ساذجة بين الجواهري والشاعر السعودي التويجري علق الاول على ذلك بقوله ( ان هذه الاشارات المستمرة وهذا الاقتران لابد ان ثمنه قد دفع للمؤلف سلفا او سيدفع له لاحقا ) واطنب الجواهري على الكتاب ( لولا تغزله باهل المال) .
9 . بقية الصوت والاجابات المؤجلة .ونشره عام 2000 هو عبارة عن كتاب احتوى اسئلة سياسية وفكرية وتاريخية من قبل الصحفي العراقي عدنان الامير , اجاب عنها حسن العلوي باسلوب شيق وتاريخي معتمدا المقارنه والذاكرة التاريخية والشخصية في استعراض الاحداث .
ثالثا : المرحلة البرغماتية : وتبدا من عام 2003 وحتى نهاية عام 2005 , وتميزت هذه المرحلة بدعم العلوي للعراق الجديد والعملية السياسية الديمقراطية بعد الاحتلال الامريكي للعراق , خاصة بعد تعينه كسفير لجمهورية العراق في سوريا من قبل مجلس الحكم الانتقالي , او رغبة صديقه القديم اياد علاوي بتعينه وزيرا للثقافة , وقد ظهر ذلك واضحا من خلال المقابلات والشهادات التي كان يجريها في القنوات الفضائية واهمها برنامج ( شهادة حرة ) لقناة الحرة الامريكية . وقد نشر العلوي خلال هذه المرحلة كتاب واحد فقط وهو( العراق الامريكي ) على اعتبار ان العراق السابق الذي تاسس عام 1921 هو العراق الانكليزي وقبله العراق العثماني , وهو ايضا عبارة عن اسئلة سياسية وفكرية وتاريخية وجهها الصحفي العراقي عمار البغدادي اجاب عنها حسن العلوي باسلوب مبسط وموضوعي , الا ان الخطا فيه انه اراد اسقاط او فرض القوانيين التي اكتشفها في الطائفية السياسية في العراق سابقا مازالت سارية المفعول على النظام السياسي الجديد , والايحاء بانه نظاما شيعيا , رغم ان المقارنة بين كلا النظامين والفرق بينهما هو كالفرق بين النظام الشمولي الشيوعي الاحادي والنظام الديمقراطي التوافقي التعددي , ويبدو ان العلوي قد احسن ان كتاباته وقوانينه على الظاهرة الطائفية في العراق قد تلاشت بعد التحول المفصلي عام 2003 فاراد باي وسيلة القول بانها مازالت سارية المفعول ولها قابلية التفسير في اي زمان ومكان , ومن اهم تلك الاراء التي ثبت تلاشيها بعد هذا التحول هو قوله : ان من يملك السلطة هو من يقوم بممارسات طائفية على اعتبار ان مقدارات الدولة الهائلة ستكون في سلطته من قبيل الاعلام والاموال والمناصب الكبرى وتعيين السفراء والقادة والاركان وغيرها , الا انه بعد عام 2003 وجدنا فشل هذا القانون في العراق الجديد, حيث تعرض اتباع وقاعدة الاحزاب المتصدية للعمل السياسي - وهم الاغلبية العربية الشيعية في البلاد - الى عمليات ابادة منظمة من الفصائل الارهابية التابعة للاقلية السنية , رغم انها اصلا مشاركة بالعملية السياسية , ومستحوذة على ثلث المناصب الكبرى في الدولة العراقية .
رابعا : المرحلة السعودية : وتبدا من عام 2006 والاعوام التالية او الحالية , وفيها تحول حسن العلوي صراحة من المعسكرالوطني العراقي الى المحور السعودي – الخليجي او مايعرف بالمحور العربي المعتدل , اذ تميزت الاراء التي يطرحها في الفضائيات العربية كالعربية والقنوات العراقية التي تنتمي لهذا المحور كالبغدادية والشرقية وغيرها بالغرضية السياسية والنوازع الشخصية والمفاهيم الاقصائية في الهجوم على الدولة العراقية المعاصرة , ثم تطور الى الهجوم والنيل من الاغلبية الشيعية في البلاد تحت مسميات اصلاحية تخفي وراءها نوازع مجهولة ودوافع قومية , بذريعة التفريق بين التشيع الصفوي والتشيع العلوي , وهى اطروحة سبق ان ذكرها اولا الدكتور علي الوردي ثم استعارها منه – دون ان يشير اليه علي شريعتي – قاصدا منها تحول التشيع من النمط الثوري الاصلاحي الى المسار الطقوسي الاتكالي , الا ان المعارضين والمنافسين الاسلاميين للمذهب الشيعي حرفوا مسار هذه الاطروحة جانبا , اذا اصبح بموجبها كل شيعي يمارس العمل السياسي ويطالب بالحقوق والمساواة والعدالة والحرية شيعيا صفويا , فيما يوصف الشيعي الخانع الذليل والمستسلم للاقصاء والتهميش والعبودية الذي يتبنى المنطلقات العربية والطائفية , بالانسان العروبي الوطني والشريف ,( حتى اشاعت نمطا غريبا في النسق الثقافي والسياسي العراقي بان : من يهاجم ايران فهو وطني ومن يهاجم السعودية فهو طائفي) , وتبنت الانتلجنسيا العراقية الستلبة والمخصية هذا القانون والمفهوم بدون تردد او استئذان .
كما شكل العلوي صدمة عند العراقيين عندما ظهر في قناة العربية السعودية وهو يندد باعدام صدام حسين , مجاراة للواقع العربي والطائفي الذي تهيمن على التوجهات الدينية والسياسية في المنطقة .
نشر العلوي خلال هذه المرحلة السعودية عدة كتب اهمها :
1 . عمر والتشيع ثنائية القطيعة والمشاركة . وكتبه عام 2007 وفيه شن هجوما شديدا على العراقيين بدعوى انهم لايحبون الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب , ولم يستثني منهم احد سوى اولئك الذين يحبون عمر بن الخطاب , ووصف القسم الاول منهم بالعربي او العروبيين الطاهرين من الرجس المجوسي , والثاني بالصفوي الهجين والمختلط مع الدم الايراني اوالهندي !!!! اي الجنس الاري (وفاته ان الاريين هم صناع الحضارة الغربية الحديثة) . وقد احتفى بهذا الكتاب في المملكة العربية السعودية , وحصل على عدة جوائز مالية كبيرة جدا , بل كان الكتاب الاكثر مبيعا في المعارض والمكتبات السعودية لعدة سنوات , وقد افتخر العلوي بهذا الانجاز واعلنه صراحة امام وسائل الاعلام , وزار المملكة العربية السعودية عدة مرات بهذا الصدد , وحصل على تكريم وترحيب لافت , وذكرت ارقام مليونية ومهوله من تلك المبيعات والمكافئات لاتخلوا من مبالغة واساطير , وبالطبع لم يذكر حسن العلوي ان السبب الاساس للترحيب والتكريم لهذا الكتاب هو الدافع الطائفي, على اعتبار ان الكتاب يشكل اهمية كبرى في الصراع المذهبي والطائفي الذي يكتسح المنطقة بسبب فتاوى التكفير والتوحش السعودية الوهابية , لان المؤلف من الطائفة الشيعية اولا وفيه هجوما شديدا على الاغلبية العراقية ثانيا , في زمن كانت النيران مستعرة والتخوين والتكفير الوهابي والسعودي قد اكتسح البلاد طولا وعرضا بتفجيرات وارهاب واختطاف لامثيل له في التاريخ , وبدل ان ينحاز العلوي الى بلده في هذه المحنة الكبيرة , ويندد بتلك الاعمال والفتاوي التكفيرية والتخوينية وزرع الاحتراب الاجتماعي , او يقف على الحياد على الاقل , كما وقفت موقف الذل والحياد والخيانة الاغلبية من الانتلجنسيا العراقية , وجدناه للاسف الشديد انضمامه الى فئة الاوكسترا الموسيقية العربية والاسلامية التي عزفت بعد عام 2003 غلا وحقدا وتخوينا وتكفيرا وتحريضا على العراقيين .
الا ان الملفت للنظر في كتاب حسن العلوي (عمر والتشيع) اثارته قضية محرجة للاسلاميين الشيعة , وهى ان الخليفة عمر بن الخطاب له الفضل الاول عليهم في قدوم الاسلام للعراق , فيما هم يوجهون له لوما وتقريعا على احداث مهمة ومفصلية في التاريخ الاسلامي , كان للخليفة عمر بن الخطاب موقفا اعتبر انه كان بالضد من توجهات اهل البيت , واهمها حادثة السقيفة المعروفة التي نصبت ابو بكر خليفة للمسلمين بدل الامام علي بن ابي طالب الذي يعتقدون ان الرسول محمد اوصى له بحديث الغديرفي حجة الوداع , وحادثة الباب والهجوم على بيت الامام علي وزوجته فاطمة الزهراء من قبل فرقة من (المارينز) الاسلامي بقيادة عمر بن الخطاب بعد رفضهم مبايعة الخليفة الاول ابو بكر, ولانريد الدخول في الاراء والجدل العقيم حول هذه الحادثة والمبالغات التي تمظهرت عنها والتداعيات التي اعقبتها , الا ان الثابت تاريخيا هو حصول حادثة الهجوم والتهديد بالحرق من قبل عمر بن الخطاب , وهو ماشكل انفصالا حادا بين الاسلاميين الشيعة وشخصية عمر بن الخطاب التاريخية , واصبحت المصالحة بينهما هو من الصعوبة بمكان , والظاهر ان حسن العلوي استغل قضية قدوم الاسلام للعراق بعد الفتح او الغزو العربي اثناء تولي عمر بن الخطاب الخلافة , ومن ثم تغيير هوية العراق من بلد ارامي - سرياني يدين بالديانة المسيحية وفق المذهب النسطوري - الارثوذكسي الى بلد عربي – اسلامي . وقد يذكر احدهم ان دافع تلك الغزوات او الفتوحات ليس نشر الاسلام , وانما الحصول على الغنائم والموارد الاقتصادية الكبيرة والمتميزة التي كانت تتمتع بها ارض العراق وبلاد الشام وايران ومصر بالقياس الى منطقة شبه الجزيرة العربية الفقيرة والقاحلة التي تعيش على حافة المجاعة - حسب تعبير علي الوردي - وان انتشار الاسلام كان عرضا من تلك الغزوات والفتوحات التي كان همها الاول هو السلب والنهب والاستحواذ على مقدرات العراقيين والشاميين والمصريين والايرانيين وغيرهم من البلدان المفتوحة . في الواقع ان هذا الكلام لايختلف عليه اثنان , في ان هدف الفتوحات هو الحصول والاستحواذ على الغنائم والموارد الكبيرة لهذه البلدان , ولكن يبقى العراقي الشيعي الذي يعتبر الاسلام قيمة عليا ونعمة كبرى يدين بالفضل الى عمر بن الخطاب بهذا الصدد , اما العراقي التنويري والعلماني الذي يعتز بالهوية الحضارية والرافدينية للعراق القديم ذات الخصائص الارامية - السريانية والديانة المسيحية - النسطورية التي تستند على العنصر النبطي والجذور السومرية , ويعتبربان ماجاء به عمر بن الخطاب هو وباء جارف واسلام السلطة والاحتراب والاقصاء للبلدان المفتوحة واهل البلد الاصليين , الذين عانوا اشد المعاناة من الاحتلال والاستئثار والاستبداد الاموي والعباسي وغيره , فان هذا الكلام والفضل لايعنيه او يشمله ابدا . وللاسف لم يشر الى هذه القضية الكاتب (مختار الاسدي) في كتابه (التشيع بين السياسة والتاريخ) الذي رد فيه على اراء وكتابات حسن العلوي بهذا الصدد .
2 . عمر بن الخطاب رؤية علوية معاصرة . وهو كما يبدو كتاب مخطوط لم يطبع , اوصى بان ينشر بعد وفاته . ويبدو انه قريب او مشابه لكتاب عمر والتشيع السابق . ومن المؤكد ان الكتاب سيثير جدلا ونقاشا وربما امتعاضا عند الاغلبية الشيعية في العراق , فقد اعتدنا ان تكون السهام الاهم والاقوى للانتلجنسيا الشيعية المستلبة والمخصية هو على اتباع المذهب الشيعي وليس على اتباع الاب الميت . (وسبق ان ذكرنا اسباب ذلك في مقالات متفرقة في الحوار المتمدن )
3 . الفتوحات السفيانية . وذكره في مقدمة كتابه (عمر والتشيع) وادعى انه اقترح تاليفه على اخيه الكاتب المعروف هادي العلوي . ويتناول فيه ايضا سيرة الامام علي بن ابي طالب وعمر بن الخطاب , واوصى ايضا ان ينشر بعد وفاته لما له من اراء جريئه واشكالية يعتقد ان المجتمع الشيعي في العراق لايتحملها , واعتقد ان قضية اقتراح تاليف الكتاب على اخيه هادي العلوي فيها شك او حتى كذب صريح , فالرجل للاسف عنده كثير من الروايات المشكوك فيها , لانه الراوي الوحيد لها اولا ومبالغتها واسطرتها ثانيا , كما ان هادي العلوي توفى عام 1998 في دمشق , ولم تكن لحسن العلوي انذاك هذا المنهج او الرؤية في الكتابات الدينية والمذهبية , اما عنوان الكتاب فهو ايضا محل تساؤل واستغراب عن ماهية الفتوحات السفيانية وعلاقة الامام علي وعمر بن الخطاب بها !!.
4 . شيعة السلطة وشيعة العراق صراع الاجناس . ونشره عام 2009 بعد الاشكالات التي حصلت بين حسن العلوي واتباع السلطة الحاكمة حول العقارات والممتلكات التي طالب بها بعد عودته من المنفى للعراق , فقد ادعى العلوي ان هناك ممتلكات لجده في الكرادة وبيت كبير له استلمه من قبل الرئيس عبد السلام عارف في حي القادسية تعود له, وهى من اهم واغلى مناطق بغداد قاطبة , الا ان الحكومة لم تجد عنده وثائق او ادلة قاطعة تؤيد ذلك , فرفضت قضية التسليم وشككت في الادلة التي عرضها , مما ادى الى اصابته بنوع من الهيستريا والانفعال والهجوم على الحكام الشيعة في السلطة , وذكر انهم لايمثلون شيعة العراق العروبيين الابرار الذين يحبون السنة حبا جما , وانما يمثلون الشيعة الصفويون الذين يكرهون السنه كرها اعمى !!!!!
5 . محاكمة العلوي والخفاش . وهو كتاب صدر عام 2008 وضمن المرحلة السعودية ايضا , وهو عبارة عن لقاء قام به الصحفي السعودي مصطفى الانصاري مع حسن العلوي والكاتب حسن مفتي المعروف بالخفاش الاسود , وصدر في الرياض عن مكتبة العبيكان , وامتدح الصحفيالانصاري العلوي في الاهداء ( لمواقفه الشجاعة ) ووصفه ايضا (هيكل صدام وعاشق عمر). والكتاب لايخلو من الترويج والترسيخ للمرحلة السعودية العربية والمنطلقات التي تستند عليها والتي ذكرناها سابقا .
6 . عبد العزيز التويجري الروح الجامعة . ونشره عام 2007 وهذا الكتاب هو اهم تجليات المرحلة السعودية لحسن العلوي , حيث اطنب فيه مدحا وتملقا ظاهرا لنائب رئيس الحرس الوطني في المملكة العربية السعودية واحد اهم مساعدي الملك المؤسس عبد العزيز ال سعود والمليونير المعروف عبد العزيز التويجري . والتويجري له مؤلفات ايضا في الادب والتاريخ , ويبدو انها القناة التي بررت التملق له ومدحه من قبل الكتاب المعروفين تاريخيا بالتملق والمديح للحكام والمتنفذين في العالم العربي ومن اشهرهم فؤاد مطر (الذي سبق ان كتب عن صدام حسين) وسعد البزاز وهو اشهر من نار على علم في الترويج والتزلف للسعوديين , ويبدو ان اموال التويجري المليونيرية وسخائه كانت السبب الاساس وراء هذه الكتابات .
شكل هذا التحول الاخير نحو المرحلة العربية والسعودية صدمة وحيرة في الاوساط الاجتماعية والثقافية العراقية , وذهبت الاراء يمينا ويسارا حول اسباب ودوافع هذا التحول , الا اننا نعتقد ان اهم اسباب ذلك هى :
1 . العودة الى الجذور البعثية والقومية التي مازالت تشكل عند الاغلبية الساحقة من الانتلجنسيا العراقية مرتكزا دلاليا مهما في الحكم والتقييم ,على اعتبار ان من تبنى هذا المفهوم في يوم من الايام ودخل هذا المعترك , فان احتمالية عودته اليه قائمه اذا توفرت الشروط الموضوعية والبيئة الملائمة , والتي يمكن تسميتها باللاشعور القومي .
2 . الغرض السياسي الذي يخفي دافعا مصلحيا وشخصيا , ويتمثل بعدم حصول العلوي على منصب كبير في الدولة العراقية الجديدة , حتى ان منصب السفير في سوريا لم يباشر به بسبب عدم وجود سفارة عراقية اصلا في دمشق , فضلا عن اشكالية الممتلكات والعقارات العائلية التي اخذ يطالب بها في منطقة الكرادة , والتي يقول ان نظام صدام حسين صادرها دون دليل رسمي , وهى الاشكالية التي اثارت غضب وحنق العلوي , ادت به الى تاليف كتابه الجدلي (شيعة السلطة وشيعة العراق) .
3 . ماذكره الشاعرالجواهري سابقا حول الدافع المادي في تملقه للسعوديين الذين عندهم خبرة في شراء الكتاب والاقلام العربية , ورغبه حسن العلوي بالحصول على الاموال والمكافئات الكبيرة بعد تاليف تلك الكتب التي تصب في صالح المحور السعودي العربي المعتدل , واستغلاله كضد نوعي بصفته شيعي وعلوي النسب ضد الشيعة العراقيين .
4 . الراي الراجح عندي وهو ماذكره الكاتب (سرحان الركابي) من ان انتشار ظاهرة حسن العلوي عراقيا جعله يبحث عن الانتشار عربيا , وهذا بالطبع يتطلب ان يكون خطابه عربيا , يتوافق مع الذهنية العربية , وبما ان هذه الذهنية تهيمن عليها التوجهات الطائفية والقبلية المتخلفة , فمن الطبيعي ان يحصل التعارض مع الخطاب العراقي المختلف عنها في الممارسات والمنطلقات , وقد نجح حسن العلوي في استمالة ذلك الخطاب والخضوع له , وحقق مايصبو اليه من الانتشار والشعبية والمقبولية العربية , الا ان المؤسف له انه قد سقط عراقيا ووطنيا , لان الخطابين نقيضان لايجتمعان ابدا , وسبق ان سقط قبله كتاب اخرون في هذا المعترك الخطير, امثال رشيد الخيون وعزيز الحاج , ولحقهم اشخاصا محددين امثال الشيخ غيث التميمي , وحتما سيلتحق بهم اخرون , بسبب عقدة الاستلاب امام العروبة والقومية التي يحاول كثير من المثقفون العراقيون الشيعة تبرئة انفسهم منها , من خلال الهجوم على الاغلبية الشيعية في العراق وقادتها ورموزها وتراثها ومتبنياتها الثقافية والفكرية , وفاتهم ان الاقتصار على الخطاب العراقي وفق متبنيات وطنية محلية دون الاشارات القومية والطائفية هو من سيجعل الكاتب خالدا وراسخا في ضمير ووجدان العراقيين , كما حصل في ظاهرة الدكتور علي الوردي , الذي بقى صامدا في تبني الخطاب او الرؤية العراقية للامور رغم المنالات الشخصية والاتهامات التي تعرض لها بسبب ذلك واهمها (الشعوبي والرجعي والعجمي) وغيرها من الالقاب التي تشكل اوسمة فخر وعز عند الكتاب الاحرار والمخلصين لوطنهم وقضيتهم وعراقيتهم , الواثقين من انفسهم , المرتكزين على اسس رصينة من التنويروالتحديث والليبرالية , ولايهتمون بالتالي الى ما يقوله دعاة الطائفية والقومية العربية الاقصائية .