البدلاء في مصر المعاصرة

طارق المهدوي
2017 / 2 / 24

البدلاء في مصر المعاصرة
طارق المهدوي
(1)
سارت جمهورية الخوف المصرية الأولى طوال عمرها الستيني الممتد بين عامي 1952 و2011 على قاعدة احتكار الأجهزة السيادية لمجال السلك الدبلوماسي الخارجي بما يشمله من وظائف ذات طابع فني متخصص، حيث كانت جميع المواقع الدبلوماسية التقليدية والفنية موزعة وفقاً لأهميتها بين قادة وكوادر وأعضاء تلك الأجهزة، مع استثناءات نادرة جداً لحالات خاصة من رموز الدولة والمجتمع المرغوب في مكافأتهم بسخاء أو إبعادهم بذكاء أو تصفيتهم بأيدي الغرباء، الأمر الذي كان يتم تحت الإشراف الشخصي المباشر لرئيس الجمهورية باعتباره القائد الأعلى للأجهزة السيادية كما حدث معي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، أما بالنسبة للفنان التشكيلي الذي كان موظفاً في إحدى الوزارات الخدمية فإن تعيينه وكيلاً ثم مديراً لمنشأة دبلوماسية مصرية عريقة ذات طابع فني متخصص وموقع جغرافي متميز بعاصمة أوروبية هامة، لم يكن ضمن الاستثناءات المذكورة بل تم في إطار السياق العام لجدول الحصص النسبية المتفق عليه بين الأجهزة، وهكذا استمرت صفته الدبلوماسية بما يواكبها من حصانات على مدى عقد زمني كامل موزع بين سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، دون أن يتوقف عن التنفيذ الفوري الدقيق لكل ما تطلبه تلك الأجهزة من احتياجات حتى لو كانت لا تمت بأية صلة للشئون الفنية أو كانت غير مألوفة لدرجة الشذوذ، مثل ذلك الاحتياج المعلوماتي الذي دفعه نحو المشاركة ذات مرة في مسيرة مطلبية لأشباه الرجال من الأوروبيين ذوي الميول الجنسية المثلية، وقد تأكدت مهاراته في تنفيذ احتياجات الأجهزة السيادية بتهريبه الناجح لأحد قادة الفصائل الفلسطينية عقب اختطاف طائرته وإجبارها على الهبوط في قاعدة جوية عسكرية تابعة لحلف الأطلسي بجنوب "إيطاليا"، تمهيداً لتسليمه إلى سلطات الولايات المتحدة الأمريكية الراغبة في استجوابه بشأن مسئوليته عن عملية اختطاف الباخرة السياحية الأمريكية "أكيلي لاورو" أثناء رحلتها الترفيهية في المياه الإقليمية المصرية بين مينائي "الإسكندرية" و"بورسعيد" رغم إنهاء القيادي الفلسطيني لعملية اختطاف الباخرة مقابل تعهد الأجهزة المصرية التي كانت تفاوضه بعدم ملاحقته سواء من قبلها هي أو غيرها، وعاد الفنان التشكيلي إلى "القاهرة" بمجرد نجاحه في حفظ ماء وجه تلك الأجهزة أمام نظيراتها الإقليمية والعالمية بتمكينه لتعهداتها السابقة حول عدم ملاحقة القيادي الفلسطيني من التنفيذ والسريان على أرض الواقع العملي، ليصبح بعد عودته وزيراً ربما كمكافأة على نجاح مهمته وربما لحمايته من الانتقام الأمريكي المحتمل، وربما لأن تنفيذه العلني لتلك المهمة غير الفنية قد كشف حقيقة علاقته العضوية بالأجهزة السيادية مما أصبح يعيقه عن الاستمرار في تلبية احتياجاتها المستقبلية أو ربما للأسباب الثلاثة معاً، واستمر الفنان التشكيلي وزيراً حوالي ربع قرن من الزمان دون أن تتوقف علاقاته مع الأجهزة رغم قيامها بشن حملات تشهير شخصي ضده على خلفية عزوفه المشروع عن الزواج من إحدى سيدات السيطرة التابعات لتلك الأجهزة، في إطار ما هو معروف عن استخدامها لكافة الوسائل القذرة بهدف إحكام سيطرتها على توابعها من الرجال، وقد خلقت حملات التشهير المكثفة ضد الفنان التشكيلي الذي أصبح وزيراً حالة من الاستخفاف بتصريحاته رغم قيمتها المعلوماتية شديدة الأهمية، ليس فقط لكونه رجل دولة بارز ولكن أيضاً بالنظر إلى علاقاته المتواصلة والمتسعة رأسياً وأفقياً مع الأجهزة السيادية، والتي أسهمت في إنقاذه مما تعرض له زملاؤه الوزراء من ملاحقات عقب انهيار جمهورية الخوف الأولى عام 2011، إلا أن أهم تصريحاته التي تم الاستخفاف بها في حينها كانت دعوته الصريحة الموجهة إلى مشاهير الأوساط الثقافية والإعلامية والرياضية المصرية للبقاء داخل حظائر الدولة، كاشفاً بذلك عن وجود شبكة سرية أخطبوطية ظلت الأجهزة وما زالت حتى اليوم حريصة على إخفائها، لاسيما وأنه هو شخصياً كان قد تولى الإشراف على تلك الشبكة السرية لفترة طويلة من التاريخ المصري المعاصر!!.
(2)
تضم الأوطان ثلاثة مكونات هي الأرض والمجتمع والدولة ويضم كل واحد من تلك المكونات الثلاثة بدوره بعض العناصر الداخلية، حيث تحتوي المجتمعات على عدة وحدات اجتماعية يتسم بعضها بالثبات والديمومة سواء كانت تقليدية كالطوائف والقبائل والعشائر أو كانت حديثة كالنقابات والأندية والجمعيات الخيرية، في حين يتسم بعضها الآخر بالمرونة والمرحلية كالرأي العام الذي يتكون مع موضوع بعينه لدعمه أو ضد موضوع بعينه لتغييره، بينما تحتوي الدول على عدة سلطات سياسية يتسم بعضها بالثبات والديمومة سواء كانت تشريعية أو قضائية أو تنفيذية في حين يتسم بعضها الآخر بالمرونة والمرحلية كالأحزاب الحاكمة والمعارضة وجماعات الضغط السياسي مع أو ضد موضوع بعينه، وعلى عكس الطابع المتحرك لكافة عناصر المجتمع والدولة المشار إليها فإن الأرض تحتوي على عدة عناصر ثابتة كالموقع الجغرافي ومصادر المياه والتضاريس والسواحل والمناخ إلى جانب الثروات المعدنية والطبيعية بما فيها من حيوانات برية ومعالم أثرية، ومع تعاقب العصور والأزمنة التي حملت تحديات تاريخية عديدة واجهت الأوطان على شكل أو آخر، فقد كان من المحتم أن تفرز الوحدات الاجتماعية أفضل الموهوبين بين أعضائها للقيام بتوجيه وحداتهم نحو كيفية مواجهة التحديات فظهرت بذلك النخبة القائدة للمجتمع، كما كان من المحتم أيضاً أن احتياج السلطات السياسية لتنسيق الأدوار فيما بينها من أجل مواجهة تلك التحديات يؤدي إلى ظهور الأجهزة السيادية القائدة للدولة، ورغم الحالة الاستثنائية لتضامن الدولة والمجتمع عند مواجهة الأطماع الخارجية في ابتلاع الوطن أو تهديد الأرض أو الاستيلاء على بعض عناصرها، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع ظلت محكومة بالتنافس الذي يصل أحياناً في عدد من الأوطان إلى حد الصراع العدائي، لاسيما مع حرص الوحدات الاجتماعية على مراقبة أداء السلطات السياسية لوظائفها باعتبار أن الدولة كانت قد نشأت في الأصل تعبيراً عن التوازن النسبي للنفوذ والمصالح بين مختلف وحدات المجتمع الاجتماعية، في مقابل انزعاج السلطات السياسية من أي مراقبة تتعلق بأدائها لوظائفها على اعتبار أن المجتمع كان قد سبق له التخلي بشكل طوعي ونهائي عن تلك الوظائف للدولة كثمن لما تمنحه إياه من حماية، ولاسيما مع حرص الوحدات الاجتماعية على استمرار صلاتها المجتمعية المباشرة وأنشطتها الخدمية التفاعلية باعتبارها ذات وجود تنظيمي مستمر ومستقل، في مقابل حرص السلطات السياسية على احتكار الصلات المجتمعية والنشاط الخدمي والوجود التنظيمي باعتبارها تندرج ضمن الوظائف التي سبق أن تخلى عنها المجتمع للدولة، وتنوب نخبة الموهوبين عن المجتمع بينما تنوب الأجهزة السيادية عن الدولة في ممارسة ذلك الصراع بينهما وإدارة تفاصيله اليومية على أرض الوطن الواحد وفقاً لما اكتسبه الطرفان من مهارات وفنون قتالية بتعاقب العصور والأزمنة، ونظراً لعراقة الدولة المصرية صاحبة الريادة التاريخية في تجربة الاستبداد الفرعوني فقد اكتسبت أجهزتها السيادية مبكراً العديد من المهارات والفنون القتالية المتنوعة، سواء لاحتواء الموهوبين من أعضاء النخبة المجتمعية حتى يتحولوا من المنافسة إلى التبعية والخضوع أو لتهميشهم باستخدام وسائل احترافية مستترة، أو للقضاء النهائي على وجودهم عبر إنشاء شبكة حظائر السيطرة وإحلالها محل النخبة المجتمعية، بتمكين مشاهير شبكة الحظائر السابق فبركتهم في مصانع الأجهزة السيادية والدفع بهم ليكونوا بدلاء الموهوبين الحقيقيين أعضاء النخبة المجتمعية السابق احتوائهم أو تهميشهم، عملاً بنظرية احتلال الفراغ بمجرد تفريغ الموقع من شاغليه ذوي الاستحقاق الأصلي حتى لا يعودوا لشغله مجدداً، ومع استمرار التضييق على موهوبي النخبة المجتمعية المصرية لم يعد أمامهم سوى تدوين كوابيسهم كوسيلة وحيدة لتأكيد استمرارهم على قيد الحياة رغم قهر الأجهزة السيادية، تاركين بذلك للمستقبل الإنساني إرثاً نادراً من ثقافة الأنين التي يسميها عوام المصريين "العديد"!!.
(3)
من الناحية اللغوية فإن لكلمة "حظيرة" مدلول سيادي واضح يتمثل في حظر خروج أفرادها منها وحظر دخول غيرهم إليها سوى بموافقة ولي الأمر، مما يمنحه السيادة التامة على هؤلاء القابعين داخل الحظيرة وأولئك الراغبين في دخولها إلى جانب سيادته على الفريق الثالث الممارس للأنشطة دون دخول حظائرها بموجب ما يمنحه ولي الأمر للحظائر من احتكارات غير مستحقة، وقد خصصت جمهورية الخوف الأولى حظائرها لمشاهير مصر في مختلف المجالات ذات الانتشار الجماهيري لاسيما الرياضية والثقافية والإعلامية، ليس فقط امتداداً لتجارب الاستبداد الفرعوني القديم ولكن أيضاً نقلاً عن تجارب بعض أنظمة الحكم الفاشية مثل الستالينية السوفيتية والنازية الألمانية والمكارثية الأمريكية، مع الاستعانة بالقواعد "العلمية" لتفكيك الجماعات البشرية وإعادة تشكيلها على نحو مغاير والمستمدة من علم النفس الاجتماعي، لاسيما تلك القاعدة التي تدور حول كيفية السيطرة الشمولية على مشاهير الأوطان تمهيداً للسيطرة من خلالهم على جماهير الشعوب المتعلقة بهم، رغم صعوبة ذلك في ظل النزوع الاستقلالي لهؤلاء المشاهير والذي ينمو طردياً مع نمو شهرتهم بدوافع غريزية إنسانية، حيث توفد الأجهزة السيادية بعض كوادرها الأساسية السرية جيدة التدريب لانتحال صفات المشاهير بهدف تأدية ما يشبه أدوارهم داخل مجالات الانتشار الجماهيري المختلفة، تحت عمليات تلميع مكثفة تكسبهم النجومية الزائفة التي يحتاجونها للاقتراب من المشاهير الذين تهدف تلك الأجهزة إلى اجتذابهم ثم احتوائهم تمهيداً للسيطرة عليهم وبالتالي على جماهيرهم من خلالهم، وبمهارة احترافية فائقة تقوم كوادر الأجهزة جيدة التدريب بقيادة علاقاتها مع المشاهير المستهدفين، لتدفع بهم نحو تشكيل ما يبدو كأنه مجرد جماعات فئوية مختصة بتبادل المصالح في كل مجال على حدا أو بالضغط الناعم لتمرير تلك المصالح في الدولة والمجتمع، وتتطور جماعات المصالح الضاغطة لتصبح حظائر بتوفير الشروط التنظيمية اللازمة لذلك مثل استمرار اتصالها السري بالأجهزة إلى جانب قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي داخل مجال تخصصها بحيث تستطيع إغلاق أبوابها والاستغناء عن الآخرين عند المواجهات طويلة الأمد، بالإضافة إلى ضرورة التنوع المحسوب للعضوية التي يجب أن تضم أبناء مجال التخصص وآخرين غيرهم منتقين، على رأسهم الأثرياء الراغبين في غسل أموالهم والمهووسين الراغبين في الالتصاق بالمشاهير وسيدات الترفيه الراغبات في تغطية أنشطتهن الجنسية، وعلى هذا الأساس فقد ضمت حظائر الرياضة بعض اللاعبين والمدربين وأطباء العلاج الطبيعي وأصحاب ورؤساء النوادي وقادة روابط المشجعين وسماسرة الملاعب مع النقاد والصحفيين والإعلاميين المتخصصين في الرياضة، إلى جانب كبار موظفي الهيئات والمؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة المهتمة بالرياضة وبعض الأثرياء ومحبي الشهرة وسيدات الترفيه، بينما ضمت حظائر الأدب بعض كاتبي الرواية والقصة والشعر والناشرين وأصحاب المطابع ومنافذ بيع الكتب مع النقاد والصحفيين والإعلاميين المتخصصين في الأدب، إلى جانب كبار موظفي الهيئات والمؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة المهتمة بالأدب وبعض الأثرياء ومحبي الشهرة وسيدات الترفيه، وبنفس النهج التنظيمي تنوعت عضوية حظائر السيطرة الأخرى في مختلف مجالات الشهرة التي شملت أيضاً السينما والموسيقى والغناء والإعلام والدعاية والإعلانات والعلاقات العامة والفن التشكيلي والتنمية البشرية وحقوق المجتمع المدني وما شابه، لتنشئ تلك الحظائر فيما بينها شبكة سرية أخطبوطية على شكل تنظيم هرمي يمارس أنشطته اليومية تحت الإشراف الحصري المباشر لأحد كبار المسئولين السياسيين في الدولة، رغم اختلاف المستوى التنظيمي للمشرف على حظائر السيطرة بتعاقب مراحل جمهورية الخوف الأولى مع التغييرات التي طرأت على أوضاعها صعوداً وهبوطاً، من رؤساء الاتحاد العام للجمعيات الأهلية حتى نواب رئيس الجمهورية مروراً بوزراء المجالات التي تحتضن المشاهير كالثقافة والإعلام والشباب والرياضة!!.
(4)
حصل مشاهير الحظائر من كافة مؤسسات الدولة والمجتمع بواسطة الأجهزة السيادية الراعية لهم على كل مالا يستحقونه من معطيات ضرورية لنجاحهم في مهام السيطرة، سواء كان ذلك قد استدعى توفير مستلزمات الإنتاج التي يحتاجونها أو ترويج منتجاتهم الكسيحة وإعادة تدويرها وتوزيعها لفرضها على جماهير المتلقين بالأوامر المباشرة، أو منحهم بدون وجه حق الجوائز الرسمية وغير الرسمية المخصصة لمجالاتهم والشهادات الأكاديمية المفبركة التي يتم استيرادها من الخارج بدرجات الدكتوراه في تخصصاتهم، أو تكرار استضافتهم في المؤتمرات والمهرجانات والندوات المحلية والإقليمية والعالمية وفي وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية والإلكترونية باعتبارهم نجوم يجب الاحتفاء بهم، أو تعيينهم على رأس المؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة ذات الصلة، أو إمدادهم بالتراخيص والامتيازات الاستثنائية اللازمة لتأسيس مشاريعهم التجارية الربحية أو دعمهم وتغطيتهم فيما يواجهونه من مشكلات قضائية وإدارية وضريبية، مع حصولهم على الاحتكار الحصري للشهرة الزائفة في مجالاتهم عبر الإجراءات التعسفية التي تتخذها تلك الأجهزة لصالحهم بهدف مساعدتهم على مطاردة المواهب الحقيقية المنافسة لهم، وصولاً إلى إقصاء الموهوبين خارج المجال قبل نجاحهم في إقناع جماهير المتلقين بالالتفاف حولهم نزولاً عند قاعدة البقاء للأفضل، في حين حصلت الأجهزة من مشاهير الحظائر على مقابل سخي جداً لخدماتها طوال عمر جمهورية الخوف الأولى الممتد ستين عاماً، ليس فقط بتغطية خطاياها وتمرير احتياجاتها داخل المحتويات الكسيحة لمنتجات أولئك المشاهير ذات الرواج الزائف في مختلف أوساط المجتمع المصري، ولكن أيضاً باستغلالها لهرم الحظائر المقلوب والسابق تشكيله من أعلى إلى أسفل بهدف احتلال الفراغات القاعدية في أوساط النخبة الموهوبة فعلاً، وصولاً لمنع ظهور تشكيلات نخبوية طبيعية تبدأ من أسفل إلى أعلى فتعبر عن الأفكار والآراء والاحتياجات الحقيقية لقواعد المجتمع الجماهيرية تجاه الدولة، مع استمرار الأجهزة السيادية في تحريك حظائر السيطرة بشكل مبرمج وموجه نحو دعم خطط تلك الأجهزة لتضليل المجموعات النخبوية وتشتيتها ونحو دعم مجهودات الأجهزة الرامية لغسيل أمخاخ العوام وتغييب وعيهم، إلى جانب استخدام الأجهزة السيادية للحظائر في محاصرة خصوم تلك الأجهزة من الموهوبين ذوي البأس والمهارة عبر التحرش بهم والتشهير بمنتجاتهم رفيعة المستوى لتشويهها وتحقيرها، بهدف وقف خطواتهم التصاعدية المرجحة أو على الأقل عرقلتها لإبطاء صعودهم وصولاً إلى تثبيتهم عند المستويات الأدنى من الشهرة والالتفاف الجماهيري لضمان بقائهم تحت مرمى النيران العادية للأجهزة، بالإضافة إلى استغلال الشهرة الزائفة لعضوات الحظائر من أجل تسهيل قيامهن بالعمليات القذرة المتمثلة في اختراق الحياة الجنسية الخاصة بالأشخاص المستهدفين، تمهيداً لتنفيذ الخطة المقررة ضد كل واحد من هؤلاء الأشخاص وفقاً لموقعه داخل قوائم الاستهداف!!.

(5)
كانت القاعدة النظرية الأهم المتفق عليها بين الأجهزة السيادية وتوابعها من مشاهير حظائر السيطرة خلال جمهورية الخوف الأولى هي أنه عندما ترتفع حدة الصراع الداخلي أو الخارجي إلى درجة الذروة القصوى، تقوم تلك الأجهزة بتوجيه كل الحظائر لتتحرك جميعها معاً كقطيع واحد نحو الاتجاه الداعم لخطط الأجهزة الهجومية أو الدفاعية، مستفيدة في تحركات الحظائر بالشهرة الزائفة السابق حصول مشاهيرها عليها والتي تكفل لهم تعبئة قطاعات واسعة من جماهير الشعب المصري للسير خلفهم بشكل يوفر الأغطية المجتمعية المطلوبة لخطط الأجهزة السيادية، إلا أن القاعدة النظرية المذكورة قد تعذر تنفيذها مع ارتفاع حدة الصراع على السلطة بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية "حسني مبارك" في بداية عام 2011 بسبب اختلاف مواقف تلك الأجهزة، حيث انحاز جهاز مباحث أمن الدولة لمبارك بينما اختار جهاز الاستخبارات العسكرية دعم المجلس أما جهاز المخابرات العامة فقد حاول التلاعب بذكائه المعهود على الطرفين لصالح رئيسه الذي كان طامعاً في السلطة لنفسه آنذاك، في حين كان الحياد هو موقف الأجهزة السيادية الأخرى كالاستعلامات والرقابة الإدارية وغيرهما، مما أتلف بوصلة التوجيه الشمولي للحظائر فراحت كل حظيرة تتحرك بعشوائية نحو اتجاه مخالف لأخواتها الأمر الذي أطال فترة إسقاط "حسني مبارك" لثمانية عشر يوماً كاملة، وقد استوعب المجلس الأعلى للقوات المسلحة هذا الدرس جيداً فقام بتوحيد كل الأجهزة مع كافة حظائر السيطرة التابعة لها خلفه قبل أن يخوض مجدداً صراع سلطة ضد رئيس الجمهورية "محمَّد مرسي" في منتصف عام 2013، ليضمن بذلك توجيه الحظائر لجميع التحركات الجماهيرية نحو الاتجاه المحدد سلفاً والذي يريده المجلس، وهكذا تواصلت الأنشطة العدائية المبرمجة بشكل مكثف على المحاور المختلفة للدولة والمجتمع ضد "مرسي" طوال فترة رئاسته التي لم تتجاوز عاماً واحداً، ليس فقط تعبيراً عن احتجاجات جماهير الشعب المصري حيال الصعوبات المعيشية الطبيعية أو المفتعلة ولكن أيضاً تنفيذاً لاحتياجات الأجهزة السيادية تجاه "محمَّد مرسي" في إطار الخطة الاستراتيجية للمجلس العسكري، والتي أسقطته خلال ثلاثة أيام فقط بفارق أسبوعين كاملين عن سابقه، ومع استمرار التجانس بين تلك الأجهزة استمر الانضباط هو السمة الغالبة لسلوك الحظائر عقب عزل "مرسي" عام 2013 حيث اصطفت بكاملها كالقطيع خلف المجلس العسكري ضد الرئيس المعزول "مرسي" وأنصاره، كما قامت بتنفيذ احتياجات الأجهزة الموجهة من المجلس فأخذت تدعو لدعم المجلس العسكري وللتعاون مع شركائه السياسيين المدنيين بوصفهم ثواراً وليسوا انقلابيين كما يعتبرهم خصومهم، في حين كانت مواقف الحظائر ذاتها قد تشتت عقب عزل "مبارك" عام 2011 بين دعم المجلس العسكري وحده أو التعاون مع شركائه السياسيين الإسلاميين وحدهم أو الاستمرار في تأييد الرئيس المعزول "مبارك" وأنصاره، ورغم أوجه الشبه العديدة بين عمليتي الإطاحة بالرئيسين "حسني مبارك" و"محمَّد مرسي" لاسيما فيما يخص ارتفاع درجة الاحتقان الشعبي المشروع ضدهما إلى حدها الأقصى بعد انكشاف الوجه القبيح لكليهما، أو فيما يخص اعتلاء المجلس العسكري رأس السلطة بدلاً منهما تباعاً بالاستخدام المباشر لقواته المسلحة، وهو الاستخدام الذي تمت تغطيته تحت مناورة مزدوجة قائمة على التمويه بالسواتر الاحتجاجية الجماهيرية والخداع بالواجهات السياسية الكرتونية، أو فيما يخص المباركة الأمريكية النفعية لعزل اثنين من رؤساء الجمهورية كانا يتفاخران أمام الشعب المصري بالصداقة الحميمة التي تربطهما مع الإدارة الأمريكية، فقد اختلفت الأجواء السياسية المحيطة بالرئيسين جذرياً حيث كان رموز الأجهزة السيادية وتوابعها المؤيدين لمبارك سواء داخل حظائر السيطرة أو بين صفوف الحزب الوطني، يحصلون على التمكين المطلق في كل مفاصل الدولة والمجتمع دون أن يفوزوا بأية أغلبية حقيقية طوال مدة حكمه البالغة ثلاثين عاماً، مقابل عدم حصول رموز الإخوان المسلمين وحلفائهم الإسلاميين المؤيدين لمرسي على أي تمكين من أي نوع في أي واحد من مفاصل الدولة والمجتمع، مع فوزهم بأغلبية الصناديق في كافة الانتخابات والاستفتاءات والاستحقاقات التصويتية التي شهدتها مصر طوال مدة حكمه البالغة عاماً واحداً مضافاً إليها عاماً ونصف العام هي مدة حكم المجلس العسكري السابق عليه، حيث استمرت تلك المفاصل بأيدي نفس رموز الأجهزة وتوابعها سواء داخل حظائر السيطرة أو بين فلول الحزب الوطني المستترين، ليخرجوا ألسنتهم في وجه الجميع وهم يواصلون الاستمساك بمثلث الفساد والاستبداد والتبعية للخارج، نظراً لأن هذا المثلث تحديداً هو الذي كانت احتجاجات يناير 2011 الشعبية قد اندلعت أصلاً للخلاص منه!!.
(6)
تظهر الفاشية التقليدية المباشرة عند قيام إحدى الجماعات السياسية بتمجيد ذاتها استناداً إلى بعض قواسم المجد المشتركة المزعومة لأعضاء الجماعة، وهي القواسم التي يتم اختيارها عمداً من عمق أحد العناصر الصالحة لذلك سواء كان عقائدياً أو عرقياً أو طبقياً، مع تحقيرها للجماعات البشرية الأخرى الخالية من قواسم المجد المشتركة المزعومة حتى أن خلوها من القواسم المذكورة يبرر حرمان أعضاء تلك الجماعات من المصالح والحقوق بل وأحياناً من الحياة، وفقاً لرؤية الجماعة الفاشية التي تسعى لفرض سيطرتها المركزية الصارمة على أعضائها أولاً، تمهيداً للسيطرة من خلالهم تباعاً على الآخرين المؤيدين ثم المحايدين ثم المختلفين بمن فيهم المحرومين المشار إليهم وصولاً إلى إشباع رغبتها الجامحة في الانفراد بحكم الدولة والمجتمع، ولتحقيق أغراضها فإن الجماعات الفاشية الحاكمة بالفعل أو الساعية للحكم لا يمكنها مطلقاً الاستغناء عن أدواتها الرئيسية المتمثلة في حظائر السيطرة، والتي تزداد أهميتها مع تطور الفاشية إلى المستويات المركبة أو المزدوجة لدى بعض الجماعات، وهو ما يحدث علمياً عند اندماج عنصرين أو أكثر من عناصر تمجيد الجماعة لذاتها واحتقارها للآخرين، كأن تضم قواسم المجد المشتركة المزعومة لأعضائها العنصرين العقائدي والطبقي مثل بعض الجماعات الشيوعية وأبرزها الجماعة البيروقراطية التي أقامت الجمهورية السوفيتية الستالينية في روسيا، أو تضم العنصرين العقائدي والعرقي مثل بعض الجماعات الدينية القومية وأبرزها الجماعة الشيعية الصفوية التي أقامت جمهورية الملالي في إيران، أو تضم العنصرين العرقي والطبقي مثل جماعات الانقلابات العسكرية وأبرزها جماعة "الحرس الحديدي" المعروفة باسم "الضباط الأحرار"، والتي أقامت جمهورية الخوف الأولى في مصر على مدى ستين عاماً ممتدة بين 1952 و2011، مع حالة استثنائية واحدة ضمت تركيبة معقدة من العناصر الثلاثة العقائدي والعرقي والطبقي معاً لتستند عليها الجماعات الفاشية الصهيونية في إقامة جمهورية إسرائيل، ونظراً لأن كافة الجماعات الفاشية المثلثة أو المزدوجة أو التقليدية هي بطبيعتها متعالية وإقصائية كما أنها تسعى كلها إلى الانفراد بالحكم فإن الصدام يكون حتمياً ودموياً فيما بينها وبالتالي بين حظائر السيطرة التابعة لها، ليس فقط على صعيد العلاقات الدولية الذي شهد خلال القرن العشرين عدة حروب عالمية وإقليمية عظمى بين أنظمة الحكم الفاشية المختلفة مما تسبب في سقوط ملايين الضحايا البشرية، ولكن أيضاً على الصعيد المحلي طوال عمر جمهورية الخوف المصرية الأولى، حيث اتسع نطاق الصدامات العنيفة المتبادلة بين الجماعة الفاشية الحاكمة من جهة والجماعات الفاشية الأخرى المحكومة كالشيوعيين البيروقراطيين الستالينيين والإخوان المسلمين من الجهة المقابلة، الأمر الذي تسبب في سقوط مئات الألوف من الضحايا المصريين أنصار هذا الفريق أو ذاك أو حتى الذين كانوا يحاولون اتخاذ الموقف الوسطي بين الفرقاء المتصادمين، ورغم أن أبرز مشاهير حظائر السيطرة التابعة للجماعات الفاشية الحاكمة والمحكومة استمروا يحصلون على درجات متفاوتة من الالتفاف الجماهيري الذي منحهم بعض الحصانة في مواجهة العنف الدموي لخصومهم أثناء تلك الصدامات، مثل "مرتضى منصور" رئيس نادي الزمالك ومحامي بعض رموز الطغمة العسكرية الحاكمة و"فهمي هويدي" الذي اشتهر بميوله الإخوانية مع شهرته في مجال الكتابة الصحفية و"تحية كاريوكا" الفنانة الشيوعية وغيرهم، فإن أعضاء حظائر السيطرة من الجماهير العادية قد أغرقهم العنف الدموي المتبادل بين الجماعات الفاشية المصرية المختلفة بعد أن طالهم النصيب الأكبر من تحقير خصومهم باعتبارهم مجرد "خرفان" الحظائر، ليس فقط لأنهم يتلقون تعليمات قياداتهم المركزية فيتحركون لتنفيذها كقطعان الخراف المجمعة ولكن أيضاً استناداً إلى تكتلهم داخل حظائرهم للاحتماء عند الدفاع أو الهجوم، وهكذا تفاقم العنف خلال المرحلة الزمنية الممتدة بين عامي 2011 و2015 والتي شهدت أربعة رؤساء جمهورية متتالين، هم "حسين طنطاوي" رئيس المجلس العسكري المكلف بموجب بيان اعتزال "مبارك" ثم "محمَّد مرسي" الإخواني الذي حاصره المجلس العسكري وقيد تحركاته ونزع عنه سلطاته ثم"عدلي منصور" الحاكم الصوري كواجهة للمجلس العسكري، وأخيراً "عبدالفتاح السيسي" الرئيس الجديد للمجلس العسكري والذي كان هو الحاكم الفعلي لمصر منذ الإطاحة بالرئيس "حسني مبارك" ونائبه "عمر سليمان" ورئيس وزرائه "أحمد شفيق" تباعاً في شهر فبراير عام 2011، وقد وقفت مصر أثناء تلك المرحلة الزمنية الانتقالية عدة مرات على أعتاب الحرب الأهلية الشاملة مع اتساع نطاق المذابح المتبادلة بين "خرفان" حظائر السيطرة التابعة للجماعات الفاشية الحاكمة والمحكومة!!.
(7)
عقب انتهاء العدوان الثلاثي بانسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية من الأراضي المصرية المحتلة عام 1956 إثر تلقيهم إنذاراً سوفيتياً بالتدخل العسكري لقوات المعسكر الاشتراكي ضدهم، أدرك رئيس الجمهورية "جمال عبدالناصر" أن استمرار حكمه لمصر أصبح يعتمد على دعم الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي فحاول كسب ودهم عبر الترويج لنظامه الاقتصادي والسياسي باعتباره اشتراكياً، إلا أن هذه المحاولة اصطدمت بموقف بعض الشيوعيين المصريين الموزعين على عدة منظمات وحلقات، والذين رغم خلافاتهم حول التفاصيل المتعلقة بطبيعة المرحلة الناتجة عن الانقلاب العسكري الذي قاده "عبدالناصر" عام 1952، كانوا يتفقون على حقيقة أن نظام الحكم الانقلابي ليس اشتراكياً حتى أن أكثر تلك المنظمات اقتراباً من العسكريين وهي "حدتو" وصفتهم بأنهم يمثلون رأسمالية الدولة الوطنية الشمولية، وقد اعتقدت الأجهزة السيادية أن الصعوبات التي اعترضت خطط "جمال عبدالناصر" لكسب ود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي آنذاك كانت ترجع إلى الموقف السلبي الذي اتخذه هؤلاء الشيوعيون المصريون تجاهه، فأخذت تلاحقهم وتحاصرهم في شتى المجالات بهدف الضغط عليهم لدفعهم نحو إعادة مراجعة ذلك الموقف السلبي إلا أن ممارسات الأجهزة قد أسفرت عن نتيجة عكسية، حيث شعر الشيوعيون الموزعون على عدة منظمات وحلقات بوحدة الخطر الذي يهددهم فاتجهوا نحو المزيد من التقارب فيما بينهم حتى اتحدوا يوم 8 يناير 1958 تحت اسم "الحزب الشيوعي المصري"، كإجراء تنظيمي ضروري للدفاع عن أنفسهم في مواجهة الخطر المشترك لتلك الأجهزة مع التزامهم بقرار عدم منح نظام حكم "عبدالناصر" وصف "اشتراكي" الذي يسعى إليه طالما هو ليس كذلك، وعلى أساس الالتزام بالقرار المذكور تم اختيار قيادة ثلاثية للحزب كان آخر تشكيلاتها يتكون من "إسماعيل المهدوي" و"أبوسيف يوسف" و"شوقي مجاهد"، كما ذكر المؤرخ الرسمي للشيوعيين المصريين "رفعت السعيد" في صفحتي 208 و209 من كتابه الشهير "تاريخ الحركة الشيوعية المصرية بين عامي 1957 و1965"، وانزعجت الأجهزة السيادية بشدة من إعلان الحزب الشيوعي المصري عن عودته التنظيمية لممارسة العمل السياسي بعد أن كانت الأجيال السابقة لتلك الأجهزة قد حلته عام 1924، كما انزعجت الأجهزة بنفس الشدة من استمرار رفض الحزب لوصف نظام حكم "جمال عبدالناصر" بالاشتراكي، حيث اعتبرت الأجهزة السيادية أن ذلك الموقف المزدوج للحزب يشكل تحدياً مباشراً ليس فقط لعقيدتها الأمنية الكارهة للشيوعيين، ولكن أيضاً لقرار "عبدالناصر" القائد الأعلى لتلك الأجهزة بإلغاء الحياة الحزبية نهائياً من الخريطة السياسية المصرية، عبر حله السابق لجميع الأحزاب القائمة وحظره التام لإعادة إحيائها أو إنشاء غيرها بما فيها الأحزاب التي سبق حلها قبل انقلاب 1952، فسارعت الأجهزة في يناير 1959 باعتقال حوالي عشرة آلاف مواطن مصري تحت اسم "قضية الشيوعية الكبرى" وكان من بينهم "إسماعيل المهدوي" وزوجته "زينات الصباغ"، بالإضافة إلى ابنهما كاتب هذه السطور الذي شاء قدره أن يرافقهما في محنة الاعتقال محمولاً داخل أحشاء الأم ثم معلقاً على صدرها خلف الأسوار الرهيبة لمعتقلات عقد الستينيات المرعبة!!.
(8)
تم إيداع "إسماعيل المهدوي" بسجن "الواحات" الواقع جنوب الصحراء الغربية أما زوجته الحامل في أسابيعها الأخيرة "زينات الصباغ" فقد تم إيداعها بسجن "القناطر" الواقع في وسط الدلتا، وكانت وجبة التغذية اليومية المخصصة للمعتقلين السياسيين والتي يسمونها تهكماً "جراية الجوع" تقتصر على رغيف خبز عفن وقطعة جبن متحجرة وثلاث ورقات من نبات الجرجير مع عدة حشرات وديدان حية لكل شخص، وقد تحملها المعتقلون الشيوعيون على مضض حتى وضعتني أمي وأسمتني "طارق" تيمناً بالنجم الثاقب الوارد في القرآن الكريم حسب وصية أبي، وبمجرد ولادتي أصيبت أمي بالشلل نتيجة لسوء التغذية فعجزت عن إرضاعي مما أصابني بالجفاف الذي هددني بالموت قبل أن يراني أبي، وسرعان ما تسرب الخبر عبر زوار المسجونات بأحكام جنائية لينتشر داخل البلاد وخارجها، ورغم عزل المعتقلين الشيوعيين عن بعضهم بتشتيتهم بين عشرات السجون العمومية والمؤقتة والكهوف والمعسكرات والقشلاقات وأقبية الأجهزة السيادية المسماة بالبيوت والمقرات ودور الضيافة الآمنة والموزعة على امتداد الأراضي المصرية، فقد تخاطبوا معاً عبر رسائل ورقية متبادلة ابتلعها المسجونون بأحكام جنائية ليحملونها داخل أمعائهم وهم يجوبون معتقلات المحروسة طولاً وعرضاً، وقرر الشيوعيون الإضراب الجماعي عن الطعام حتى الموت طلباً لمعاملة أفضل لاسيما فيما يتعلق بالتغذية حفاظاً على حياتي وحياة أمي التي كان الشلل قد أعجزها عن إرضاعي، ولكيلا يتسع نطاق الإضراب فيشمل عشرات ألوف المواطنين الآخرين من معتقلي الفصائل السياسية الليبرالية والإسلامية المعارضين لحكم العسكر، استجابت الأجهزة إلى مطالب الشيوعيين التي كان من بينها زيادة حصصهم الغذائية وتحسين نوعياتها مع نقلي بصحبة أمي لمستشفى السجن حيث يمكننا الحصول على الحد الأدنى من الرعاية الطبية اللازمة إلى كلينا، ثم سمحت لضابط السجون الإخواني الشاب "علاء بسيوني" الذي أصبح لاحقاً وكيل أول وزارة الإعلام للشؤون الأمنية باصطحابي معه داخل سيارة ترحيلات الشرطة، خلال رحلتها الشاقة بين سجني "القناطر" و"الواحات" لمسافة ألف وخمسمائة كيلومتراً ذهاباً وإياباً حتى يراني أبي للمرة الأولى في حياته، ورغم كوني طفلاً رضيعاً فقد وضعتني تلك الأجهزة منذ ذلك الحين حسبما تفيد أوراقها الرسمية على رأس قائمة "الأشواك المحتملة" التي تضم الأبناء المتضررين مما سبق أن ارتكبته الأجهزة السيادية ضد آبائهم فيما مضى، والذين تعتبرهم الأجهزة أشواكاً محتملة يجب كسرها مبكراً كإجراء أمني استباقي يهدف إلى اتقاء شرور الأعمال الانتقامية المستقبلية التي قد يشنها هؤلاء الأبناء ثأراً لآبائهم، بدافع من غريزة القصاص المتجذرة في الأعماق الإنسانية والمقدسة لدى عوام المصريين، ثم تكفلت التطورات الطبيعية لأفكاري وآرائي وأنشطتي السياسية طوال الخمسة وخمسين عاماً اللاحقة بتصعيدي المتتالي على سلم قوائم تلك الأجهزة للأشخاص المستهدفين، من قائمة الأشواك المحتملة إلى قائمة المشاغبين الهواة ومنها لقائمة المعارضين المحترفين ثم إلى قائمة الخصوم المزعجين وأخيراً قائمة الأعداء الخطرين الواجب إزالتهم كما ورد في الأوراق الرسمية للأجهزة السيادية، وهي نفسها الأوراق التي كشفت عدة تفاصيل تتعلق بما طرأ من تطورات على خطط الأجهزة لتنفيذ قرار إزالتي، لاسيما في أعقاب اعتراض بعض قادة تلك الأجهزة على استخدام أسلوب الإزالة الجسدية المكشوفة والصريحة ضدي، ثم نجاحي في تحاشي الأفخاخ المتتالية للإزالة الجسدية المستترة والنظيفة بفضل العناية الإلهية إلى جانب احتياطاتي الدفاعية المبكرة، مما كان لابد معه من الاستعانة بحظائر السيطرة لتمارس ضدي شرورها المؤدية إلى الإزالة الأدبية والمعنوية!!.
(9)
مع حلول عام 2012 أرسل لي أحد الإعلاميين من نجوم البرامج الحوارية في قنوات التليفزيون الفضائية مظروفاً ضخماً يحوي بعض أوراق الملف الأمني الخاص بي، والتي كانت قد وصلته عقب نجاح جماهير المحتجين المصريين الغاضبين في انتزاعها خلال قيامهم باقتحام مقرات جهاز مباحث أمن الدولة على مدى العام المنصرم، لإنقاذ الملفات الأمنية الهامة من أيدي فلول جمهورية الخوف الأولى الساعين لإتلافها بهدف إخفاء أدلة إثبات جرائمهم وخطاياهم، وأوضح النجم التليفزيوني اللامع في خطابه المرفق مع الأوراق أنه بذلك يحاول رد جميل سابق لي في عنقه أثناء إشرافي قبل ثلاثين عاماً على المكتب الإعلامي باللجنة الأهلية لرعاية المعتقلين والسجناء السياسيين، حيث أسفرت حملتي الإعلامية آنذاك عن سماح الأجهزة السيادية له باستكمال دراسته الجامعية من داخل زنزانته التي كان محتجزاً فيها تحت التحقيق على ذمة إحدى قضايا الرأي السياسي، أما الذي وصلني منه داخل المظروف الضخم فكان عبارة عن صورة ضوئية لعشرات الأوراق الرسمية التي تشكل الجزء "السري" من ملفي الأمني، بما تحتويه من إشارات عديدة لوجود أوراق رسمية أخرى تشكل الجزأين "السري جداً" و"السري للغاية" من الملف ذاته، وهما الجزءان اللذان اتضح لاحقاً أنهما قد انتقلا من مقرات جهاز مباحث أمن الدولة فور اقتحامها إلى مقرات الأجهزة السيادية الأخرى بمهارة شديدة حالت دون أن يتمكن المقتحمون الغاضبون حتى من الاطلاع عليهما، ليلحق بهما أيضاً أصل الجزء "السري" بعد تصويره ضوئياً من قبل المقتحمين، وتراوحت الأوراق الرسمية التي وصلتني بين تقارير المعلومات والتقديرات والعمليات مع بعض التقارير الجامعة لذلك كله كالمتابعات والمقابلات وحصاد الاتصالات المتبادلة بشأني بين مختلف الأجهزة، سواء باسمي الحقيقي "طارق المهدوي" أو باسمي المختصر "تو" أو باسمي الحركي "الرفيق سيف" مسبوقاً في الحالات الثلاث بأوصاف استخفافية واستنكارية مثل المشاغب والمتمرد والشقي والمخرب والعنيد وأحياناً العدو، إلى جانب التفريغ الورقي لبعض الأفلام التسجيلية المصورة والشرائط الصوتية التي تحوي مساهماتي في المؤتمرات والندوات الفكرية والسياسية العامة، ومشاركاتي في الجلسات الاجتماعية المختلفة بل وأيضاً حواراتي الشخصية وأحاديثي الغرامية سواء المباشرة أو الهاتفية أو البريدية، مع إرفاق لكتبي وأبحاثي ومقالاتي الصحفية المنشورة داخل مصر وخارجها، بالإضافة إلى أنشطتي السرية المتعددة في صفوف الحركة الشيوعية المصرية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لاسيما محاضراتي النظرية في مدارس تثقيف الكادر الحزبي وكتاباتي المرسلة للنشر بالمطبوعات الشيوعية مثل "اتحاد الشعب" و"الوعي" و"الانتصار"، أو في سلسلة كراسات التوجيه السياسي مثل كراسة "حرب التحرير الشعبية هي طريق الشعب المصري للتحرر الوطني"، وهي الكراسة التي صدرت عام 1981 عن حزب 8 يناير الشيوعي المصري وتسببت في نقلي من قائمة الخصوم المزعجين إلى قائمة الأعداء الخطرين الواجب إزالتهم بمعرفة الأجهزة السيادية كما ورد في أوراقها الرسمية، تلك الأوراق التي كشفت عن وجود أنشطة معادية استهدفتني خلال فترة طفولتي الثانية بالتعليم الابتدائي ليس فقط في مجالات المعلومات والتقديرات ولكن أيضاً في مجال العمليات القذرة، كما كشفت مدى اتساع نطاق الاستخدامات القذرة لمشاهير حظائر السيطرة الرياضية والثقافية والإعلامية في استهداف أفكاري وآرائي وأنشطتي العامة والخاصة، كغيري ممن رفضوا دخول الحظائر لتظل الأجهزة تستهدفهم تحت مبررات معلنة واهية طوال عمر جمهورية الخوف الأولى!!.
(10)
خضع أبي "إسماعيل المهدوي" لقرار الأغلبية داخل قيادة الحزب الشيوعي المصري بحل حزبهم عام 1965 تحت ضغط استمرار اعتقالهم لستة أعوام متتالية مع خداعهم بمبررات تضليلية انطلت عليهم، مفادها ضرورة إسهامهم في تهدئة الجبهة الداخلية بما يكفل تأمينها إلى الدرجة التي تدعم الجهود العسكرية المبذولة لدحر الغزاة الصهاينة وتحرير التراب الوطني والقومي من احتلالهم، حسب تعهدات رئيس الجمهورية "جمال عبدالناصر" ومساعديه من كبار قادة الدولة والجيش والحزب الحاكم، حتى أن أبي أخذ يدعو مختلف الفئات النخبوية والجماهيرية في كتاباته الصحفية واسعة الانتشار آنذاك إلى الالتفاف حول ما كان "عبدالناصر" ومساعدوه يطلقونه من تهويشات التحرر الوطني وجعجعات التوحد القومي وأكاذيب التطور الاشتراكي، فلما تعرضت مصر بعد عامين اثنين فقط لهزيمة 5 يونيو 1967 الكارثية المخزية التي أضاعت شبه جزيرة سيناء وقناة السويس مع هضبة الجولان السورية إلى جانب المتبقي من أراضي فلسطين، انكسرت أحلام أبي الوطنية والقومية التي كان قد سبق أن ضحى من أجلها بأحلامه الديمقراطية والاجتماعية عبر مشاركته في حل الحزب الشيوعي، كما تفاقم شعوره بالذنب الأدبي وتأنيب الضمير المهني نظراً لمساهماته الصحفية في تضليل الرأي العام رغم أنه هو نفسه كان من أوائل الذين تم تضليلهم، بواسطة الأجهزة السيادية المتخصصة ليس فقط في القهر ولكن أيضاً في التضليل والتمويه والخداع والمناورة، فأصابته صدمة عصبية عنيفة ما لبثت أن تفاقمت على وقع المسيرات المفبركة التي نفذتها حظائر السيطرة بتوجيهات تلك الأجهزة يومي 9 و10 يونيو 1967 لتكريس استمرار حكم "جمال عبدالناصر" ومساعديه الذين يتحملون المسئولية الكاملة عن الهزيمة، وفي محاولة منه لتصحيح موقفه أمام سجلات التاريخ وجه أبي اتهامات علنية إلى "عبدالناصر" وكل مساعديه من كبار قادة الدولة والجيش والحزب الحاكم بتعمد إضاعة الوطن، كما وجه إدانات صريحة إلى كافة الأطراف السياسية المشاركة في الحكم أو المتواطئة معه أو التي تم استخدامها كأدوات مثله هو شخصياً أو التي اكتفت بالمراقبة السلبية، لعجزهم جميعا عن اكتشاف التضليل والخداع بما كان يقتضيه من تحاشي الوقوع في أفخاخهما مع كشف تلك الأفخاخ على الملأ تمهيداً لمقاومتها، وبدأ يطالب بتنحي الرئيس "جمال عبدالناصر" ومساعديه وعودة الجيش إلى ثكناته العسكرية، دون اللجوء إلى مناورات تخرجها الأجهزة لينفذها مشاهير حظائر السيطرة الرياضية والثقافية والإعلامية على أسفلت الشوارع المصرية بدلاً من الملاعب والمسارح والاستديوهات كما حدث يومي 9 و10 يونيو 1967، إلا أن مفردات الحكمة الكامنة داخل أعماق دعوته قد توارت خلف الغيوم العصبية الكثيفة التي أحاطت بتلك الدعوة فتحالف الكثيرون ضده، لاسيما الأجهزة السيادية التي ضاقت بارتفاع صوته ولم تتحمل مطالبه لتجاوزها النص الرسمي التضليلي المخادع بأنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وإزالة آثار العدوان" وهو النص السابق توزيعه وتعميمه من قبل تلك الأجهزة على مشاهير الحظائر ليقوموا بتنفيذ تنويعاته المختلفة حسب مجالاتهم ومهاراتهم دون أية إشارة إلى أن المسئولين عن الهزيمة يستحقون المحاسبة، وهكذا فإن الطائرة التي كان يفترض أن تقل أبي من إحدى المدن الأوروبية لمدينة أوروبية أخرى في عام 1969 أعادته إلى "القاهرة" مخطوفاً ومكبلاً بالأغلال الحديدية تحت الإشراف المباشر لقادة الأفرع الخارجية في الأجهزة، التي انفردت به لتحاول السيطرة عليه بفصله من عمله الصحفي وإغلاق منابر التعبير المحلية أمامه مع منعه من النشر الصحفي في منابر التعبير العربية والأجنبية تحت تهديده بفبركة تهمة تخابر مع دولة معادية، دون أن تتوقف إغراءاتها المعروضة عليه مقابل عودته إلى سابق عهده كعضو لامع في حظائر السيطرة الرسمية أو على الأقل التزامه الصمت، إلا أن فشل كل محاولات الأجهزة السيادية للسيطرة عليه دفعها لتنفيذ خطتها البديلة والأخيرة في يوم الخامس من إبريل عام 1970 والذي شهد أحداثاً كانت ومازالت وستظل محفورة داخل وجداني كجداريات الفراعين الأوائل!!.
(11)
في صباح 5 إبريل 1970 كنت كأي طفل يبلغ العاشرة من عمره أتقافز خلف باب الشقة انتظاراً لسماع نفير الحافلة التي تقلني يومياً إلى مدرستي الأجنبية المميزة، وكانت أمي تجلس على مائدة الطعام المجاورة للباب تقطع الجبن والبيض والحلاوة الطحينية إلى شرائح تضعها في الخبز الأفرنجي لترصه داخل الأكياس الورقية الثلاثة الموزعة على حقائب أيدينا أنا وهي وأبي، دون أن تنسى صنع فنجان القهوة التركي السادة فوق الموقد الكحولي الصغير جداً المسمى "سبرتاية"، لأبي الذي كان يحلق ذقنه أمام مرآة الحمام القريبة من باب الشقة تمهيداً لذهابه إلى محكمة القضاء الإداري سعياً منه لاسترداد بعض حقوقه الوظيفية المسلوبة، وبمجرد سماعي لنفير الحافلة سارعتُ بفتح الباب حتى أنطلق إلى مدرستي وأقراني حيث اللهو والأنشطة مع الاستذكار، لكن الباب انفتح على حائط سد يتكون من عشرة عماليق بكامل ملابسهم العسكرية والشرطية وهم يحملون مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وخلال أقل من ثانية كان أحدهم قد رفعني لأعلى مكبِلاً حركات جسدي بيمناه وكاتِماً صوتي بيسراه، ورغم الرعب الذي داهمني فقد سمح لي موقعي المرتفع بمشاهدة تفاصيل الأحداث لتسجيلها في ذاكرتي كأنني آلة تصوير وثائقية، حيث اتجه عملاق آخر صوب أمي وضربها على رأسها بمؤخرة مسدسه الحديدي لتسقط أرضاً وهي غارقة في دمائها بين الحياة والموت، وقام ثالث بقطع سلك الهاتف مستخدماً "سونكي" البندقية ثم ألقى بآلة الهاتف السوداء الضخمة على الأرض، وأخذ يركلها ويدهسها حتى نجح في تفتيتها تحت حذائه الميري "البيادة" المثقوبة اثنا عشر ثقباً مزدوجاً من أعلاها والمدقوقة بحدوتي حمار حديديتين في أسفلها، بينما هجم السبعة الباقون على أبي ليعطونه حقنة شل حركة مؤقت أفقدته الحواس والإدراك وجعلته يسير كالنائم بين أياديهم الغليظة القابضة على جسده في شكل دائري وهم يسحبونه معهم خارج الشقة، التي أغلقوها بالأقفال بعد أن كان العملاق الأول قد ألقاني أرضاً بعنف شديد حطم عمودي الفقري تاركاً إياي مع أمي الممددة وسط دمائها بلا حراك، في عهدة جيران مسالمين أفاقوا من النوم لتوهم على تلك التجريدة المملوكية فاضطروا وهم يرتعدون إلى كسر الباب واستدعاء الإسعاف الطبي لعلاجنا بدعوى تعرضنا لحادث سطو مسلح من قبل لصوص مجهولين، واكتشف الجميع لاحقاً أن أبي تمت معاقبته بموجب سيناريو شيطاني هو الأول من نوعه على امتداد التاريخ والجغرافيا، نظراً لارتفاع صوته خارج النص الرسمي السابق للأجهزة السيادية تعميمه على حظائر السيطرة بشأن هزيمة 5 يونيو 1967، حيث تم إيداعه في غرفة انفرادية داخل العنبر الخاص بالمذنبين في مستشفى المجانين دون أن يحظى بمحاكمة كالتي يحصل عليها المذنبون ودون أن يحظى بعلاج كالذي يحصل عليه المرضى، فكان وضعه أشبه بالاعتقال داخل إحدى زنازين الحبس الانفرادي في محيط غرائبي موحش تسوده الهيستيريا التي تدفع بالمحيطين حيناً إلى الانتحار وأحياناً نحو الاقتتال، ليستمر ذلك السيناريو الشيطاني ثمانية عشر عاماً متتالية تعاقب خلالها على رئاسة الجمهورية ثلاثة عسكريين هم "جمال عبدالناصر" ثم "أنور السادات" ثم "حسني مبارك"، أما أنا فقد أصابتني أحداث 5 إبريل 1970 بالعديد من الأوجاع لعل أشدها هو الكابوس الاسترجاعي الذي ما انفك يداهمني بتفاصيل يومذاك وكأنه الأمس القريب، ولعل أخفها كان ضيق ذات اليد المفاجئ لاسيما مع تنصل أفراد العائلة وزملاء العمل الصحفي ورفاق الحركة الشيوعية من مسئولياتهم التضامنية تجاه أسرتنا، الأمر الذي تسبب في إدخال عدة تعديلات جوهرية على مساراتي الحياتية المختلفة مثل نقلي عند بداية العام الدراسي التالي من مدرستي الأجنبية المميزة، لألتحق بالصف الخامس الابتدائي في مدرسة "صلاح الدين الأيوبي" الحكومية المجانية الواقعة بين اثنين من النوادي الرياضية المغمورة هما نادي "النصر" ونادي "الغابة" على أطراف ضاحية "مصر الجديدة" آنذاك!!.
(12)
بدافع من مسئولياته التربوية التي تسبق دوره التعليمي حاول الأستاذ "عزت" ناظر مدرسة "صلاح الدين الابتدائية" مداواة أوجاعي المترتبة على أحداث الخامس من إبريل 1970، بالترويح عني عبر إشراكي في فرقة الأشبال المدرسية التي يشرف عليها الكابتن "مصطفى" مدرس الألعاب الرياضية بالمدرسة، حيث كان الأشبال يُخَيِّمون يومياً لمدة ساعتين عقب انتهاء الحصة الأخيرة في أحد الناديين المجاورين بالتناوب، لاكتساب المهارات البدنية وبعض قواعد التنمية البشرية والمعلومات العامة المؤهلة لخوض مسابقة وزارة التربية والتعليم السنوية لأشبال مصر، إلا أن "عزت" و"مصطفى" قد فوجئا كغيرهما بفوزي في مسابقة عام 1971 وحصولي على لقب شبل مصر الأول مما جعلني نجماً تسعى النوادي الرياضية الكبرى إلى اجتذابي لعضويتها، الأمر الذي أزعج الأجهزة السيادية فحاولت إجهاضه حسبما تفيد أوراقها باستدعائها لناظر المدرسة ومدرس الألعاب الرياضية من أجل التنبيه عليهما مشدداً بعدم تقديم طلب الاشتراك في مسابقة عام 1972، لضمان تفويت الفرصة على مشاركتي التالية بهدف وقف نجوميتي وتجميدها عند الحد الأدنى الذي يبقيني في مرمى النيران العادية لتلك الأجهزة، إلا أن الرجلين بعد تشاورهما مع أعضاء هيئة التدريس ومجلس الآباء ذهبا سوياً لتقديم طلب الاشتراك في اليوم الأول للمهلة المحددة من قبل وزارة التربية والتعليم، مما ترتب عليه صدور عدة قرارات إدارية بحقهما استناداً لتحقيقات وهمية في شكاوى مفبركة ضدهما، وقد شملت القرارات المذكورة فيما شملته الخصم من الراتب وتخفيض الدرجة الوظيفية والنقل إلى أقصى أطراف الخريطة المصرية، ليس فقط لمعاقبتهما على مخالفة تعليمات الأجهزة بشأني ولكن أيضاً حتى يستطيع مشاهير حظائر السيطرة التابعون للأجهزة السيادية أن ينفردوا بي لتنفيذ الخطة البديلة أثناء مجريات المسابقة التي استضافها ستاد القاهرة، ورغم تجمع الأشبال المتسابقين حسب الموعد المحدد سلفاً عند الساعة العاشرة صباح أحد أيام صيف 1972 فقد أبلغنا المسئولون بتأجيل موعد افتتاح المسابقة إلى الثانية عشرة ظهراً، ليحصل مشاهير الحظائر على فرصة زمنية كافية لتنفيذ الخطة الشيطانية التي وضعتها تلك الأجهزة ضدي، حيث ناداني لاعب كرة قدم شهير أصبح لاحقاً مدرباً شهيراً لينصحني باستمرار النفخ في كومة رماد مجاورة لحين خروج النار منها، وهو يؤكد لي أنه شخصياً يؤدي هذا التدريب بانتظام للحفاظ على قوة أنفاسه، وما أن خرجت النار من الرماد بعد نفخي المتواصل لمدة ساعة كاملة عملاً بنصيحة اللاعب الشهير حتى ناداني زميله الذي لا يقل عنه شهرة والذي أصبح لاحقاً رئيس أحد الأندية الكبرى، ليسألني عما إذا كانت التفاحتان اللتان أرسلهما لي مع فتاة الإعلانات الصغيرة قد وصلتاني، مؤكداً أنه شخصياً يتناول التفاح بانتظام للحفاظ على قوة عضلاته وحضوره الذهني رغم صعوبة استيراده من الخارج آنذاك، وهو يشير إلى الفتاة ذات النضوج الجسماني المبكر والتي تزوجت ابنه لاحقاً بعد أن أصبحت نجمة إغراء سينمائية شهيرة قائلاً ها هي تحتفظ لك بالتفاحتين داخل ملابسها العلوية، فما كان مني سوى التوجه نحوها لتستقبلني بدلال مثير قبل أن تفتح قميصها لأجدني أمسك لأول مرة في حياتي ثدياً أنثوياً عفياً، ما كان من صاحبته إلا أن مدت يدها لتعبث بعورتي وهي تطلق فحيحاً رقيعاً يقول "واحدة بواحدة يا كابتن والبادي ما يشتكيش"، وهكذا أسفر النفخ المتواصل في الرماد عن قطع أنفاسي بينما أسفرت الملامسات اليدوية المتبادلة الأولى مع الجنس الآخر عن قطع تركيزي فلم يكن أمامي غير الانسحاب من المسابقة عند بدايتها، الأمر الذي أسعد الأجهزة حسبما تفيد أوراقها باعتباره نجاحاً لخطة السيطرة على شوكة الشبل "تو" الذي يبلغ الثانية عشرة من عمره!!.
(13)
رغم أن الدعارة هي المهنة الأولى في التاريخ البشرى فإن هناك مهنة سبقت التاريخ البشري أصلاً وهي الإعلام الذي كان قرود الغابة ومازالوا يمارسونه بشكل غريزي، عند اعتلائهم قمم الأشجار للاستعلام والاستخبار عن مجريات كل ما يحدث في الأسفل ثم فرز حصيلة المعلومات التي لديهم، تمهيداً لإعلام بعض أطراف الغابة حصرياً دون الآخرين بما يخصهم من تلك المعلومات حسب ولاء وميول القرود الذين يقومون بإعلام زبائنهم المستهدفين عبر إشارات حركية وصوتية متعارف عليها بين الطرفين، فالقرد السلطوي يميل إلى إعلام الأسد ملك الغابة بما يخصه من أخبار مثل قدوم غريم له أو خيانة إحدى زوجاته أو استعداد أحد أشباله للتمرد، بينما يميل القرد الشعبي إلى إعلام الفرائس من حيوانات الغابة الضعيفة باقتراب أخطار الكواسر والجوارح والزواحف، أما عموم القرود المسالمين فيميلون إلى إعلام كل أطراف الغابة بالأحداث المحايدة مثل حالة الطقس والكوارث الطبيعية والحرائق المشتعلة وأسراب الجراد الغازية، وقد حرص قادة المجتمعات البشرية منذ بداياتها الأولى على اتخاذ مساعدين لهم يستخدمون النيران والأدخنة والطبول والأبواق والحمام الزاجل والحمير المدربة وغيرها من الوسائل البدائية لإعلام شعوبهم بما يريدونه منهم، أما الشعوب فكانت قد اختارت من جانبها بعض أبنائها ذوي خفة الدم واليد وفهلوة الحديث ليمارسوا الإعلام الشعبي البيني المتبادل ومنحتهم اسم "الهجاصين"، حيث كان يتم استئجار "الهجاص" من قبل أصحاب السلع والمحلات التجارية ومقدمي الخدمات والأنشطة المختلفة وأهل المناسبات السعيدة والحزينة لإعلام الجماهير بما لدى هؤلاء وأولئك، عبر الحركات الجسدية الراقصة والنداءات المحببة للعوام والتي كان أشهرها نداء "بص بص بص ... من ده بكرة بنص"، ولم يتم إطلاق اسم "إعلامي" بدلاً من "هجاص" لوصف نفس المسمى الوظيفي رسمياً إلا مع إنشاء مصلحة الاستعلامات المصرية عام 1954، رغم أنه قد سبق ذلك ظهور أسماء وظيفية قريبة مثل اسم "الجورنالجي" الذي ظهر عقب دخول الطباعة إلى مصر في أواخر القرن الثامن عشر بعد ما يزيد على ثلاثة قرون من اختراعها في "ألمانيا"، واسم "المذيع" الذي ظهر عقب تأميم شركة "ماركوني" الصوتية الإيطالية وتحويلها إلى الإذاعة المصرية عام 1934 حتى أن إعلانات شركة "ماركوني" لتوظيف المذيعين الجدد ظلت إلى حين تأميمها تنص على طلب تعيين هجاصين، علماً بأن القضاء الشرعي المصري استمر حتى إلغائه وإخضاعه إلى القضاء المدني عام 1954 يرفض الاستماع لشهادات الهجاصين باعتبارهم من فئات المجتمع النجسة التي ينقصها العقل والدين، ومع ذلك لم يتوقف تدافع الكثيرين وتزاحمهم على ممارسة مهنة الهجص مدفوعين بحب المال أو هوس الشهرة، والتقطت الأجهزة السيادية لجمهورية الخوف الأولى منذ وقت مبكر كل المعلومات الخاصة بفئة الهجاصين وفحصتها باهتمام شديد، فأدركت أن تلك الفئة التي تعاني من الاحتقار النخبوي والاحتضان الجماهيري في الوقت ذاته هي الأصلح لإنشاء حظائر السيطرة، بتلميع وتنجيم الهجاصين من توابع الأجهزة ليصلوا إلى أعلى درجات الثراء والشهرة مع استمرار إمساك تلك الأجهزة بالخيوط التي تقبض على أعناقهم لضمان استمرار التبعية، وكان تفوقي الدراسي قد سمح لي بالتخصص الجامعي في مجال العلوم السياسية الذي يوفر لخريجيه فرص عمل حصرية بالوظائف الدبلوماسية أو الاستراتيجية أو الإعلامية، وقد انغلق التخصص الدبلوماسي أمامي لانخراطي المبكر داخل صفوف الحركة الشيوعية السرية مع إغلاقي أنا من جانبي للتخصص الاستراتيجي الذي يتطلب أنشطة شبه تجسسية لا تليق بي، فلم يكن متبقياً سوى التحاقي بالمجال الإعلامي كطالب جامعي متدرب منذ سبعينيات القرن العشرين واستمراري فيه حتى اليوم لمدة قاربت الأربعين عاماً، موزعة بين وزارة الإعلام والهيئة العامة للاستعلامات واتحاد الإذاعة والتليفزيون والصحافة الرسمية والحزبية والخاصة والعربية والأجنبية والقطاعات الإعلامية لوزارة الخارجية والمخابرات العامة ومجلس الشورى ورئاسة الجمهورية، وبتقادمي الزمني في المجال الإعلامي تأكد لي أن الكثيرين من زملائي مازالوا في أعماقهم الحقيقية هجاصين فعلاً رغم أنهم أصبحوا إعلاميين اسماً، لاسيما وقد تكفلت الأعوام الخمسة الأخيرة بكشف مدى فجور المتحولين من مشاهير الإعلاميين شاغلي قمم حظائر السيطرة التابعة للأجهزة السيادية، وهم يأكلون بشراهة فاجرة فوق موائد كافة أنظمة الحكم المتعاقبة بدءاً من "حسني مبارك" حتى "عبدالفتاح السيسي" مروراً على "حسين طنطاوي" و"محمَّد مرسي" و"عدلي منصور"، ثم سرعان ما أخذوا يرقصون بوقاحة فاجرة فوق جثث كل تلك الأنظمة بمجرد سقوطها تباعاً دون أن يرمش لهم جفن!!.
(14)
منذ البدايات الأولى لتولي جماعة "الحرس الحديدي" المعروفة باسم "الضباط الأحرار" حكم مصر عام 1952 كلف قائد الجماعة "جمال عبدالناصر" زميليه البارزين "زكريا محيي الدين" و"صلاح سالم" بمهمة إحكام السيطرة على مختلف فئات الشعب المصري، من خلال هيئتين سياديتين ظهرتا إلى الوجود العلني معاً عام 1954 وهما المخابرات العامة ومصلحة الاستعلامات، وبينما استقرت المخابرات في الأحضان التنظيمية لرئاسة الجمهورية فإن الاستعلامات قد انتقلت من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الإعلام ثم عادت مرة أخرى لرئاسة الجمهورية، دون أن تؤثر تلك الانتقالات الإدارية على استمرارية عضويتها المهنية في المنظومة السيادية التي يقودها رئيس الجمهورية كشقيقتها المخابرات، حيث كان شغل مواقع رئيس مجلس إدارة الاستعلامات ورؤساء قطاعاتها حكراً على قادة الأجهزة السيادية طوال العشرين عاماً الأولى من عمرها ثم انخفض المستوى إلى كوادر الأجهزة خلال العشرين عاماً التالية، لينخفض مجدداً إلى أعضاء تلك الأجهزة وأحياناً توابعها الذين تعاقبوا على المواقع الرئاسية بالاستعلامات منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين حتى اليوم، ولما كان هؤلاء القادة والكوادر والأعضاء والتوابع وافدين جميعاً من نفس المنبع السيادي الأصلي فقد تشابهت أساليبهم في السيطرة على أبناء الاستعلامات من المهنيين الإعلاميين، حيث يحلم الإعلامي الحقيقي بوطن تسوده أجواء سياسية ديمقراطية توفر للإعلام فرصة تحصيل المعلومات الصحيحة بحرية تامة ونقلها بين مختلف الجهات المعنية في الدولة والمجتمع بسرعة فائقة، ليؤدي بذلك وظيفته التنويرية التي تصب في جهود التنمية الشاملة للوطن بعيداً عن وظيفة الهجص التضليلية التي تصب في جهود تمكين نظام الحكم من السيطرة على مختلف فئات الشعب، لذلك دأبت رئاسة الاستعلامات الوافدة دوماً من المنبع السيادي على إعطاء السلطة والشهرة والمال بسخاء للإعلاميين الذين تخلوا عن أحلامهم وعادوا ليقبعوا خاضعين داخل خانة الهجص، مقابل الكثير من الويلات لأولئك الذين رفضوا عطاياها وكل الويل لهؤلاء الذين قبلوا العطايا وظلوا في الوقت ذاته متمسكين بأحلامهم، مثلي أنا وفقاً لما أوردته الأوراق التي وصلتني من واقع ملفي لدى الأجهزة السيادية، بما كشفته لي من وجود خطة سيطرة مزدوجة وضعتها تلك الأجهزة لمنع تمكيني المهني بين زملائي الإعلاميين سواء بالاستعلامات أو في هيئات الدولة الأخرى، وحسبما تفيد الأوراق فقد نجحت الخطة في تحقيق أهدافها استناداً إلى أساليب السيطرة غير التقليدية لحظائر الإعلام، لاسيما وأن القرار الجمهوري رقم 1820 لعام 1967 بتعديل المرسوم الجمهوري السابق صدوره في 3 سبتمبر 1954 تنفيذاً للقانون رقم 270 لعام 1952 بإنشاء الاستعلامات، قد منحها في مادته الرابعة حق اتخاذ ما تراه من قرارات لتحقيق أغراضها "دون التقيد بالقواعد الحكومية" باعتبارها جهاز سيادي، وهكذا تم إبعادي عدة مرات عن التمكين الإداري التنظيمي عبر إرسالي إلى أوروبا في مهام دبلوماسية مفتوحة ذات طابع وهمي بمجرد حلول موعد استحقاقي لشغل موقع رئيس قسم بالأقدمية، الأمر الذي تكرر لاحقاً عبر ندبي لشغل وظيفة المستشار الإعلامي بالسودان على مدى خمسة أعوام تحت الرئاسة المباشرة لقادة الأفرع الخارجية في الأجهزة السيادية بمجرد حلول موعد استحقاقي لشغل موقع مدير إدارة بالأقدمية، كما تم ضمي إلى مجموعة مستشاري رئيس الاستعلامات بدون أية صلاحيات وظيفية محددة بمجرد حلول موعد استحقاقي لشغل موقع مدير عام بالأقدمية، ولم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لتمكيني الفني الإعلامي حيث كان ذهني قد تفتق عن تشكيل وحدة التوجيه السياسي على هامش هيكل العمل التقليدي للاستعلامات، حتى تقوم الوحدة بتحصيل المعلومات الداخلية والخارجية الهامة فوراً من مصادرها المباشرة لنقلها في حينه إلى الهيئات الرسمية المعنية بما فيها الأجهزة السيادية، فقامت تلك الأجهزة بحل الوحدة وتفكيكها وتشتيت أفرادها بتوزيعهم على مراكز الإعلام الداخلي المنتشرة في مختلف أنحاء الوطن، دون أن تعبأ الأجهزة بخسارتها هي ذاتها للمعلومات الثمينة التي كانت تصلها من الوحدة في زمن قياسي، بل أن أوراقي لدى الأجهزة السيادية تفيد بأن تلك الأجهزة قد احتفلت بنجاحها في حل وحدة التوجيه السياسي نظراً لما حققه لها هذا الحل من مكاسب على صعيد السيطرة المزدوجة، فمنع وصول معلومات الوحدة إلى الهيئات المعنية بها يكفل استمرار الأجهزة في احتكار السيطرة على التداول المعلوماتي داخل أروقة الدولة، كما أن منع تحصيل هذه المعلومات لإيصالها إلى تلك الهيئات عن طريقي أنا يحد من تواصلي الفني مع زملائي الإعلاميين داخل الاستعلامات وخارجها وبالتالي يحد من تمكيني، الأمر الذي تكرر لاحقاً عندما تفتق ذهني عن تشكيل لجنة تطوير أداء الاستعلامات لوظائفها الفنية الإعلامية وهي اللجنة التي لحقت بسابقتها على أيدي الأجهزة السيادية، التي حلتها بدعوى تدخلها في العمل اليومي التقليدي لقطاعات الاستعلامات رغم أن تدخل لجنة التطوير في أداء القطاعات التقليدية لعملها اليومي هو من بديهيات التطوير، وحسب الأوراق فقد احتفلت تلك الأجهزة مجدداً بنجاحها في حل لجنة التطوير نظراً لما حققه لها هذا الحل من وقف اتساع نطاق العدوى المحتملة بالأحلام الوطنية الديمقراطية ذات العمق الاجتماعي والتي استمرت تحلق في سمائي، رغم أن أجواء جمهورية الخوف الأولى ظلت حتى آخر أيامها ملبدة بغيوم سوداء متراصة من كل أنواع الكوابيس!!.
(15)
كان بين زملاء دراستي ثلاثة ريفيين يسكنون معاً إحدى غرف مدينة الطلبة أثناء التحاقنا بجامعة "القاهرة" خلال سبعينيات القرن العشرين، وقد اشتركوا ثلاثتهم في نزوعهم الإجرامي الذي بدأ بسرقتهم للكتب الدراسية المقررة عليهم من حقائب زملائهم لكيلا يشترونها، ثم تطور الأمر إلى سرقة كتب أخرى من أرفف المكتبات لبيعها بربع قيمتها أو لاستبدالها بسلع تموينية وأدخنة ومكيفات، وسرعان ما تصاعد نشاطهم الإجرامي فأصبحوا يهاجمون كالذئاب المسعورة معرض الكتاب السنوي فيسرقون كل الذي تطوله أياديهم وتخفيه ملابسهم من مطبوعات يبيعونها لاحقاً على سور الكتب القديمة الواقع في حديقة "الأزبكية"، وبمجرد تخرجهم الجامعي تحولوا من هواة إلى محترفين للسرقة بأشكال مختلفة ولكن في ذات المجال المتعلق بالكتب، حيث التحق أحدهم بالصفحة الثقافية لجريدة رسمية يومية متخصصاً في العرض الحصري لأخبار الكتب التي يدفع له مؤلفوها المصريون والعرب مبالغ مالية مقابل ذلك، أما الثاني فقد تسلل إلى جمعية أهلية ليشرف على ندواتها الأسبوعية المخصصة لمناقشة أحدث إصدارات الكتب، فكان يتحصل لنفسه على مبالغ مالية وهدايا ثمينة وعزائم عامرة من المؤلفين المصريين والعرب مقابل إدراج كتبهم ضمن جدول ندوات الجمعية لزيادة المبيعات، في حين استغل الثالث معاناة شباب المؤلفين من الأثرياء مع قوائم انتظار النشر الحكومي المدعوم، فراح ينشر لهم كتبهم بمعرفته مقابل حصوله منهم مقدماً على تكاليف النشر المضاف إليها أرباحه الشخصية الطائلة بدلاً من قيامه بمنحهم حقوق التأليف المالية، وفي ثمانينيات القرن العشرين التقطت الأجهزة السيادية هؤلاء اللصوص الثلاثة الذين كانوا محل متابعاتها الدقيقة منذ سرقاتهم الطلابية المبكرة، وأخذت تقفز بهم للأمام في خطوات متسارعة نحو الشهرة غير المستحقة المشروطة بعضوية حظائر السيطرة، وبحلول التسعينيات كان أولهم قد تولى رئاسة تحرير مجلة ثقافية مصرية هامة مع منحه التراخيص اللازمة لمراسلة عدة مجلات ثقافية عربية في الوقت ذاته، بينما أصبح ثانيهم رئيساً لمجلس إدارة جمعية أهلية ومن ثم لاتحاد جمعيات العاصمة، أما الثالث فقد تنازلت له الدولة عن ملكية دار نشر وطباعة كبرى تحقق أرباحاً طائلة لحصولها على كل احتياجاتها من حصص الورق المدعوم ومنافذ التوزيع مع التسهيلات الائتمانية والإعفاءات الضريبية بمعرفة تلك الأجهزة، التي كانت قد سبق لها مصادرة دار النشر من مالكها الأصلي اليوناني الجنسية بعد طرده خارج مصر في ستينيات القرن العشرين، وبموجب أوضاعهم الجديدة فقد تم منح ثلاثتهم العديد من الجوائز الرسمية والأهلية ذات العوائد المادية والمعنوية، إلى جانب عضوية الغالبية العظمى من اللجان المشرفة على مختلف الشئون الثقافية بما فيها اللجنة الاستشارية العليا لرعاية معرض الكتاب السنوي والذي كانوا يدخلونه قبل عقدين لصوصاً، وقد تصادف أن نشرت دار "العالم الثالث" اليسارية كتابي المعنون "انهيار الدولة المعاصرة في مصر" عام 2006 ليحظى باهتمام سياسي واسع جعله ضمن قائمة الكتب المقرر مناقشتها في أنشطة عام 2007 لمعرض الكتاب، الأمر الذي أزعج الأجهزة فشرعت لإجهاضه حسبما تفيد أوراقها عبر أولئك اللصوص الثلاثة رغم أنه كان قد تم الإعلان رسمياً عن موعد ومكان الندوة المخصصة لكتابي وأسماء مدير الندوة وضيوفها، ولم يكن صعباً على ثلاثة لصوص كهؤلاء إلغاء الندوة صبيحة نفس اليوم المقرر لانعقادها باتباع الأساليب الالتفافية الملتوية لحظائر السيطرة التي كانوا قد أصبحوا من أبرز مشاهيرها، لاسيما وقد ساعدهم في ذلك أحد كبار رجال الأعمال الفاسدين من ممولي الأنشطة التجارية المصاحبة للمعرض والذي هدد مسئولي المعرض بوقف تمويله وهداياه لو انعقدت الندوة، كما ساعدهم أيضاً بعض بلطجية الأجهزة السيادية من سائقي عربات النقل الثقيل الذين داهموا بعرباتهم سيارات مؤلف الكتاب ومدير الندوة وضيوفها خلال تحركاتنا نحو المعرض من أماكن مختلفة حتى نلحق بالندوة، لنقضي اليوم كله موزعين على مختلف أقسام شرطة العاصمة المصرية لتحرير محاضر الإثبات واستخراج الخطابات الموجهة إلى شركات التأمين لتتدخل معنا في مواجهة وقائع الدهم، وقد سمح غيابنا القهري بأن يتم دفع رواد المعرض المتجمهرين أمام باب قاعة الندوات المغلق نحو الانصراف، بدعوى سابق ترتيب إلغاء الندوة بيننا وبين إدارة المعرض التي منحها ذلك الإخراج الدرامي فرصة التنصل من مسئوليتها عن المنع الغادر لندوة كتابي "انهيار الدولة المعاصرة في مصر"، الأمر الذي أسعد الأجهزة حسبما تفيد أوراقها باعتباره نجاحاً لحظائر السيطرة في منع انتشار كتاب سرعان ما أصبح بعد أربعة أعوام فقط ضمن أيقونات الاحتجاج الشعبي العارم الذي أطاح في يناير 2011 بجمهورية الخوف المصرية الأولى!!.
طارق المهدوي