-السمسار- تأريخ روائي وفتح ل-الصندوق الأسود- بجرأة

محمود عبد الرحيم
2017 / 2 / 22

"السمسار" تأريخ روائي وفتح ل"الصندوق الأسود" بجرأة
*محمود عبد الرحيم:
رواية "السمسار" لعمرو كمال حمودة واحدة من الروايات الصادرة حديثا عن دار "الثقافة الجديدة" التي تتسم بالجاذبية الشديدة والقدرة على إمتاع القارئ، دون ضجيج أو حذلقات لغوية أو أسلوبية.
وما يميز هذه الرواية، البساطة في بناء العالم الروائي وفي استخدام لغة السرد، والتكثيف الشديد والاقتصاد في الجمل والأحداث والشخصيات الذي حرر الرواية من الإطالة، وسرع من إيقاع أحداثها بصورة مذهلة، رغم طول المد الزمني الذي يغري أي كاتب آخر على التطويل بصورة كبيرة، فضلا عن اختراق التابوهات واقتحام المناطق الشائكة دون تردد، وبحساسية شديدة يحسد عليها الكاتب.
وتماس الرواية مع عالم السياسة و"البيزنس" و"الاستخبارات" وشخصيات ذات حيثية في الواقع المعاش، يثير شهية القارئ بلا شك، وربما تسليط الأضواء بقوة على هذه المنطقة هو ما يجعل الرواية متعددة القراءات والمستويات وتناسب القارئ البسيط، كما المثقف ذو الخبرة والمعتاد على تلقي الأدب، وهذا احد عوامل الجذب في هذا العمل الذي يؤكد فيه مؤلفه جدارته ككاتب روائي بارع، وليس هاويا يتلمس خطواته الأولى، رغم أن هذا هو عمله الثاني بعد رواية "فوليت والبكباشي".
وربما تكون هذه الرواية الأولى التي تفتح "الصندوق الأسود" لجهاز الاستخبارات خلال حقبتي السادات ومبارك بشكل خاص، وتقديم صورة أقرب للواقع، وليس تلك الصورة الدعائية التي ترسخت في أذهان الناس، جراء عدد من الأعمال الدرامية ك"رأفت الهجان" و"دموع في عيون وقحة".
فهي تقدم لنا أبناء هذا الجهاز، سواء كمسئولين أو منتسبين كبشر من لحم ودم، وليسوا أنصاف آلهة أو شخصيات هلامية ، أشخاص لهم نقاط ضعف ولهم أطماع، ويصيبون ويخطئون مثل كل البشر، وأيضا كبار رجال النظام وصراع البقاء الدامي بينهم الذي لا ينتهي والاقتداء دائما بشعار"أنا ومن بعدي الطوفان".
والأهم هو محاولة تقديم صورة واقعية في قالب حكائي جذاب، وليس تقريريا أو بحثيا، لكيفية الصعود الاجتماعي والاقتصادي الكبيرين خلال تلك الحقبة، وكيفية صناعة الثروات الحرام والإمبراطوريات الاقتصادية الضخمة التي لا تتطلب سوى توافر شخصية لها مواصفات خاصة ك"منتصر" بطل الرواية.. شخص صاحب ذكاء حاد قادر على امتلاك المعلومة، وقادر أيضا على نسج شبكة علاقات وتوظيفهما لخدمة مصالحه من خلال اللعب على نقاط ضعف الآخرين، خاصة أصحاب النفوذ، وفوق ذلك جرئ، ورابط الجأش، ويجيد اختيار التوقيت المناسب للاقتراب من شخص أو الابتعاد عنه، أو حتى التخلص منه دون أن تتحرك داخله أية مشاعر إنسانية، حتى لو كان صاحب فضل عليه من قبل.
وقد أجاد عمرو كمال حمودة في نسج هذا العالم المتداخل المصالح والممتد للخارج الذي يجمع "الجنرالات" برجال البيروقراطية والاستخبارات، بالفنانات، وإن كان قد تغافل عن عنصرين مؤثرين في إكمال هذه الصورة، وهما رجال الإعلام والدين اللذان كانا جزءا مهما من شبكة المصالح هذه، خاصة في السنوات الأخيرة.
ومن الملاحظ، أن الكاتب، يحاول أن يضع بصمته الخاصة في الرواية المصرية، ويستكمل بدأب ومهارة طريق كتاب الواقعية الكبار، خاصة نجيب محفوظ، وما يمكن اعتباره إن جاز التعبير "تأريخا روائيا" لمصر المعاصرة، وإعطاء مساحة كبرى من المعلوماتية، والوقائع الحية الحقيقية، وجعل التركيز وبؤرة الاهتمام في كل عمل على ظاهرة بارزة ألقت بظلالها الكثيفة على المجتمع، وكان لها تداعياتها الممتدة لسنوات، ففي "فوليت والبكباشي" ركز على صراعات السلطة والنفوذ بين الضباط الأحرار وظاهرة"القطاع العام" بكل ما لها وما عليها، خلال حقبتي الخمسينات والستينات وصولا للسبعينات، وها هو هنا يركز على ظاهرة "الإمبراطوريات الاقتصادية" أو بالأحرى "الصعود الكبير للمليارديرات" منذ حقبة السادات وحتى نهاية عهد مبارك، والناشئ عن علاقات مشبوهة، وعن المتاجرة في كل شئ حتى الأعراض والذمم والأوطان، وعلى حساب إفقار الشعب ونهب ثرواته و إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق.
وفي الأخير، هي رواية جديرة بالقراءة، وكاتب جدير بالتحية وكذلك دار النشر التي لم تتردد في إخراج هذا العمل الجرئ للنور، ليكون إضافة للمكتبة العربية ولرصيد الرواية في مصر والعالم العربي.