ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (20)

طلال الربيعي
2017 / 2 / 22

في الحلقات السابقة بينت ان مفهوم العدالة الاجتماعية منسجم مع تراتيبية عالم النفس ماسلو في الاحتياجات الانسانية وضرورة اشباع الاحتياجات الاساسية من مأوى وغذاء قبل اشباع الحاجات الروحية (1). ولكون مفهوم العدالة الاجتماعية يتعلق باشباع الاحتياجات المادية فقط. فهو يحيل الانسان الى حيوان ويقف بالتالي على النقيض من الماركسية التي تهدف في مشروعها الشيوعي الى اشباع الحاجات الروحية كهف اسمى, او مع فلسفة وايتهيد العضوية والجمالية.

بالطبع ان اشباع الحاجات الاساسية هو حق من حقوق الانسان. ولكن ماذا تعني عبارة "العدالة الاجتماعية"؟ بقدر تعلق الامر بالعدالة - على المصاريف ان تتماشى مع المدخولات؛ تحقيق انسجام بين السبب والنتيجة والثواب والعقاب بنسب صحيحة, وكذلك التوافق السليم بين البشر في ما يخص ما هو هادف وما هو غير هادف- هو شيء رائع. ولكن هذه امور تتضمنها العدالة. انها العدالة، وليس من الضروري أن يتم توصيفها ب"الاجتماعية".

على الرغم من أنني لست متأكدا تماما ما يعنيه هذا المصطلح, العدالة الاجتماعية, الا انه غالبا ما يتم استخدامه في إشارة إلى إيجاد مساواة مادية أكثر عدالة بين الناس. وذلك يعني أن العلاقات المادية بين الناس غير عادلة، وتحقيق العدالة لهم يتطلب مكافأة بعضهم على حساب البعض الآخر. فهي تهدف (لربما) لاثراء الفقراء عن طريق أفقار الأغنياء. وهنا نستشف اختزالا للماركسية الى مذهب اقتصادي, او, بتعبير آخر, الى نوع من الروبن هودية, سلب الاغنياء اموالهم ومنحها للفقراء.

ولكن الروبن هودية هي ليست صنوا للعدل او العدالة. العدل ينبغي ان يوزع استنادا الى معيار موضوعي في ما هو صائب وما هو خاطئ, في كل شيء. وهذا الكلام ينطبق على جميع الأشخاص. العدالة الاجتماعية هي على العكس تماما من العدالة، لكونها علاقة منشودة بين الأفراد من خلال معيار شخصي لأفراد آخرين. انها ليست بخصوص "أين موقعي بالنسبة إلى الصحيح"، بل انها بخصوص "أين أنا بالنسبة لك". العدالة الاجتماعية قد تبرر الفساد "الصغير!" بحجة وجود الفساد الكبير, فتصبح صنوا للعدالة في الفساد. انها منطق من يردد بينه وبين نفسه "اذا كان الآخرون فاسدين بلا حدود, فان فسادي بحدود لا يقارن بفسادهم. ان هدفي هو العيش فقط ولذا علي ان اكون فاسدا بالرغم من ارادتي, فبدون الفساد لا استطيع العيش او تأسيس عائلة او رعاية اطفالي. ان فسادي, على عكس فساد الفاسدين الكبار, الذين فسادهم هو من اجل الفساد نفسه, هو فقط من اجل العيش او البقاء على قيد الحياة". وهكذا يتجلبب الفساد (الصغير) بجلباب الفضيلة: اننا "اصحاب الايادي النظيفة"! ولكهم لا يكملون العبارة. فالعبارة الكاملة تقول "اننا اصحاب الايادي النظيفة قياسا الى الآخرين وليس قياسا الى معيار اخلاقي وموضوعي ينطبق على كل الناس". الاخلاقية تصبح هنا امرا نسبيا. ولذلك يوحي لنا هؤلاء انهم اخلاقيون, ليس لكونهم فعلا اخلاقيون, ولكن لكونهم اقل فسادا من الآخرين. وقلة فسادهم قد تكون ايضا انعكاسا لعدم وجودهم في موقع السلطة. ومنطق كهذا هو مناقض للعدالة بالطبع, لان العدالة والفساد هما نقيضان لبعضهما البعض, ولا يغير من هذا الاستنتاج حجم الفساد بكبره او صغره. وهذا المنطق المُضلل يخلق نوعين من الفساد: فساد مُبرر وفساد غير مٌبرر. والحدود عائمة بين الاثنين. ولا احد منا يستطيع ان يقرر متى يصبح الفساد "المبرر" فسادا غير مبرر, وذلك على الاقل لان ممارسي الفساد الصغير لا يعتبرون فسادهم, بالمقارنة, فسادا, بل انهم "اصحاب الايادي النظيفة". وهم يطلبون منا بدون اية اخلاقية الى ان نُخضع انفسنا الى منطقهم اللااخلاقي وننصاع الى مبدأ نسبية الاخلاق او نسبية الفساد, او ان الفساد المبرر مبرر فعلا- ونحن نعلم ان الميكيافيلية هي نقيض للماركسية. والشيوعيون, او سواهم, الذين يرفعون شعار العدالة الاجتماعية يبررون الفساد, شاؤوا ام لم يشاؤوا. العدالة الاجتماعية تصبح بذلك صنوا لشريعة الغاب على صعيد المجتمع. انها داروينية اجتماعية. والداروينية الاجتماعية هي ايديولوجية رجعية شكلا ومضمونا. (معظم الناس لا تضع انفسها في المعادلة عندما تتحدث عن العدالة الاجتماعية. وبدلا من ذلك يفكرون بخصوص موقع مجموعة من الناس بعلاقتها بمجموعة أخرى من الأشخاص)

ليس فقط ان العدالة الاجتماعية هي نقيض العدالة كما تفهم بشكل صحيح، بل هي أيضا مفهوم مادي بحت, ولذلك لكونها نتاج ماركسية مبتذلة او مادية تختزل الانسان الى حيوان. العدل هو مفهوم أخلاقي أو روحي، الذي يمكن أن يكون له عواقب مادية. اذا انتهك احدنا القانون الأخلاقي عن طريق السرقة, مثلا, فعليه دفع تعويض مالي او خلافه. العدالة الاجتماعية هي مفهوم مادي، والتي يمكن أن يكون لها عواقب أخلاقية أو روحية: "هذا الشخص لديه ممتلكات أقل من ذلك الشخص", لذا يجب أن نشعر بالغضب ونعيد توزيع السلع (الاستهلاكية), هم يعتقدون! في هذا الصدد، العدالة الاجتماعية هي نوع من عبادة الأصنام البشرية والمادية, لانها تجعل الآخرين من البشر معيارا للقياس، والمواد الممتلكة وحدة للقياس. والانسان ليس حرا طالما سعادته تتوقف على السعادة النسبية لمن حوله: هؤلاء يعتقدون بوجود قانون اقصادي للسعادة, اي ان كمية السعادة لكل البشر هي كمية ثابتة, لذا ان سعادة الآخر تنتقص من سعادتهم. ومن الواضح ان هؤلاء يعاملون السعادة كمفهوم مادي او اقتصادي بحت, وهذا هو تعبير آخر لماركسية او مادية مبتذلة. ونحن نعلم بما يقوله الفيلسوف الهندي الكبير Jiddu Krishnamurti
It is no measure of health to be well adjusted to a profoundly sick society
(2)
"التكيف الجيد مع مجتمع مريض للغاية ليس معيارا للصحة"

ونحن لا تراودنا الاوهام ان وراء الرغبة في المساواة المادية هو الرغبة في أن يكون الشخص أفضل من جاره, والافضل تعني هنا اكثر غنى او امتلاكا للسلع. انهم عبيد السلعة التي يقدّسونها باسم الدين او شيوعية مرادفة للجشع والطمع والروح الاستهلاكية. وهؤلاء الشيوعيون الاستهلاكيون هم حجر عثرة كأداء في الطريق الموصل الى اشباع الحاجات الروحية. ان شيوعيتهم تقف على طرف النقيض من الماركسية ومن المشروع الشيوعي على حد سواء.

ودعاة العدالة الاجتماعية من "الشيوعيين" يرفعون شعار "شعب سعيد". ولكن سعادة الشعب لن تتحقق من خلال معادلة اقتصادية لا تشمل الخيال والقيم والعواطف والمواقف والطموح والخوف والذكريات. وبالتالي فإن السعادة ليست على الاطلاق مجرد مسألة او حقيقة اقتصادية خالصة، او انها مقدار ما يكسبه الشخص او ينفقه. ان المعادلة الاقتصادية للسعادة هي نقيض للشيوعية وهدفها الاسمى المتمثل في اشباع الحاجات الروحية للبشر. وهنا نستشعر نحن الحاجة الى تأمل ما يعلّمنا غوته بخصوص علاقتنا بالمال (3).
يتبع
-----
المصادر ذات الصلة
1. Maslow s Hierarchy of Needs
http://www.simplypsychology.org/maslow.html
2. Krishnamurti: “It is no measure of health to be well adjusted to a profoundly sick society
http://www.wildmind.org/blogs/quote-of-the-month/krishnamurti-measure-of-health
3. How to Worry Less About Money
https://www.brainpickings.org/2013/05/13/how-to-worry-less-about-money/